فن

صباح فخري شادي الألحان.. شمس الطرب الأصيل أبدا لا تغيب

رحل صباح فخري؛ ففقد العالم العربي قامة فنية وصوتا عذبا، احتل مكانة استثنائية في مسيرة الموسيقى والغناء في المنطقة لسنوات طوال؛ ولكن تبقى إبداعاته الفريدة، وما تركه من تراث فني أصيل؛ لتؤكد أنَّ شمس الطرب الأصيل لا يمكن أبدا أن تغيب بموت مبدعها؛ وإن كان فخرى قد رحل بجسده فإنَّه سيظل حيا بصوته الرنان في عقول وقلوب كل من عشقوا فنه السامي.

الحشود الكبيرة التي شاركت اليوم الخميس الماضي في تشييع جنازة ملك الطرب في دمشق؛ تعطى دليلا واضحا على أنَّ للأصالة جمهورها الكبير، وأنَّ هناك الكثير ممن يملكون آذانا قادرة على أن تميز الفن الراقي، من الضوضاء والكلمات الفاحشة التي يحاول البعض من ورائها حصد مزيد من الأرباح المادية عبر تدميرٍ متعمدٍ لحواس وملكات التذوق الفني خاصة لدى الشباب.

لم يُشَيَّع الطرب الأصيل إلى مثواه الأخير، ولم يجرِ تجريف وعى الأمة بشكل كامل كما تزعم بعض الأبواق؛ وجنازة صباح فخرى اليوم خير شاهد على ذلك حيث اصطفت أعداد كبيرة من المواطنين على جنبات الطريق في العاصمة السورية، وهم يقفون إجلالا للرجل الذى طالما أمتعهم بصوته الشجي.

ولفخري أغنيات كثيرة حققت شهرة ورواجا؛ مازلنا نردد بعضها من مقام الصبامثل: “قدك المياس” و “يا شادي الألحان” و “قل للمليحة”. ولكن يبقى أنَّ الإنجاز الكبير الذى يُحْسَبُ للرجل أنَّه ظلَّ لسنوات طوال؛ حارس بوابة الزود عن الطرب الأصيل؛ أمام غارات مُحْدَثِي الغناء، ومعدومي الموهبة ممن اقتحموا الساحة في غفلة من الزمن، وحاولوا أن يهبطوا بالذوق العام للمستمعين إلى أسفل سافلين، ولكنَّ الرجل بمقاماته المميزة؛ ظلَّ يُطرب الأسماع بأجمل الكلمات وأعذب الألحان.

صباح فخرى ملك “القدود الحلبية”  الذي ظلَّ رافعا راية التراث، والحفاظ على الأصالة حتى آخر يوم في عمره؛ رافضا التراجع ولو خطوه واحدة للوراء؛ لتحقيق أية مكاسب.. في ظل تغيرات حادة ومتسارعة في الأفكار والقيم وانحدار ملحوظ في الذوق العام، وهو ما تجسَّد في ظهور أجيال كاملة من مطربي المقاولات الذين لا يسعون سوى للكسب المادي؛ وسلاحهم في ذلك إحداث أكبر قدر من الضوضاء والايقاع السريع والكلمات الخادشة للحياء العام، وهو ما يفقد المستمعون معه جزءا كبيرا من وعيهم؛ فيتمايل البعض منهم يمينا ويسارا، وكأنَّه واقع تحت تأثير مخدر.

كان صباح فخرى يقف وحيدا، في مساحة ارتضاها لنفسه، على دربِ عظامٍ كثرٍ سبقوه مثل: أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزى مُصِرًّا على أنَّنا كنا في القمة يوما ما، ويجب أن نظلَّ للأبد قريبين منها بعيدا عن أولئك الذين يحاولون جاهدين إغراقنا في القاع.

ظلَّ فخري يصول ويجول؛ رافعا شعار أنَّ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، فلم يمنعه تقدمه في السن، وما أصابه من مرض من أن يمضى في مهمته المقدسة التي نذر حياته لها؛ حيث تمكَّن بحفلاته الغنائية من الوصول إلى متذوقي الطرب الأصيل في كل مكان في العالم، في مسعى واضحٍ لبعث الأصالة في نفوس أكبر عدد ممكن ممن يستطيع أن يصل إليهم  بصوته في أي زمان ومكان، لذا لم تعرف حفلاته الغنائية حدودا أو أوطانا.

لن تنقطع جوابات صباح فخرى الأصيلة عنا؛ حتى بعد أن ورى جسده الثرى وسيظل فيما تركه من تراث غنائي أصيل خلف ظهره عزاء لنا عن رحيله بعد هذه السنوات الطوال التي قضاها في صحبتنا، ومن يمكن أن ينسى صوته وهو يغنى هذه الكلمات الخلابة.

ابعتلي جواب.. وطمنى

ولو انه عتاب.. لا تحرمني

ابعتلي جواب..

ابعتلي جواب.. وطمني

غيابك طال.. وبستنا

وقلبك مال.. تتهنى

وعلي جنيت ما رعيتني

ابعتلي جواب وطمني.

رحل فخرى بعد عمر ناهز الـ 88 عاما،  ومسيرة حافلة بالعطاء الفني جعلته يحتل مكانا بارزا ضمن قائمة صناع الطرب الأصيل عبر التاريخ، وكان قد ولد في حلب عام 1933، ودرس الموشحات وتعلَّم عزف العود على يد عدد من أبرز القامات الفنية.

كان والد صباح فخرى قارئا للقرآن الكريم ومنشدا صوفيا، أما والدته فكانت من أسرة دينية تقيم حلقات الذكر الصوفي، وانعكس هذا كله على تكوين المطرب الكبير، وهو ما تجلَّى بوضوح شديد في عدد كبير من ألحانه وكلماته.

دخل فخرى الذى لقب بسلطان الطرب موسوعة جنيس للأرقام القياسية؛ عندما استطاع أن يغنى لمدة عشر ساعات متواصلة دون أي توقف في حفل أقيم في فنزويلا عام 1968.

قال له موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عندما ألتقيا ” مثلك بلغ القمة ولا يوجد لدى ما أعطيه لك وبعدها حلق فخرى منفردا في سماء الطرب الأصيل قبل أن يكف صوته عن الإنشاد ويرحل دون أية مقدمات.

سلام على روح ذلك الذى أمتعنا بأجمل المقامات وأعذب الموشحات والقصائد، سنظل مدينين له بجزء كبير من وجداننا الذى ساهم  في صنعه على مدار سنوات طوال كان يأسرنا خلالها بصوته العذب ويبقينا في معزل عن الكثير من المحسوسات التي نشقى بالغرق في أتونها.. لصباح فخرى في قبره من كل عاشق  لفنه الأصيل كل سلام وخالص الدعوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock