رؤى

11 سبتمبر كان تحذيرا مما سيأتي بعده

عرض وترجمة: أحمد بركات

يقبع 11 سبتمبر تحت ركام طبقات من التاريخ والتأويل اللاحقين إلى درجة يصعب معها سبر أغوار مشاعر ذلك اليوم. مضت الساعات والأيام الأولى كلها على هذا النحو المرتبك، حيث كانت جميع الحقائق مبهمة وملتبسة. وبدا الأمر وكأن الأسئلة نفسها تترى في العيون وتدور في الأخلاد قبل أن تتفوه بها الألسن: كم عدد الموتى؟ وكم عدد الناجين؟ وهل يوجد ناجين بالأساس؟ متى ستضرب الموجة التالية من الهجمات؟ من فعل هذا بنا؟ ولماذا؟ …

ثلث الأميركيين الذين يعيشون اليوم كانوا أطفالا، أو ربما لم يولدوا بعد، في 11 سبتمبر 2001، وربما يتساءلون الآن: ماذا كان كل هذا؟

خلال السنوات العشر بين نهاية الحرب الباردة والهجمات الإرهابية، تمتعت الولايات المتحدة بمستوى من القوة والثروة والأمان التي لا مثيل لها في التاريخ، ربما باستثناء بريطانيا في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

وكانت الثقة المفرطة والراحة المترهلة هي الميزة الأساسية لهذا العقد الذي شهد طفرة في أسعار الأسهم، والمعالِجات الدقيقة. وبدا أن اقتصاد المعلومات قد ألغى دورة الأعمال. وكان يمكن للولايات المتحدة أن تخوض حروبها بالصواريخ “الكروز” دون أن تتكبد أي خسائر. ولم يكن على الأميركيين أن يشعروا بذرة قلق من أنهم قد يستيقظون ذات صباح ليجدوا أنفسهم وسط الأنقاض، أو ربما تحت ركامها، والجثث تملأ الشوارع.

وسمح هذا العقد أحادي القوة للأمة الأميركية أن تبدد عاما كاملا في ممارسة الجنس داخل المكتب البيضاوي. وفي انتخابات عام 2000، صوت كثيرون، أو فشلوا في التصويت، كما لو كان ليس مهما مَن سيحكم أميركا، فهناك الكثير من القوة والقليل من المسؤولية.

لكن 11 سبتمبر بددت حلم الاستثناء الأميركي من قاعدة التاريخ الإنساني، وأثبتت أنه لم يكن سوى حلم طفولي أجبرت نهايته الأميركيين، ربما لأول مرة، على التفكير في بقية العالم.

لم يكن الأميركيون يفكرون قبل صبيحة هذا اليوم في منفذي الهجوم، لكن هؤلاء  كانوا يفكرون جيدا في الأميركيين. فعلى مدى عقد تقريبا كان الراديكاليون الإسلاميون يحاولون لفت الانتباه الأميركي عن طريق إعلان الحرب على المواطنين الأميركيين، وتفجير السفارات والسفن الأميركية، ومركز التجارة العالمي ذاته، ولكن دون نجاح كبير.

من جانبه، اكتفى الرئيس بيل كلينتون بإطلاق الصواريخ على معسكرات تدريب اللاجئين، دون أن يترك ذلك أثرا على أي مستوى، ودخلت عبارة “wag the dog” (عمل عسكري لا طائل من ورائه، إذ يهدف فقط إلى صرف الانتباه عن فضيحة داخلية) إلى المعجم اللغوي.

وعندما برز اسم القاعدة على السطح في 11 سبتمبر، لم يكن كثير من الأميركيين سمعوا بهم من قبل. كما كانت استراتيجية الحرب غير المتكافئة غير مألوفة، مثلما كانت أهداف العدو غير واضحة.

بكل معنى الكلمة ـ إذن ـ جلبت هذه الهجمات شيئا جديدا إلى العالم. الأميركيون، الذين هزتهم الصدمة، لم يفهموها. “كل شيء تغير”، كما قال الخبراء، لكن تحدي التفكير أو العمل على نحو مغاير عادة ما يمثل أمرا شاقا. لذا، عندما تعلق الأمر بتفسير الهجمات، لجأ معظم قادة الفكر والسياسة الأميركيين إلى النصوص المألوفة، وتمخض هذا عن عدة تأويلات كان من بينها ثلاثة تركوا بصمة خاصة.

أكد أحد هذه التأويلات أن الهجمات كانت عبارة عن “دجاجات عادت إلى قنها”، فيما يمثل عقوبة، وربما شكلا من أشكال العدالة الكونية مقابل ما اقترفته أيدي أميركا في الخارج، أو بحسب تعبير سوزان سونتاغ، في نفس أسبوع الهجمات، “عاقبة تحالفات وأعمال أميركية محددة”.

وشاع مصطلح جديد وهو “”blowback (الضربة المضادة). ومضت لين ستيوارت، المحامية اليسارية التي دافعت عن موكلين متهمين بالإرهاب، قبل أن يُزج بها إلى السجن بتهمة تقديم مساعدات مادية، بهذا المصطلح إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن “جميع الأميركيين كانوا صيدا سهلا في الحرب ضد الإمبريالية”. وتضمنت هذه الرؤية حقيقة أخرى مفادها أنه إذا كانت الولايات المتحدة ستتوقف عن اقتراف بعض الأعمال، فإن الهجمات ستتوقف تبعا لذلك.

ورأى تأويل ثان أميركا على أنها الطرف البرئ تماما، وأن كل ما هو شر (هم) يحاول أن يدمر كل ما هو خير (نحن). وبدا الصراع وكأنه حربا على الحرية، وأن العسكرية الأميركية والفوة الأخلاقية ـ وكلاهما متوافر بغير حدود لدى الأميركيين ـ سيهزم في نهاية المطاف أعداء أميركا اللدودين.

كانت هذه وجهة نظر جورج دبليو بوش، وعندئذ تبين أن هوية الرئيس، التي لم يعبأ بها الناخب الأميركي قبل عام واحد من الهجمات، مهمة للغاية. وكانت العبارة المفتاحية في هذا التأويل هي الوضوح الأخلاقي الذي تحول عمليا إلى سياسة عدوانية، سرعان ما مزقت الوحدة الوطنية الأميركية، وأدت في نهاية المطاف إلى عزل معظم أجزاء العالم.

ويقع النص الثالث بين ـ أو خارج ـ النصين الأولين. فالولايات المتحدة، برغم ما يعتورها من عيوب، كان عليها ـ بموجب هذا التأويل ـ التزام بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، حتى لو كلفها هذا استخدام الفرقة 82 المحمولة جوا لمحاولة بناء دولة أفغانستان وتغيير النظام في العراق.

وأدت أحداث 11 سبتمبر إلى صعود فكرة أن الأمن الأميركي الداخلي يعتمد على نشر القيم الديمقراطية في العالم الإسلامي. كانت هذه وجهة نظر دعاة التدخل الليبرالي، والتي عانت من وهم أن الحرب وسياسة القوة يمكن أن تتناسب مع الغايات الإنسانية.

بطريقة أو أخرى، كانت هذه الآراء الثلاثة استمرارا لحلم التسعينيات، فقد افترضوا جميعا أن الولايات المتحدة هي من لديها سلطة الاختيار بين السلام أو الدمار، وأن الشعوب والدول الأخرى ليس لها وجود حقيقي.

كانت هناك أيضا استجابات أفضل، وهي تلك التي أبدت تواضعا فكريا حيال نوع جديد من الحرب ونوع جديد من السياسة. وبينما باتت الهجمات الجهادية حدث عالمي يومي، سواء في مدريد، أو مومباي، أو بوسطن، او باريس، أو أورلاندو، حذرت هذه الآراء من التهويل في رد الفعل، والتهوين في تقدير الأمور.

لقد حاول هؤلاء فهم الإسلاموية الراديكالية بشروطها الخاصة، وليس باعتبارها رد فعل ميكانيكي ضد السياسة الخارجية الأميركية، أو تجسيدا لألمانيا النازية، وإنما كأيديولوجيا قوية أججتها السياسات القمعية في منطقة تربطها علاقات معقدة بالإمبريالية والحداثة. ونصحت هذه الرؤى بأن السجال الفكري سيحقق، على المدى الطويل، أكثر مما تستطيعه الضربات الجوية.

لكن أحدا لم يستمع لهذه النصيحة، وسقط القادة الأميركيون في فخ الجهاديين، وشرعوا في حرب مبهمة المعالم ولا يمكن الانتصار فيها تحت راية “الحرب على الإرهاب”، فيما كانوا يتوهمون، كما أعلن بوش، أنها “ستنتهي بالطريقة وفي الساعة التي نختارها”.

وأغرقت السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر الأميركيين في تيار التاريخ القاسي. وتلت الصدمة الأولى صدمات تلو أخرى، تمثلت في عسكرة الوطن، وحرب العراق ببدايتها المتغطرسة وعذاباتها التي لا تنتهي، واستخدام التعذيب الذي قوض أي عبارة حالمة أو مثالية تفوه بها بوش، والأزمة الاقتصادية التي دمرت ثروات أميركا والبقية الباقية من الثقة في نظامها، وعودة طالبان في أفغانستان، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في العراق وسوريا”، وصعود الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة، وهجمات دونالد ترمب المحمومة على الديمقراطية، وجائحة كورونا التي قتلت من الأميركيين أكثر من 200 ضعف ممن قتلتهم الهجمات الإرهابية.

في ضوء هذا التاريخ، لم يكن 11 سبتمبر ـ إذن ـ حدثا متفردا خرج من سماء زرقاء صافية، وإنما كان تحذيرا أوليا بأن القرن الحادي والعشرين لن يحمل سلاما ورخاء بلا حدود. ولم يكن تنظيم القاعدة انتكاسة أولية إلى العصور الوسطى بقدر ما كان انطلاقة للسياسات الخبيثة المناهضة لليبرالية والقومية التي تفشت في غضون وقت قصير في جميع أنحاء العالم، حتى في الولايات المتحدة، حيث وجه المهاجمون ذات يوم ضربتهم.

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock