رؤى

عمر بن عبد العزيز.. الخلاص من أسر بني أمية!

تقول كلمات أغنية المقدمة للمسلسل الشهير الذي قدمه الراحل نور الشريف عن شخصية عمر بن عبد العزيز:

                            هذا الفتى العمري في تقــــــــواه            نور التقى والطهر في سيماه

                              غصن من الفاروق في أخلاقــــه           شمل الرعية عدله وتقـــــــــاه

                              الراشد العمري على الطغاة قوي          وبالضعيف رحيم وباليتيم حفي.

كلمات بسيطة لكنها تحمل إشارات عديدة.. فالفتى عُمَري وليس بأموي، وصفاته التقى والطهر والورع.. وهو فرع على أصل شجرة هي جده لأمه عمر بن الخطاب.. وهو لذلك عندما حكم جاء حكمه مغايرا لحكم سابقيه من بني أمية.. ليس هذا فحسب بل إن رشده ومكمن تفرده كان في عدم تسامحه مع هؤلاء الطغاة؛ وليس من طغاة في هذا العصر إلا أمراء الجور من البيت الاموي بفرعيه السفياني والمرواني.. ثم يأتي الحديث بعد ذلك عن رفق عمر وحفاوته باليتامى وبره بعموم المسلمين.. لكن عمر لم يحسم هذا الصراع بين العمري والأموي بسهولة كما قد يستقر في أذهان البعض.. بل نستطيع أن نقول أنه قاسى كثيرا؛ حتى يضع عن كاهله هذا الإرث بكل ما فيه من جور واعتداء وأكل لأموال الناس بالباطل، وإراقة دماء- نال هو بعضا منها كما سنبين- ليصبح خامس الراشدين برغم القصر النسبي لفترة حكمه التي لم تتجاوز عامين ونصف؛ قضاها في رد المظالم، وانتزاع الحقوق لأصحابها من أمراء بني أمية، مع الوفاء بحقوق الولاية من رعاية وعناية بالرعية في سائر أمصار الدولة.

قبل أن يبلغ عمر الخامسة والعشرين كان قد أصبح واليا على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي المشتهر بالشدة.. وربما على سبيل الاختبار يرسل الوليد إلى عمر برسالة يأمره فيها بجلد خبيب بن عبد الله بن الزبير مئة سوط، ثم وضعه في السجن. ففعل عمر ما أمر به على فداحته وعلمه أن ذلك ربما يودي بحياة الرجل، الذي لم يكن بالمعارض الشرس لحكم بني أمية، إنما كان يبكي زوال دولة أبيه في الحجاز، وانتهائه هذه النهاية المأساوية. جلد عمر خبيبا حتى أتم المئة سوط، ثم حبسه فلما رأى تردي حالته الصحية، وإشرافه على الهلاك.. أخرجه إلى بعض أهله ليطببوه، وإن هي إلا أيام حتى أسلم خبيب الروح إلى بارئها شاكيا إلى الله جبروت بني أمية وعدوانهم!.

لاشك أن حادثة مقتل خبيب قد أثرت تأثيرا بالغا في عمر بن عبد العزيز.. ولعلها منعته النوم الليالي الطوال، ولربما كانت هذه الحادثة نقطة التحول الكبرى في حياة عمر، التي سيتغلب بعدها العمري على الأموي في شخصية خامس الراشدين.

ويتعجب البعض من إقدام عمر على هذه الجريمة النكراء التي ما كان له أن يرتكبها على هذا النحو البشع لو تبصَّر الأمر قليلا.. ذلك لأن التنشئة المصرية الوادعة التي عرفها عمر تأبى ذلك، كما هو الحال بالنسبة لارتباطه الشديد بوالده الذي امتدت فترة ولايته على مصر لنحو عقدين؛ وعُرفَ بالعدل وحسن السيرة والعطف على الفقراء حتى روي أنه كان يقيم المآدب العامة التي تقدم فيها ألف قصعة يوميا، مع مئة أخرى ترسل إلى الريف، كما كان حريصا على تعليم أبنائه. وابنه الأصبغ الذي كان يكنى باسمه؛ عاش بالإسكندرية وطلب علوم الأوائل وتوفي ودفن فيها، وكان ذلك في حياة والده، كما عرف عن عمر اتصاله بالطبيب العالم ابن أبجر الذي كان متبحرا في علوم الطب وغيرها، كما قرب عمر رجلا آخر هو صيفي بن هلال، وكان مشتهرا بأنه قد قرأ كتب اليونان والسريان، والشاهد من ذلك أن عمر كان متوقد الذهن محبا للعلم، كما عرف عنه حبه للتلحين وقد مارسه وقد عدد أبو الفرج ما لحنه عمر من أغنيات.. فكيف تحوَّل عمر إلى قاتل؟ لابد أنها بقايا ميراث الأموي الكامنة في الجينات، أو أن ذلك كان شرط الوليد؛ ليحتفظ عمر بالإمارة!.

في فترة ولايته على المدينة وكان اللهو والمجون قد انتشرا بها بعد فقدانها مكانتها السياسية  لحساب دمشق- أصدر عمر أوامره بعدم ملاحقة شاربي الخمر، طالما تعاقروها بين الجدران، ولم يجاهروا بشربها، كما أنه كان يرى جواز شرب النبيذ، كما روى ابن سعد في طبقاته.

يذكر هادي العلوي في كتابه “شخصيات غير قلقة في الإسلام” أن أهم ما ميز عمر هو عبقرية الحس الإنساني، مع تشربه أفكار المعارضة في فرقها الثلاث: الشيعة، الخوارج، القدرية، ونشأة سوية في بيت لم يمارس الطغيان عززتها صلته بتلك المعرفة الزائدة عن حد المعرفة الدينية التي تلقاها صغيرا.

ولعل أهم ما يمكن التوقف عنده في سيرة عمر بن عبد العزيز- قدرته على احتواء تلك الفرق وإسكانها تماما خلال فترة ولايته بل أنه اتخذ منهم أعوانا خُلَّص، ساعدوه في خطته الإصلاحية، ورد مظالم بني أمية، وكان على رأسهم غيلان الدمشقي الذي تولى بيع مصادرات بني أمية وكان ينادي وهو يمارس عمله بلا حرج: هلموا إلى متاع الظلمة، هلموا إلى متاع من خان الله ورسوله.

 شخصيات غير قلقة في الإسلام

بتولي عمر الخلافة كان النزاع قد حسم نهائيا، واستطاع العمري أن يقهر الأموي، وينتصر لقيم العدل ونصرة المظلوم، وأراد عمر أن يتفرغ لإصلاح أحوال الرعية، وما أراد أن يشغله عن ذلك شاغل؛ فأمر بفك الحصار عن القسطنطينية وعودة الجيش بعدما لاقاه الجنود من معاناة بسبب طول فترة الحصار دون جدوى، بالقطع لم يكن الرجل ذا ميول توسعية، بل كان يرى أن ما  وصلت إليه الدولة الإسلامية في عهده فيه الكفاية وكان يسأل الله أن يبارك للمسلمين فيما فتح عليهم؛ لذلك توقفت الفتوح في عهده باستثناء بعض التوغلات العربية في الغرب الأوروبي ردا على ما حدث في تور.

لم يقف بنو أمية مكتوفي الأيدي إزاء ما قام به عمر، فحاولوا بداية مناشدته الرحم، فأرسلوا إليه عمته؛ ناهية له عن مصادرة الأموال والقصور والضياع؛ فجاءها رده حاسما: إن رسول الله مات وترك الناس على نهر مورود، فولي ذلك النهر بعده رجلان لم يستخصا نفسيهما وأهلهما منه بشيء، ثم وليه ثالث فكرى منه ساقية، ثم لم تزل الناس يكرون منه السواقي؛ حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، وايم الله لئن أبقاني الله لأسكّرن تلك السواقي حتى أعيد النهر إلى مجراه الأول.

بالقطع فإن عمر وهو ماض في تنفيذ خطته التي كان من شأنها أن تنهي ذلك الملك العضوض المغتصب، وتعيد الحكم الراشد على منهاج النبوة- كان يحتاط كل الحيطة من مؤامرات أعدائه التي كانت تهدف إلى إنهاء حياته وإجهاض تجربته، وإعادة الأمور إلى سابق عهدها من الجور والظلم، فما زالت مخاوف بني أمية تتعاظم كلما مضى عمر في إنفاذ مخططه، حتى أن بعضهم خشي أن يسترق ويباع في الأسواق إذا ما واصل عمر عمله في رد مظالم بني أمية وكانت لا تحصى عددا، وروي أن مسلمة ابن عبد الملك قالها بعد وفاة عمر: أما والله ما أمنت الرق حتى رأيت هذا القبر.

ضرح عمر بن عبد العزيز
ضرح عمر بن عبد العزيز

لم يتخذ عمر عبيدا في بيته طوال فترة حكمه؛ فلقد كان أزهد الناس، وكان له خادم يقوم على تدبير بعض أمره ويعاونه عمر في ذلك، وكان تحوط عمر من غدر بني أمية قد زاد خاصة بعد وفاة أخوه سهل ومولاه مزاحم وولده عبدالملك وكانوا خاصته وأعوانه في حربه على الفساد والمفسدين، وبالقطع فإن وفاة الثلاثة وهم بعد في مقتبل العمر، يعد علامة استفهام كبيرة، جعلت البعض يذهب إلى أن وفاة الثلاثة كانت بتدبير من أمراء بني أمية، وكان سبب التخلص منهم أن يصبح عمر وحيدا؛ فيسهل عليهم الوصول إليه.

تذهب أصح الروايات إلى أن عمر قتل بالسم الذي دس له في الطعام من قبل أحد المقربين منه، وأشارت المصادر إلى أن تبرما واضحا ظهر على زوجته وابنة عمه فاطمة بنت عبد الملك بعد أن تحولت حياة عمر إلى الزهد الشديد وقيل أنها جارته فيما ذهب إليه من التخفف من أوحال بني أمية بالتصدق ببعض ما تملك، إلا أنها عادت فحنقت عليه، حتى قيل أنه سمعها ذات يوم تدعو عليه قائلة: أراحنا الله منك!.

وسواء قتل عمر على يد خادمه أو زوجه لم يعد ذلك مهما الآن، فلقد رحل عمر ولم يكمل الأربعين من عمره، مخلفا وراءه تجربة إنسانية فريدة قلما نجد لها نظيرا في التاريخ البشري، برغم أن بطل هذه التجربة، كان متنازعا لفترة طويلة من عمره القصير بين متناقضين، حائرا بين ضدين، وكأنما كان له قلبان في جوفه، إلا أنه استطاع أن يحسم الصراع، وينتصر لقوى الخير حتى صار مثلا يضرب في قدرة الإنسان على التغيير الجذري في زمن قياسي.. ذلك فقط إذا خلصت النوايا!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock