رؤى

مشاكل السودان أعمق من الديمقراطية

التغيير في الهيكل الحكومي غير قادر على تجاوز مشاكل السودان

كتب: برادلي ديفيلين
ترجمة وعرض: تامر الهلالي 

في نفس اليوم الذي غادر فيه مبعوث أمريكي السودان، نفَّذ الجيش السوداني ما يبدو أنَّه انقلاب ناجح ضد القادة المدنيين في البلاد التي تعاني منذ فترة طويلة من الصراع الأهلي.

وبحسب ما ورد، قاد الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان جهود الانقلاب بعد أكثر من شهر من إجهاض الحكومة السودانية لمحاولة انقلاب أخرى دون تأكيد للخبر.

بذلك أصبح الجنرال البالغ من العمر 61 عاما، الذي كان ذات يوم القائد العام للقوات المسلحة السودانية، رئيسا لمجلس السيادة المتشكل عقب الإطاحة بعمر البشير عام 2019. كان البرهان قد شغل المنصب ذاته إلى ما قبل انقلابه، وكان من المقرر أن تنتهي –في القريب– فترة ولايته؛ حيث كانت الحكومة السودانية على وشك الانتقال إلى مزيد من السيطرة المدنية.

موقف أمريكي 

كان المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي “جيفري فيلتمان” قد التقى خلال عطلة نهاية الأسبوع برئيس الوزراء عبد الله حمدوك والبرهان وقادة سودانيين آخرين في الخرطوم في محاولة لتجنب المزيد من الأزمات وإبقاء السودان في طريقه نحو الديمقراطية الليبرالية.. وخلال الاجتماع المحفوف بالمخاطر، أبلغ البرهان وقادة عسكريون آخرون “فيلتمان” أنَّهم يريدون من حمدوك حل الحكومة الانتقالية وتعيين وزراء جدد.

ردا على ذلك قال “فيلتمان”: ” إن المساعدات وتطبيع العلاقات من أجل رفع العقوبات ترتبط بزخم متزايد بدفع عملية الانتقال نحو الأمام. وأضاف “فيلتمان” في حديث له لمجلة فورين بوليسي: “…وفي حالة انقطاع الانتقال أو انتهاك الوثائق الدستورية، فإنَّ ذلك من شأنه أن يثير تساؤلات جدية عن التزاماتنا”.  كانت تلك التصريحات من الوضوح بحيث لا تستعصي على فهم الجنرالات”.

لكن هذا الفهم لم ينبن عليه شيء.. إذ حدث الانقلاب بعد ساعات فقط من مغادرة طائرة “فيلتمان” لمطار الخرطوم يوم الاثنين الماضي.

لقد فكك الانقلاب مجلس السيادة والحكومة الانتقالية، المشكلين عقب الإطاحة بالبشير في عام 2019 ، حيث تقاسم القادة العسكريون والمدنيون السلطة “لبناء دولة قومية ديمقراطية حديثة” بموجب مسودة الإعلان الدستوري في أغسطس 2019.

 وقد اعتقلت القوات العسكرية حمدوك وزوجته، إلى جانب وزراء آخرين في الحكومة، لمقاومتهم محاولة الانقلاب.. وفي معرض حديثه عن اعتقال حمدوك، نفى البرهان ذلك بقوله: “لم يعتقله أحد، ولم يهاجمه أحد” وقد تم وضع حمدوك وزوجته في منزل برهان، حيث صرّح الجنرال أنَّهما التقيا، وأن حمدوك كان حرا في المغادرة عندما “يستقر الوضع” و”يشعر بالأمان”. يذكر أن حمدوك وزوجته عادا إلى منزلهما يوم الثلاثاء.

البشير 

قبل الإطاحة بالبشير من السلطة في انقلاب عام 2019، كان حكمه الذي دام ثلاثة عقود يتسم بالحرب الأهلية والاضطرابات الاقتصادية والفساد واتهامات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي رفعتها المحكمة الجنائية الدولية، والتي لا تزال ترغب في محاكمته بشأن هذه القضايا. وقد رحَّبت الولايات المتحدة بإقالة البشير.. إذ لقد أمضت عقودا في محاولة تصوير “سودان البشير” باعتباره منبوذًا دوليا مثل؛  “كيم” في كوريا الشمالية، كما استمرت في وصف الدولة بأنها راعية للإرهاب وفرض عقوبات قاسية على البلاد. في مرحلة ما، حاول المسئولون الأمريكيون، بمن فيهم الدبلوماسي برينستون ليمان، مقابلة أعضاء مؤامرة لعزل البشير، من بينهم صلاح قوش المدير السابق للأمن القومي السوداني الذي كان له علاقة سابقة مع وكالة المخابرات المركزية،  لكن قوش والمتآمرين معه لم ينفذوا.

ومع ذلك، ففي غضون عامين خرج البشير من السلطة، لكن البلد لا يبدو ككل أفضل حالًا. إذ حمل مجلس السيادة السوداني على عاتقه؛ وعود الديمقراطية الليبرالية وتوسيع مشاركة المرأة، وممارسات مكافحة التمييز والفساد، وحماية حقوق الإنسان التي من المرجح أن يكون الوفاء ببعضها مفيدا لاستقرار السودان على المدى الطويل، وكان هناك بعض التحرك في هذا الاتجاه منذ الإطاحة بالبشير، وهو ما يفسر جزئيا سبب تحسن العلاقات الأمريكية مع السودان خلال إدارة “ترامب”.

ومع ذلك، فإن مشاكل السودان أكثر جوهرية، وهي أبعد من أي شيء يمكن إصلاحه عبر الهيكل الحكومي.

فقر وبطالة و تضخم 

ويؤكد الواقع أن الأزمات التي أدت إلى عزل البشير مازالت مستمرة، بينما باتت الدعوات إلى الإصلاح على نطاق أوسع مع تزايد الاضطرابات الناجمة عن الفقر والبطالة والتضخم والفساد  حتى اليوم هذا.

ففي أبريل من العام الماضي، ارتفع التضخم إلى ما يزيد عن 99٪  –قد يكون أعلى من ذلك بكثير نظرا لقلة المعلومات التي ترد عن اقتصاد السودان– ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى بشكل كبير، ويرجع الفضل في ذلك جزئيا إلى وباء كوفيد -19. ففي يوليو / تموز، أُجبر السودان على خفض قيمة عملته وحاول كبح جماح معاملات السوق السوداء حيث واجه أزمة اقتصادية.

ثورة السودان

عقوبات 

رداً على الانقلاب، جمدت إدارة “بايدن” 700 مليون دولار من المساعدات المخصصة للحكومة الانتقالية في السودان لتحفيز القادة العسكريين في السودان على استعادتها.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية “نيد برايس” للصحفيين من المنصة يوم الاثنين إن إدارة “بايدن” ستحاسب “أولئك الذين قد يكونون مسئولين عن عرقلة طريق السودان نحو الديمقراطية” على أفعالهم. وأضاف “برايس”: “يحتمل بالطبع أن يتم تقييم كامل علاقتنا مع هذا الكيان في السودان في ضوء ما حدث ما لم يتم إعادة السودان إلى المسار الانتقالي”، ولم يستبعد إمكانية إعادة فرض العقوبات.

لا ينبغي أن يكون بمثابة صدمة أن بلدا شابته الحروب الأهلية والصراعات العرقية والدينية تحت سيطرة حزب بقيادة إسلاميين أقوياء– ليس المهد المثالي للديمقراطية.

فمنذ عام 1958، كان هناك 35 محاولة انقلاب في السودان. خمسة فقط نجحوا في محاولاتهم لاستبدال الحكومة -دون الحكومة الحالية، بالنظر إلى أن نجاحها لم يتحدد بالكامل بعد.

ومع ذلك، لا تزال مؤسسة السياسة الخارجية تراودها أحلام حميمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. الآن وقد فشل هذا المشروع في السودان، ناهيك عن جنوب السودان والعراق وأفغانستان ومجموعة من البلدان الأخرى، ربما تستيقظ نخبة السياسات الخارجية الأمريكية،  لكن الأرجح هو أن ذلك لن يحدث.

مصدر المقال

تامر الهلالي

مُترجم وشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock