رؤى

عداء غالبية الفقهاء الأوائل للفلسفة عطّل العقل العربي وأضعف الاجتهاد

‎بشكل صريح لا لَبْسَ فيه عادى غالبية الفقهاء المسلمين منذ بدايات القرن الثالث الهجري الاشتغال بالفلسفة، ورأوا فيه حَيْدَةً واضحة عن جادة الصواب، وسببا جليا للهلاك، وغطاءً خادعا لانحرافات الفكر، وفساد المعتقد وإعادة إنتاجٍ لأسئلة افترض الفقهاء أنَّ الإجابة عنها قد قُطِعَ بها منذ زمن.

‎أما من أحسن الظن منهم فقد رأى في الفلسفة ترفا لا جدوي منه؛ فليست فضاءات الفلسفة التي شاغلها التجدد الدائم من خلال معاودة البدء وإعادة تعريف المعرف في نظرهم سوى خواء وضياع وتيه لا آخر له، من دخله مختارا فقد استبدل الذي هو أشقى بالذي هو خير!.

‎فكان مذهب الغالبية منهم اتهام الفلاسفة بقائمة من الاتهامات تجل عن الحصر.. والحقيقة أن حكمهم ما كان ليأتي على هذا النحو إلا تضييقا لكل رحب يبعث على إعمال العقل؛ سيرا على نهج النقوليين في كل عصر ومصر.

كانت الترجمات الأولى إلى العربية عن اليونانية والفارسية والسريانية هي الأساس الذي انطلقت من خلاله المذاهب الكلامية التي أنتجت جدلا ميتافيزيقا أثار الفزع في بيئة علمية يحكمها سلطان الفقه بأحكامه المستقرة، ورؤاه المادية.. فكانت تلك الأفكار كالغيث الذي أصاب جدبا؛ فإذا به يصخب فجأة بصور متعددة للحياة بعد جمود وموات، وربما من هنا بدأ الخلاف والتناحر الذي تثيره تلك التباينات الحادثة بين الأضداد.

‎وقد ورد عن الإمام الشافعي أنه قال: “منهجي في “أهل الكلام” تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد” كما ذهب إلى القول بضرورة أن “يطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام”.

الشافعي
الشافعي

‎ونسب إلى الإمام أحمد بن حنبل القول بأن “علم الكلام زندقة، وما ارتدى أحد بالكلام إلا كان في قلبه دغل على أهل الإسلام؛ لأنهم بنوا أمرهم على أصول فاسدة أوقعتهم في الضلال”.

‎بالطبع لم تكن الحدود واضحة آنذاك بين علم الكلام والفلسفة، وإن كان من المسلّم به أن علم الكلام بدأ بشيء من النظر الفلسفي، إلا أن الفراق بينهما قد تم مبكرا، إذ انغمس أهل الكلام في مسائل تتعلق بالذات الإلهية، وما سكتت عنه النصوص، وقال الفقهاء بوجوب قبوله على ما هو دون تأويل.. فكانت الفِرَق، وكانت البدع والضلالات وصار الخوض في أسماء الله وصفاته من الأمور المنتشرة، فكان [التكفير] نتيجة طبيعية لهذه الفوضى، ولأن النزوع إلى التعميم هو الأيسر والأقرب إلى القبول لدى العامة، فقد صارت أحكام [التكفير] تصدر بحق كل مشتغل بالفلسفة بوصفها نقيض في منهجها لمنهج القرآن الكريم الذي “يبدأ من المحسوس، وينزع إلى الملاحظة” بينما تعتمد الفلسفة استنتاجات تنطلق من مقدمات جاهزة، وتغفل “الطبيعة المحسوسة”.

‎يدافع د. محمد عابد الجابري بقوة عن انعدام العلاقة بين الفلسفة اليونانية، ومذاهب أهل الكلام، وأشهرها المذهب الاعتزالي الذي اعتمد خطابا مبتدعا تأسس على المناظرة مع الخصوم كالمانوية وغيرها من الفرق غير الإسلامية، ويؤكد الجابري على وجهة نظره بأن المعتزلة قد رفضوا أهم مبدأين للفلسفة اليونانية وهما: قِدم العالم، والطبع والطبيعة.. كما أن “الكندي” فيلسوف العرب الأول لا يكاد يلمح له أثر لا في المضمون ولا المصطلح في فكر المعتزلة.. ويذهب الجابري إلى أن التقارب بين الكلام والفلسفة الذي أحدث ذلك الخلط لم يحدث إلا مع الإمام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري.

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري

‎”إنّ أول شبهة وانحراف وقعا هي حين عصى الشيطان أمر ربه؛ وسبب ذلك أنه استعمل العقل والحجة ولم يكتف بالتسليم.. لذلك فإن كل انحراف وشبهة سببه هو إعمال العقل”. هكذا صرّح “الشهرستاني” دون مواربة في كتابه “المِلَلُ والنِّحَلُ” معلنا ازدراءه الكامل للعقل، ولكل ما هو حكم عقل، لأنه ينافي التسليم الذي هو أصل الإيمان وأساس الطاعة المطلقة لرب العالمين؛ متناسيا أن بيان الآيات إنما كان ليتدبر العقل ويعي حكمة الخالق.. “كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” البقرة 242.

‎وربما يكشف لنا ذلك حقيقة تقديم النقل على العقل لدى هؤلاء برغم كل محاولات التوفيق، واللجوء للتأويل “الذي لا يتجاوز حدود “التَّجَوُّز” أو المجاز لدى العرب الذين خاطبهم القرآن” فلقد كان ذلك في أحيان كثيرة على سبيل الاضطرار أو بدافع ميل بعض الخلفاء إلى النظر الفلسفي، ومن ثم تقريب المشتغلين بالفلسفة، ولما كان القرب من السلطان، هو طابع كثير من الفقهاء، فقد لجأ هؤلاء إلى استخدام هذه العبارات التلفيقية، وكذلك فعل بعض المتفلسفة، لكن عصورا أخرى شهدت جفوة بين الأمراء والفلاسفة كان الفقهاء لا يتورعون فيها عن [التكفير] دون مواربة كالجرجاني فقيه الشافعية الذي قال صراحة بأنّ الفلسفة كفر وأدرج المنشغلين بها في عداد “أهل الأهواء” الخارجين على الإسلام، فهم من “الكفرة الذين لا تؤخذ منهم الجزية ويقتلون”.

‎أما ابن القيم فقد وصف كل منشغل بكلام “أرسطو” بأنه “من الملاحدة” وكثر عنده في إغاثة اللهفان استخدام لفظتي الملاحدة والفلاسفة كمترادفتين، كما نعت الفيلسوف “الفارابي” بالسائر على طريقة معلمه “أرسطو” في ” الكفر بالله تعالى، وملائكته ورسله واليوم الآخر”.

‎ويقول ابن الجوزي في التلبيس “إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات للأنبياء”.

أرسطو
أرسطو

‎الطريف أن السلاح ارتد إلي صدر الفقهاء؛ فصاروا متهمين من قبل فريق ثالث هم المحدثون- المشتغلون بعلوم الحديث- الذين رأوا في أنفسهم الاحقية بالوصاية الكاملة على النصوص بحكم امتلاكهم لأدوات “الجرح والتعديل” التي تقطع بصحة النص من عدمها وفق السند.. فرأوا في الفقهاء أن بضاعتهم في الحديث مزجاة.. وكثير من الأحكام التي قالوا بها؛ إنما بنيت على أسس لا تصح، بالاعتماد على أحاديث إما ضعيفة أو لم تصح نسبتها إلى الرسول الكريم.. وقد أوغل القوم في هذا الطريق حتى ارتكبوا شناعات لا حصر لها.. وكان من اختلاف القوم {وكلهم معادٍ للفلسفة} ما يثير الشفقة، ومما يمكن وصفه بالنزاع الدنيوي المغرض في أحيان كثيرة.

‎المثال الأوضح على ذلك هو خلاف أهل الحديث مع الإمام أبي حنيفة المتهم لديهم بالضعف في الحديث، وبأنه من “أهل الرأي ومذهبه في ذلك، وكلامه في تعريف الإيمان وأخذه لمذهب مرجئة الفقهاء، وهو مذهب قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي بعد ذلك إنّ خلاف أبي حنيفة فيه مع أهل الحديث لفظي”.

سببان آخران لم يذكرا كثيرا في هذا السياق :

‎وهما المعارضة الشديدة التي أبداها الإمام أبو حنيفة للسلطة في زمنه، وكان أهل الحديث آنذاك أداة من أدوات السلطان.

‎السبب الثاني الذي لم يكن ليغفره هؤلاء للرجل هو تتلمذه على يد الإمام جعفر الصادق أحد أئمة آل البيت!.

الإمام أبو حنيفة
الإمام أبو حنيفة

‎لم يستطع واقعنا العربي أن يتجاوز هذا الواقع العدائي، ولا أن يخطو خارجه خطوة واحدة، فلقد كان الصراع مؤهلا للتأجج على نحو غريب، وبصور شتى وبأقنعة متعددة كان التوجيه الدائم: هو الابتعاد عن الفلسفة والاستسلام الكامل للنصوص الفقهية التي تراكمت عبر القرون، وهو التأكيد على أن أغلب المسائل قد تم حسمها في القرون الثلاثة الأولى، وأن الاجتهاد قد أغلقت أبوابه، أو أنها مفتوحة بشروط هي أقرب إلى الإجحاف بحيث لا يستطيع الولوج إليه إلا الفقهاء أنفسهم، وهم – بطبيعة الحال- يكرسون للقبول بما هو قائم، وضد التغيير الذي يهدد الثوابت، ويعبث بالأصول.. في حضرة كثير من الأحكام السابقة التجهيز، وسيوف التكفير الماثلة في الأذهان، كحارسة للتراث ومانعة للتعامل معه بأي وسيلة سوى التسليم.. وما زال العرض{عرض العداء للفلسفة وإعمال العقل الحر} مستمرا حتي يومنا هذا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock