ثقافة

حريق مسرح الجزويت.. النيران تأكل الجدران والأفكار تحلق بلا أجنحة

هذه هي حياتنا مطعمة بالهشاشة و قلة الحيلة؛ ولكنها أيضا لاتخلو من الأمل والرغبة في البناء.. هكذا اختزل الأب وليم سيدهم اليسوعي رئيس مجلس إدارة جمعية جزويت القاهرة مشهد المأساة، عندما أتت النيران بالكامل على مسرح ستوديو ناصيبيان، الذي عُرفَ إعلاميا بحريق مسرح الجزويت؛ ولكن وإن أكلت النار الجسد، ولم تذره إلا بضع حبات من الرماد؛ فإنَّ الأفكار تُحلِّق في الفضاء الرحب بلا أجنحة؛ فتبعث الحياة في الصرح الثقافي من جديد كطائر الفنينيق الذى يقوم من تحت الرماد.

قبل الحريق الأخير، لم يكن الكثيرون يعرفون شيئا عن جزويت القاهرة؛ ولا أيا من أنشطته ومبادراته المختلفة.. وجاءت الكارثة لتخلق حالة من الوعى بهذه الجمعية، وبالدور الكبير الذي تلعبه، والذي ظلَّ سنوات طوال محصورا في دائرة محدودة من المثقفين الذين يشاركون في أنشطتها أو على درايةٍ ما بها.

“رُبَّ ضارةٍ نافعة” فحتى لو ظلَّت الجمعية تعمل عشرات السنوات، فإنَّها أبدا لم تكن لتصل إلى كل هذه الأعداد الكبيرة من الشباب التي هبت لمحركات البحث ومواقع الانترنت لمعرفة ما هو مسرح الجزويت؟ وأين يقع؟ ومن هم القائمون عليه؟ ورغم الفاجعة فإنَّ الآمال معقودة على أن تساهم تبرعات رجال الأعمال، وحماس النخبة المثقفة في إعادة وصل ما انقطع سريعا، ولو أنَّ الخسارة لا تقدر بأي ثمن في كل الأحوال.

مسرح الجزويت

فداحة الكارثة تكشفها المعلومات التي تشير إلى أنَّ مسرح استديو “ناصبيان” الذى احترق بأكمله؛ يُعَدُّ ثاني أقدم ستوديو سينمائي في مصر، بعد استديو مصر، وتم أنشاؤه على يد الأرميني “هرانت ناصيبيان” عام 1937، وشهد تصويرَ عددٍ كبيرٍ من الأفلام الشهيرة من بينها: “باب الحديد” و”الحفيد” و”عروس النيل” و”شفيقة ومتولي”.

 ولسنوات طويلة كان يتم تأجيره إلى أن آلت ملكيته إلى “جمعية النهضة العلمية والثقافية” جيزويت القاهرة؛ حيث أصبح مسرحا معروفا باسم مسرح ستوديو ناصيبيان وأقيمت عليه عشرات العروض المسرحية.

تأسست جمعية النهضة العلمية والثقافية بالفجالة (جزويت القاهرة) عام 1998، على يد الآباء والأخوة اليسوعيين ”الجزويت“ وبعض المصريين من المسلمين والمسـيحيين المهتمين بالقــضايا الفنــية والثقافــية والمــدنية وغيرهــا من القضـايا التي تهــم المصــرييـن جميـــعا.

وتؤكد الجمعية على صفحتها الرسمية على “فيس بوك” أنَّها تنطلق من دور ثقافة الصـــورة في تنمية الإنسـان على مختلف الأصعدة، وتربط بين الإبداع وإظهار الطاقات الكامنة في الإنسان المصري، وتم إشهارها في وزارة الشئون الاجتماعية (التضامن الاجتماعي) برقم 4499، وتعمل في عموم جمهورية مصر العربية.

مسرح الجزويت
جانب من حريق المسرح

وأبرز أهدافها إتاحة مساحة من الحرية لممارسة الإبداع والتعبير، والمساهمة في بناء إنسان مبدع وناقد حر وإتاحة مساحة من التكامل الفني تجمع بين مختلف ألوان الفنون وتضم الجمعية أربعة مدارس هي: مدرسة السينما بالقاهرة والصعيد، مدرسة المسرح الاجتماعي “ناس”، مدرسة الرسوم المتحركة، ومدرسة العلوم الإنسانية، علاوة على أنشطة متعددة منها مجلة الفيلم، الصالون الثقافي، الورش الحرة، مسرح ستوديو ناصيبيان، نادي سينما الجزويت، ومساحات جمعية النهضة، وتستهدف بصورة رئيسية مختلف المناطق والجماعات المهشمة في مصر وتسعى إلى دعم الرغبة والقدرة على الإبداع والتعبير، وامتلاك آلياته.

وبصورة إجمالية فإنَّ الجمعية تمد يد العون خاصَّة للشباب؛ وتحاول بقدر الإمكان انتشالهم من شبح التطرف وهو الدور الذى يجب أن تشاركها فيه العشرات من جمعيات المجتمع المدني الأخرى.

دورة إعداد الممثل المسرحي من الأنشطة المتميزة التي تقدمها الجمعية للشباب؛ حيث تمتد الدورة إلى ثلاثة أشهر للتدريب على فنون التمثيل وصناعة العرض المسرحي وفي ختامها يتم تقديم عرض مسرحي من بطولة الممثلين المشاركين في الدورة، وهو ما يساهم في خلق جيل جديد من المسرحيين الشباب، كما يتم استضافة كبار الأدباء والمثقفين في صالون الجزويت الثقافي. وقد أطلقت الجمعية مؤخرا مسابقة فيلم الدقيقة الواحدة للتوعية بخطورة الزيادة السكانية وخصصت لذلك جائزة مالية وصلت قيمتها إلى عشرة آلاف جنيه.

الهشتاج الذي تم تدشينه على مواقع التواصل الاجتماعي؛ يُعبِّر عن قدر من الإدراك الكبير لأهمية هذا المكان التاريخي، والدور الذى تلعبه الجمعية المالكة له، وهو الرسالة التي يجب أن يتلقفها المثقفون، ويحسنوا استغلالها في تسويق مثل هذه المؤسسات الثقافية بالمجان إلى الشباب الذين لا يعرف أغلبهم شيئا عنها، في تعبير واضح عن حالة من القطيعة بين أغلب شبابنا وبين المراكز والمؤسسات المختلفة وهو ما سندفع ثمنه الفادح من مستقبل هذه الأمة.

لا يجب أن يقتصرَ الأمر على بضع كلمات من رثاء للمَعْلَم التاريخي، والتباكي على حالنا. يجب أن يكونَ هناك جهد أكبر من أجل صياغة مدونة جديدة لحماية مثل هذه الكنوز التاريخية التي لا تقدر بثمن وتقديم توصيات عملية لإنهاء حالة الخصام بين الشباب وبين المؤسسات الثقافية المختلفة.

كلا المسارين متاح.. التبرع على حسابات جمعية جزويت القاهرة، وكلها موجودة على صفحتها الرسمية والقيام بمحاولة جادة لشد رحال شبابنا إليها وإلى غيرها من المؤسسات الثقافية التي تقوم بدور لا ينكر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock