مختارات

أنس دنقل: حكايتي مع عبد الناصر

مُختارات بقلم: أنس دنقل، شقيق الشاعر أمل دنقل

إتولدت سنة ١٩٤٩ .. ابويا مدرس ثانوي علي سن ورمح.. ايام ماكان اللي يفك الخط يعتبر من هيئة كبار العلماء..

سنة ١٩٥٠ اتوفي ابويا.. عمري سنه .. اختي احلام اربع سنين .. امل اخويا عشر سنين.. أمي سبعه وعشرين سنه.. صممت تعيش تربي اولادها..

ايام الملك، كان الموظف اللي يخدم اقل من ١٥ سنه لايحصل علي معاش.. وبالتالي لم نحصل علي معاش!!

لكن ايام مولانا الملك، كان معانا ارض زراعيه.. أحرار نأجرها لمن نشاء.. إجارة الفدان السنويه ايامها على الأقل ٢٥ جنيه.. ما يعادل ٢٦ جنيه دهب .. عشنا كويس.. سنة ١٩٥٢ قامت الحركه المباركه.. صدر قانون الاصلاح الزراعي.. الارض ملك لمن يزرعها.. تروح زي الشحات.. تخبط علي بيت ابن ال(….) المستأجر!!.. (ايام اسود من قرن الخروب).. ايجاره الفدان بدل ٢٥ جنيه بقت ١٠ جنيه، وبعد خصم الخراج تبقي سبعة جنيه.. تاخدهم بطلوع الروح بالربع جنيه حسنه من ابن (….) المستأجر!!

فضلنا علي ده الحال.. لغاية سنة ١٩٦٢ .. طالب في البراهمه الاعداديه.. رايح اجيب الإيجار من المستأجرين.. قالوا: اصحى، انت فين؟! .. انتو واخدين ايجارة سنتين مقدم.. (!!)

– طيب بسيطه.. نبيع لكم حته أرض ..ادونا تمنها ناكل بيه (!!)

* نشتري ليه؟! .. الارض راكبينها بالقانون.. ومحدش ليه حاجه عندنا (!!)

نلف ع البلد حد يشتري ارض للبيع.. محدش يشتري ارض واضعين ايديهم عليها بالقانون!!

الحل؟!

فيه ست طيبه مرابية.. بترابي في البلد.. الست طلعت بنت ناس اصيلة.. سَلفتنا بضمان رهن الارض.. المية جنيه ربحها في السنه ١٠ جنيه.. ماشيين معاها كده.. لغاية شهر سبتمبر ١٩٦٣.

اول العام الدراسي، الشهاده الاعداديه، زمايلي الطلبه يبعتوا رسايل لجمال عبدالناصر يطلبوا صوّره، يبعت لهم صورته وعليها توقيعه.. ايامها كنت اشطر طالب في المدرسه، بالذات في اللغه العربيه والتعبير.. ماتبصوش لمستوايا دلوقتي..

عبد الناصر
عبد الناصر يوزع صكوك الأراضي على الفلاحين

كتبت رساله بالبلدي شرحت فيها الظروف دي لجمال عبدالناصر:

سيادة الرئيس..نحن اسره ظُلِمنا في عصر الملك لاننا لم نحصل علي معاش لأبي.. وظُلمنا في عهد الثوره التي جعلت ارضنا البسيطه في يد من يزرعونها.. نرجو انصافكم..

طابع بوسته بقرش

وبعّتْ الجواب..

عشرة ايام بالضبط، الساعه عشره الصبح، قاعد في الفصل.. ناظر المدرسه يبعت لي: كَلِم ..

لقيت غفير العمده وحمار العمده العالي.. عاوزينك في ديوان العمده!

اتخضيت.. حد جراله حاجه؟!!

الغفير: مفيش حاجه والنبي.. واحد ضيف كبير قوي قوي قاعد عند العمده ومعاه رئيس النقطه وعايزينك تحضر حالاً..

الكلام ده خوفني اكتر.. قلت ربنا يستر..

ركبت الحمار ورا الغفير .. نفسي الحمار يطير.. دخلت عليهم .. رِجل ورا و رِجل قدام..

علي باب الديوان عربيه جيب روسي عليها اتنين حرس شرطه عسكريه بخلاف السواق ..

جوه المندره، راجل شكله بسيط، لابس قميص وبنطلون.. انا المقدم شعراوي جمعه.. مكتب الريس: انت اللي بعت الجواب ده؟

– ايوه.. انا.

* الرساله دي قراها الريس ومنامش الليل..

العمده يقاطع: اها.. واد قليل أدب .. نأدبه .. عديم الحيا…

المقدم: تعالى معايا جوه..

العمده: مفيش حد غريب، إحنا عمامه.. والناقصة علينا..

فجأة ..كل اللي قاعدين حوالين العمده بقوا اعمامي وحبايبي ومصلحين اجتماعيين وميعرفوش المشكله.. لو يعرفوا كانوا حلوها!!

رد المقدم بحزم: مش عاوز كلام.. لو انتو كبار صح وبجد وبتحلوا مشاكل مكانش بعت للريس..

تعالى يابني جوه..

قعد يسألني وانا اجاوب وهو يكتب ملاحظات، بعدين.. يلا بينا على بيتكم .. عاوز اقابل الست الوالده..

شعراوي جمعة
شعراوي جمعة

وإحنا طالعين، وقف العمده يسأل: علي فين العزم؟

رد المقدم: رايح معاه البيت .. ح اقابل والدته..

العمده بغيظ: معندناش حريم تقابل رجال اغراب.. اقعد ياباشا.

رد المقدم بانفجار: انت مجنون؟!! ..انا جاي من مصر عشان اشوف حريمكم؟!! ..فريد افندي (رئيس نقطه الشرطة، اتذكر اسمه، فريد فوده)..إتحفظ ع العمده لغاية ماآجيلك ونشوف حنعمل ايه فيه..

العمده عمل مارشيدير ١٨٠ درجه .. ماقصدش ياباشا.. نروح نونسك، أحسن كلب يهب فيكم.. خايفين عليك.. جنابك مش واخد علي الخلا وعفاشته..

– لا، ريّح نفسك .. انا عارف طريقي.

رحنا البيت.. شاف عقود الرهن بالربا .. اتأكد من كلامي.. رجعنا الديوان.. ركب عربيته.. يلا يافريد افندي.. ركب وراه.. سلامو عليكم..

الألاضيش اللي قاعدين جوه الديوان: استني ياباشا.. الغدا جاهز.

العربيه طلعت تجري .. مخلفة وراها اكوام تراب..

اسبوعين بالضبط.. وصلنا شيك معاش شهري ١٥ جنيه.. وشيك مجمد متأخر معاش استثنائي ٣٠٠ جنيه!!

المدهش والعجيب، في مطلع عام ١٩٦٤، برنامج اذاعي اسمه اخبار خفيفه.. المذيعة تقول: الرئيس يصدر القانون رقم ٣٣ لسنة ١٩٦٤ (لسه فاكر رقمه) .. بشان منح من توفوا في العصر الملكي ولم يحصلوا علي معاش.. صرح السيد ابوالعينين رئيس مصلحه التامينات، أن السيد الرئيس وصلته رساله من طفل صعيدي، لفتت نظره للظلم الواقع على هذه الفئة ممن اضيروا في العهد الملكي.

نفس الكلام في جرنان تاني يوم..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock