رؤى

شرف الدين مودود.. سيف المُوصل

في عام ١٠٩٩ للميلاد، وصلت جحافل الحملة الأوروبية الاستعمارية المعروفة تاريخيا باسم الحملة الصليبية الأولى إلى وجهتها؛ مدينة القدس.. وفي ظل حالة عامة من التمزق والتشرذم العربي والإسلامي، استطاع الأوروبيون الغزاة السيطرة على المدينة وارتكبوا بحق سكانها مجزرة بشعة، يُقدِّر بعض المؤرخين عدد ضحاياها  بنحوٍ من عشرة آلاف نفس.

إلا أن نفرا من حكام الأمة وقادتها العسكريين رفض التسليم بسقوط القدس كأمر واقع وأبى إلا أن يُشْهِرَ راية المقاومة ضد الغزاة.

وجاءت أولى رايات المقاومة من مدينة الموصل في شمال العراق وعلى يد حاكمها مودود بن التونتكين الملقب بشرف الدين.

وتشير الباحثة في جامعة الموصل الدكتورة ميسون العبايجي في دراسة لها عن دور حكام الموصل من السلاجقة الأتراك في مقاومة الغزو الصليبي؛ إلى أنَّ دور مودود بدأ يبرز بعد أن ولَّاه السلطان محمد السلجوقي حكم الموصل عقب نجاحه في عزل حاكمها السابق جاولي الذي خرج عن طاعة السلطان عام ١١٠٨ للميلاد.

وما أن استقر الأمر في الموصل لمودود حتى بدأ يعد العُدَّة للجهاد ضد الإمارات الصليبية التي أنشأها الغزاة في الشام بعد سيطرتهم على القدس، وكان يدرك تمام الإدراك أن الانقسام كان سببَ نجاحِ الغزاة في حملتهم الأولى؛ فسعى إلى تأسيس جبهة موحدة لمواجهتهم.

وشاءت الأقدار أن تساعد مودود في مسعاه؛ فتحالف معه حاكم دمشق “طغتكين” بعد أن شعر أن إمارته في خطر داهم بعد سيطرة الصليبيين على ساحل الشام وتطلعهم إلى دمشق.. وأكد شكوكه هذه انطلاق الحملات من إمارة الرُّها الصليبية؛ لِتُغِيرَ على مدن قريبة من دمشق مثل: آمد وماردين ونصيبين والرّقّة وحران.

قرر مودود التوجه إلى الرها وفرض عليها حصاراً خانقاً؛ وانضم إليه “طغتكين” بجنوده في هذا الحصار الذي مثَّل أول جهاد موحد للمسلمين ضد الصليبيين منذ استيلائهم على القدس.

سبّب هذا الهجوم الموحد تراجعا لدى قوات الفرنجة “…فغنم المسلمون جُلَّ سوادهم وأكثر أثقالهم واستباحوهم قتلا وأسراً وتغريقا في الماء” كما يذكر المؤرخ ابن العديم الذي عاصر هذه الأحداث.

كان نجاح حملة مودود الأولى على “الرها” سببا في انضمام المزيد من حكام المنطقة إلى جبهته الموحدة للجهاد ضد الصليبيين،  فانضم إليها رضوان حاكم حلب ونقض ما كان بينه وبين الصليبيين من هدنة وأغار على أنطاكية.. وأتى رد الصليبيين بغزو منطقة الأثارب القريبة من حلب؛ ما دفع أهلها إلى الاستغاثة بالسلطان السلجوقي في بغداد والذي كلّف مودود لإغاثة أهل حلب.

وبالفعل توجه مودود إلى “الرها” مرة اخرى وقصد أحد أهم حصونها وفرض عليه حصارا استمر لمدة ٤٥ يوما متتالية.

وفي عام ١١١٣ بدأ مودود بقيادة جيش موحد ضم إلى جانب جيشه الموصلي كل من جيش سنجار ودمشق لوقف هجمات الصليبيين المتكررة على دمشق.

قرر مودود أن خير سبيل لوقف هذه الهجمات هو التوجه مباشرة إلى مملكة القدس والاشتباك مع ملكها “بغدوين” الذي نصَّبه الصليبيون ملكاً عليها بعد احتلالها.

وبالفعل تلاقى الجيشان عند “طبرية” وحميَّ الوطيس واشتد القتال بين الفريقين، ووقعت خسائر كبيرة في صفوف الفرنج؛ وأُسِرَ “بغدوين” ملك بيت المقدس؛ ولحُسن حظه لم يتعرف عليه أحد؛ فأُطلق سراحه بعد أن أُخذ سلاحه.

بعد هذا الانتصار توجَّه مودود إلى دمشق؛ فأكرمه حاكمها وصلَّى في جامعها الشهير، وعند خروجه من المسجد اقترب منه رجل بدا وكأنه يطلب الصدقة؛ إلا أنَّ الجميع فوجئ بالرجل المجهول يطعن مودود عدة طعنات؛ ليرتقي مودود شهيدا ويكتب بذلك نهاية خمس سنوات متواصلة من الجهاد والنضال ضد اعداء الأمَّة.

استشهد مودود في الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر عام ٥٠٧ للهجرة الموافق لعام ١١١٣ ميلادي، واستطاع قبل استشهاده أن يثبت قدرة الأمة -التي تصور الغزاة أنها قد ماتت- على المقاومة والتصدي لهم كما استطاع أن يضع اللبنة الأولى لجبهة موحدة بعد سنوات طوال من الانقسام والفُرْقَة.

ألهمت تجربة مودود حاكما آخر للموصل هو الأتابك عماد الدين زنكي الذي أتم ما بدأه مودود وتمكن من فتح إمارة الرها التي قاتل مودود من أجل تحريرها طويلا في 6 جمادى الآخرة سنة 539 هجرية، ونشأ في بلاطه وبلاط ولده المجاهد “نور الدين محمود” بطل آخر سيكتب له القدر أن يكون محرر القدس هو صلاح الدين الأيوبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock