رؤى

اليسار الإسلامي.. مشروع “حسن حنفي” الذي توافق الجميع على نبذه

حفل القرن الماضي بالعديد من المفكرين الماركسيين البارزين الذين صاروا “إسلاميين” على نحو أثار الكثير من التساؤلات، وقد كانت لمقولات بعضهم دلالات تفيد بأن التحول الذي حدث ليس حادا؛ بل هو انعطاف بسيط نحو جادة أكثر اتساقا وأكمل طرحا.. يقول المفكر الفرنسي ” روجيه جارودي”: “جئت إلى الإسلام حاملا الإنجيل بيد، وفي اليد الأخرى رأس المال لماركس، وقد قررت عدم التخلي عن أي منهما”. بينما كان الدكتور عبد الوهاب المسيري –رحمه الله– يردد جادا مع مسحة من التفكُّه: “أنا ماركسي على سنة الله ورسوله” وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلا سنرى المشروع الفكري للدكتور علي شريعاتي قد “…حاول التوفيق بين علاقة الانتماء الديني (الإسلام) والمذهبي(التشيع) للأمه الإيرانية، والمقولات اليسارية عامة والماركسية بشكل خاص”.

وهناك محاولات أخرى سابقة لصياغة مشروع فكري تحت مسمى اليسار الإسلامي مثل العناوين التي أطلقها سيد قطب  في منتصف الخمسينات “معركة الإسلام والرأسمالية” و”العدالة الاجتماعية في الاسلام” و” معالم في الطريق” الذي اعتبره البعض بمثابة “مانيفستو” إسلامي، ولا يمكن غض الطرف عن كتاب الدكتور مصطفى السباعي اشتراكية الإسلام الذي صدر أواخر الخمسينات، وانتشر انتشارا كبيرا في العالم العربي بعد أن حظي بحفاوة شديدة من النظام المصري آنذاك، وكذلك الكتب التي أصدرها الدكتور محمد عمارة في الستينات والسبعينات “الاسلام والثورة” و”التغيير الاجتماعي عند عمر بن الخطاب” و”الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب” وكان من الواضح أن كثيرا من تلك المحاولات قد تمحورت حول فكرة تثوير الإسلام، والتأكيد على العدل الاجتماعي فيه، كمرتكز رئيس لا يمكن التغاضي عنه، وكذلك فكرة التحديث والقابلية الكبيرة للتعاطي مع المتغيرات الآنية، مع المحافظة على الأصول في إطار محاولات حثيثة لفهم عصري.

غلاف كتاب معالم في الطريق

وهناك تجربة حزبية لا يمكن إهمالها، وهي تجربة الحزب الاشتراكي الإسلامي بالسودان، والذي ضمَّن أدبياته عددا من المبادئ التي رأى مؤسسوه أنَّها تبلور رؤيتهم لليسار الإسلامي، ومبررات وجوده كجزء من الحياة السياسية. وهذه المبادئ هي نبذ الطرح الذرائعى والتبريري والاعتذارى والطائفي للدين، وطرحه في إطار صفاته الموضوعية؛ باعتباره حاجة إنسانية يستمد أهميته وفاعليته من فطرة الإنسان ومن شريعته العالمية للبشرية جمعاء، وهذا الطرح يحدد رسالة الأمة العربية، ويخترق الطائفية ويزيل حواجزها، كما يشكل منطلقا لفتح باب الاجتهاد.

وقد علَّق الدكتور عصمت سيف الدولة على ما حدث في هذا الشأن بقوله: “…إن جماعة من المثقفين قد دخلت ساحة الحوار حول الاشتراكية في الدين، وحاولت إرجاع المقولات في الفكر الاشتراكي إلى منطلقات دينيه، فأنشأت بدخولها  تيارا يحمل شعار اشتراكية الإسلام أو الاشتراكية الإسلامية، وهو تيار لم يولد أصلا، بمعنى أنَّه لم يكن اجتهادا في الفكر الإسلامي، ينميه ويضيف إليه ليواجه مشكلات الحياة في هذا العصر، بل كان دفعا للفكر الماركسي ودفاعا ضد منطلقاته المادية، وقد تحددت طبيعته منذ مولده، فهو ليس اجتهادا مبدعا في النظام الاشتراكي، بل هو حوار معاد في الفلسفة الميتافيزيقية”.

ويعتبر الدكتور حسن حنفي من أهم منظري اليسار الإسلامي وهو من حاول جاهدا وضع إطار فكري واضح لهذا الطرح إذ يقول: “…إن اليسار الإسلامي ليس حزبا سياسيا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجَّه ضد أحد، لأنه يرى السياسة في ثقافة الأمة ونهضتها. فالمعارك أساسا في الثقافة وداخل وعي الأمة الحضاري. ولا يهدف اليسار الإسلامي إلى استنفار أحد أو الاستعداء على أحد، بل يرمي إلى يقظة الأمة، واستئناف نهضتها الحديثة، وطرح البدائل أمام الناس، والاحتكام إلى جماهير الأمة، وتجاوُز الحلول الجزئية والنظرات الفردية إلى تصور كلِّي وشامل لوضع الأمة في التاريخ”.

ويضيف أن اليسار الإسلامي عبارة عن ” حركة تاريخيه جماهيرية ثقافيه حضارية اجتماعيه سياسية، ترتكز على ثلاثة أصول أولا التراث القديم ثانيا التراث الغربي ثالثا القران الكريم”.

عصمت سيف الدولة
عصمت سيف الدولة

ويشير البعض إلى التأثر الواضح لدى “حنفي” بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، واعتماده على المنهج الظواهراتي لـ “إدموند هوسرل” ومحاولة تطبيقه في مجال الدراسات الإسلامية.

ويطرح مصطلح اليسار الإسلامي عددا من الإشكاليات تتعلق ابتداء بضرورة العودة إلى التعريف لفض الاشتباك حوله، ثم القبول بالمسمى بوصفه محاولة للمعاصرة  والتحديث  من خلال فهم جديد للتراث يتلاءم وضروريات الواقع وحاجاته.

ومشروع اليسار الإسلامي وفق رؤية الدكتور حسن حنفي يحمل انحيازا واضحا للجماهير.. تحديدا الطبقات الفقيرة والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، مع التنبيه إلى أهمية الوعي الاجتماعي والسياسي للجماهير في العملية الديموقراطية عبر تعبئة جماهير المسلمين للدفاع عن حقوق ومصالح قررها لهم الإسلام.. وهو ما دفع البعض إلى وصم المشروع بأنه لا يعدو كونه محاولة “ديماجوجية” لدغدغة العواطف الدينية؛ بينما رآه البعض؛ حصان “طروادة” الذي تختبئ داخله الأفكار الماركسية محاولة إيجاد السبيل إلى القبول في واقع مأزوم بمشكلاته، وبتوجسه من الأفكار الوافدة الموصومة بالإلحاد واتهامات الغزو الفكري، وإذا عدنا إلى الماضي سنجد أن مفكرينا الكبار لم يبرحوا مربع التوفيق ودرأ التعارض، ورد الشبهات وتجنب الصدام مع المجتمع وسلطتيه السياسية والدينية المتحالفتين والمناوئتين للتغيير طوال الوقت، والأمر بالنسبة لمفكري اليسار الإسلامي وعلى رأسهم “حنفي” لا يبتعد عن هذا كثيرا.

وقد حاول تيار اليسار الإسلامي نفي كل اتهام للإسلام بالرجعية من خلال التعرض لموقف الإسلام من ثلاث قضايا رئيسة تمثل درجة قبوله للديمقراطية، وهي الموقف من الأقليات، والشورى، والحاكمية.. وقد ذهب الدكتور حسن حنفي إلى أن الإسلام  اعتمد نهج التعايش والقبول مع الأقليات الدينية ونفى نفيا قاطعا وجود التمييز على أساس ديني في الإسلام الذي احترم حرية ممارسة الشعائر الدينية بالنسبة للأقليات، وقد تضمنت التشريعات في الدولة الإسلامية ما يحفظ حقوق الأقليات، كما حذرت السنة المطهرة من التعدي على غير المسلمين، أو انتقاص حقوقهم.

وبخصوص الشورى رأى د. حنفي أنها كانت  الزاما وليس اختيارا، واستنتج من قراءته للقرآن والسنة أن الرأي الذي تتفق عليه الأمة هو بالضرورة الرأي الصحيح. كما ذهب إلى أن الاسلام أظهر مرونة كبيرة بشأن الإطار المؤسس الذي تُمَارَس الشورى من خلاله طالما جاء هذا الاطار بما يحقق صالح الأمة، ولا يتناقض مع مبادئ الاسلام الأساسية، وبما يتناسب مع مستوى التقدم التاريخي والحضاري للمسلمين. ولم يظهر طرح حنفي تباينا واضحا عن التوجه الاسلامي التقليدي عندما رأى أن أهل الحل والعقد هم الذين يمارسون الشورى، الا أنه ركز على أن هؤلاء يتم انتخابهم بواسطة الشعب ويجب أن يخدموا مصالحه ولا تتناقض القوانين التي يصدرونها مع أوامر الله”.

وبالنسبة لمفهوم “أولي الأمر” الوارد في القرآن فقد أكد د. حنفي  على ضرورة أن يكون ولاة الأمر، ليسوا مفروضين على الناس بأي وسيلة كانت، واعتبر ذلك مخالفة لمبادئ الإسلام التي تُعلي من شأن إرادة الفرد وحقه في اختيار من يمثله تعبيرا عن مصالحه وصونا لحقوقه، أما بخصوص مفهوم الحاكمية، وهو من المفاهيم المثيرة للجدل في صفوف الحركات الاسلامية المعاصرة، فقد حاول مُنَظِّر اليسار الإسلامي التوفيق بين الرأي القائل بأن الحاكمية لله وحده، وهو ما يعني إقرار مبدأ المساواة بين البشر، والقول بأن الله تعالى قد أوكل تلك الحاكمية إلى خليفته في الأرض وفق ما تقتضيه ضوابط العدل بين الناس بعيدا عن تسلط أية سلطة فردا كانت أو دولة؛ مع التأكيد على أن الإسلام لم يمنح للحاكم وضعا خاصا يتيح له الحصول على ما يريد من الامتيازات دون حسيب ولا رقيب.

ويشير الباحث وليد عبد الناصر إلى أن مشروع اليسار الإسلامي قد عبَّر عن قناعات راديكالية بشأن حاجة الجماهير في البلدان الإسلامية إلى نهج التغيير الاجتماعي الثوري المستمد من “مبادئ إسلامية أصيلة” تدافع عن حقوق الفقراء والمستضعفين في مواجهة طبقة الأغنياء المتسلطة، مع ضرورة العمل على تحوُّل الوعي من الحالة الفردية إلى الجماعية.

وقد ذهب الدكتور نصر حامد أبو زيد في إطلالته العامة على اليسار الإسلامي أن بدايات هذا التيار تعود إلى عصر النهضة المتمثل في محاولات الأفغاني ومحمد عبده للتغيير ومحاربة الجمود، والدعوة إلى إعادة النظر فيما استقر من آراء فقهية وصلت إلى درجة المسلمات عند البعض، ويؤكد ذلك أن العدد الوحيد من مجلة اليسار الإسلامي صدر وعلى غلافه صورة الأفغاني، وشعار مجلته “العروة الوثقى”.

وفي معرض حديثه عن أسباب إخفاق  المشروع في إيجاد تيار يمثله على الأرض، وضعف مردوده التنويري تناول د. أبو زيد خصائص خطاب المشروع التي تتمحور – من وجهة نظره– حول ثلاث أسس رئيسة هي: السعي للتوفيق بين رؤى متباينة في الخطاب الإسلامي لم تُرصد جوانب الاتفاق والاختلاف فيما بينها على نحو دقيق. التأكيد على هيمنة التراث بتعدد تأويلاته على الواقع، ما اعتبره تجديدا للحاضر لكن في إسار الماضي. وأخيرا تجاهل السياق التاريخي/ الاجتماعي للتراث، ومن ثم التعامل معه كونه بناءً شعوريا مثاليا مفارقا للزمان والمكان.. ويضيف د. نصر أن تلك الخصائص قد حولت “هدف إعادة البناء” إلى إعادة طلاء، وتحول التجديد إلى تجاور بين القديم والجديد، ووقع المشروع كله في التلوين بقدر ما تباعد عن التأويل”.. وحتى لا يتهم أبو زيد بعدم الموضوعية أشار إلى منجز لا يجب إنكاره لليسار الإسلامي يتمثل في المحاولات الجادة لـ ” تأويل العقائد، ولا سيما عقيدة الألوهية وقضية الوحي وجعل الواقع وسطا بين العقل والنقل ومرجعا لهما” لكنه يعاود الكشف عن تناقض جديد لم يستطع اليسار الإسلامي حل إشكاليته أو تجاوزه يتمثل في النظر للماضي بوصفه ميدانا للزهو وتحقيق الانتصارات مع التأكيد على أن تأسيس العقائد قد اتخذ مفهوما اغترابيا لا يمكن إنكاره!

نصر حامد أبو زيد
نصر حامد أبو زيد

وقد تعددت الرؤى الرافضة للمشروع من كلا الجانبين العلماني والإسلامي.. ففي حين صنَّفه العلمانيون كأحد أشكال الإسلام السياسي المتحايل للوصول إلى السلطة بتقديم طرح يغازل أحلام البسطاء في واقع نهشته أنياب الوحش الرأسمالي الذي لا يرحم- ذهب الإسلاميون إلى أن اليسار الإسلامي محاولة إلحادية جديدة لهدم الدين ونقد الغيبيات والإغراق الكامل في الحياة الدنيا، وغير ذلك من الاتهامات.

وقد حاول الدكتور حسن حنفي  الرد على تلك الشبهات التي أثارها الجانبان في عدة نقاط أساسية ارتأى تفنيدها على نحو لا يخلو من الحجة والبيان، وهو في معرض ردوده يلمح إلى أن حالة الاستقطاب القائمة التي تحقق النفع لكلا الطرفين بصورة جعلتهما يرفضان أي مشروع للتوسط، ومحاولة تقديم طرح واقعي لا يسقط في هوة العداء للدين، ولا يتردى في مهاوي الماضي السحيق بمحاولات استحضار عبثية.. وهو يرى الإسلام بصورة كلية لا يمين فيه ولا يسار؛ لكنه مفتوح على قراءات متعددة بحسب تعدد الممارسات في العادات والمعاملات، وبحكم تباين القوى داخل المجتمع، فاليسار الإسلامي- من وجهة نظره- يعد تعبيرا واضحا عن مصالح “الفقراء والمحرومين والمساكين والطبقات الدنيا في مقابل إسلام الأغنياء وشركات توظيف الأموال ورجال الأعمال وموائد الرحمن وبيوت الزي الإسلامي. ففي كل مجتمع هناك يسار ويمين، فقراء وأغنياء، طبقة دنيا وطبقة عليا”. وهو في هذه النقطة تحديدا يكشف بجلاء عن انحياز طبقي واجتماعي طالما تحاشاه الإسلاميون لأسباب عديدة، وهو ما دفع “شهيد بولسين” وهو ناشط أمريكي مسلم يناصر القضايا الإسلامية، ويصب جل اهتمامه على المنطقة العربية، ويتبنى منهج التحليل الاقتصادي- إلى القول بأنه  “على الإسلاميين أن يخففوا من اهتمامهم بالجوانب الأخلاقية لصالح القضايا الاقتصادية وهم إن نجحوا في قضايا محاربة الفقر فقد قدموا أكبر خدمة لشعبهم، وهي الاستقلال من توجيه الخارج”.

ويعتبر “بولسين” انغماس الحركات الإسلامية في الجوانب الأخلاقية دون تقديم برامج اقتصادية واضحة الانحياز- من أهم أسباب سقوط هذه الأحزاب في تجاربها عقب اندلاع الثورات العربية، ويذهب الناشط الأمريكي إلى أبعد من ذلك عندما يصرح أن الإسلاميين قدموا أجل خدمة للغرب؛ ليمرر مؤامراته عبر أدوات ضغطه في البنك الدولي وصندوق النقد من أجل فرض التقشف على الشعوب المقهورة والإمعان في إذلالها.. وبالتأكيد فإن عدم تركيز منظري اليسار الإسلامي على الجانب الاقتصادي، وانشغالهم عن تقديم برامج اقتصادية واضحة الانحياز؛ قد أضر بالتجربة التي شارف عمرها على النصف قرن دون كبير مردود على أي صعيد، اللهم إلا مزيدا من الطنطنات حول الأبعاد الفلسفية للمشروع، وهو ما لا يعني الجماهير في قليل أو كثير.

إن مشروع اليسار الإسلامي برغم خفوت صوته، وندرة ثماره، وتعثره ودخول المنطقة العربية  والعالم الإسلامي في مرحلة جديدة ربما حتمت تجاوزه، إلا أنه سيظل مشروعا إشكاليا متنازعا بين تطلعات أصحابه لخلق رؤية أصيلة تتأسس على التراث، ولا تعادي الفكر الغربي ومنجزه الحضاري، وتساؤلات كثيرة حول جدوى الجمع بين الأضداد، ومحاولات التوفيق بين رؤى ربما لا تكون الضرورة ملحة للتوفيق بينها، بقدر ما تمثله تأزمات الواقع العربي من إلحاح على الحلول القابلة للتطبيق دون حاجة إلى مسميات أو تعريفات تدخلنا في جدال عديم الجدوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock