ثقافة

دماء لم تجف.. سيرة القتل المنسية في الدولة العثمانية

لم يحتدم الجدل بين العرب حول حقبة من التاريخ؛ مثلما حدث من انقسام حول الدولة العثمانية، التي حكمت أجزاءً واسعةً من المنطقة العربية، لعدة قرون. وفى الوقت الذى يصعد بها البعض عنان السماء؛ مؤكدين أنَّها حمت العرب من أخطار شتى، فإنَّ آخرين يشددون على أنَّها اقترفت آثاما لا حصر لها، من بينها إراقة الكثير من الدماء في غير موضعها، ورغم هذا فإنَّها لم تَحُل دون تقاسم أغلب الدول العربية بين الاحتلالين البريطاني والفرنسي، كما وقفت بلا حيلة أمام هجرة العصابات الصهيونية المتزايدة إلى أرض فلسطين والتمهيد مبكرا لقيام دويلة الاحتلال.

كان الأربعاء 10 نوفمبر موعدا لحفل توقيع كتاب “ليل الخلافة العثمانية الطويل.. سيرة القتل المنسية” والصادر عن الهيئة العامة، للكاتب الصحفي القدير والقاص، محسن عبد العزيز  المشرف على ملحق الجمعة بالأهرام، والذى سلَّط فيه الضوء على نقاط كثيرة؛ لم تحظ بالاهتمام الكافي من الدراسة في تاريخنا المعاصر، ومن بينها حقيقة أنَّ الأتراك قد أقاموا دولتهم على أنقاض الحضارة العربية، فعقب سيطرتهم شبه الكاملة على المنطقة؛ تم اقتياد كل الصناع والتجار؛ بل وحتى المشايخ إلى إسطنبول –فلم يكن لدى تركيا على حد وصف الكاتب أبدا ما تعطيه– ولهذا أرادت أن تأخذ لنفسها كل نقاط القوة التي كان يمتلكها العالم العربي في ذلك الوقت حتى وصل الأمر إلى إجلاء أعداد كبيرة من البشر من المدن والقرى التي ولدوا وعاشوا فيها طويلا رغما عنهم إلى مقر الحكم في تركيا.

سيرة القتل المنسية

يشدد الكتاب على أنَّ مؤلفه ليس تأريخا لدولة العثمانيين؛ لكنَّه يرصد لحظات مما قاموا به وهو كثير من تدميرٍ متعمدٍ لمقدرات هذه الأمة؛ طال المسجد والمدرسة والمستشفى والبشر والشجر والحجر، وهو ما يكشف ما يصفه ببنية الشخصية التركية، وبنية العقل التي تحكمها في غياب البعدين الأخلاقي والحضاري.

وبحسب محسن عبد العزيز فإنَّ الهدف الرئيس من كتابه، هو كشف الخديعة التي يرددها البعض جهلا وزورا بأنَّ خلافة العثمانيين قامت بحماية الإسلام، بينما الحقيقة أنَّهم تتار هذه الأمة كما قال عنهم المفكر الكبير “جمال حمدان” وأنَّهم دمروا الحضارة الإسلامية؛ عندما أصبحت لهم الغلبة في الماضي على عقل الأمة وفلسفتها.

يصوِّر الكتاب واحدة من المذابح الكبرى التي ارتكبها العثمانيون؛ عندما اجتاحت جيوشهم الغازية مصر، بقيادة سليم الأول حيث ترك جنوده يعيثون فسادا في كل شارع من شوارع القاهرة لمدة ثلاثة أيام كاملة، قتلوا خلالها الكثير من الناس بدم بارد؛ إلى حد أنَّهم اقتحموا ضريح السيدة نفيسة، ولم يراعوا حُرمة قبرها؛ ونهبوا قناديل الضريح الفضية والشمع وذلك قبل أن يقوموا بقتل كل من حاول الاحتماء بالضريح من المصريين.

ويؤكد الكتاب أنَّ أنهار الدم لم تجف عند هذا الحد؛ حيث قتل أكثر من عشرة آلاف من جنود السلطان الغوري، وتم بعد ذلك شنق “طومان باي” على باب زويلة، وتُرك معلقا لمدة ثلاثة أيام كاملة، كان الناس خلالها في حالة فزع غير مسبوقة .

السلطان طومان باي

ويؤكد محسن عبد العزيز أنَّ الأوضاع قد ساءت كثيرا في ظل الاحتلال، بعكس ما يردده بعض المؤرخين؛ فجزء كبير من الفائض كان يجبى إلى خارج البلاد، وهو ما أدى إلى تدهور أوضاع القوى المنتجة في المجتمع بشكل غير مسبوق إلى حد أنَّ الهزال وأمراض سوء التغذية قد عصفت بالكثير من المصريين خلال تلك الحقبة.

وبحسب الكاتب فإنَّ العثمانيين كانوا بالمرصاد لكل نقاط الاستنارة؛ التي كانت تحاول إيقاظ العقل العربي من غفوته ويورد محسن عبد العزيز في هذا الصدد قصة قتلهم للكواكبي الذى تبوأ مهمة فضح استبداد الخلافة العثمانية وعنصريتهم ضد العرب، وشن هجوما ضد من وصفوهم بعمائم السلطان، وتم اعتقاله عدة مرات إلى حد إصدار حكم بالإعدام بحقه بهدف إسكاته للأبد، قبل أن تتم تبرئته، قبل أن يتم تسميمه في مقهى كان يعتاد الجلوس عليه في الأوزبكية عام 1902، وفور وفاته هاجم جواسيس الدولة العثمانية منزله وصادروا أوراقه وأرسلوها إلى السلطان عبد الحميد.

كما ينفى محسن عبد العزيز في كتابه ما يشاع من أنَّ الدولة العثمانية قد حمت المنطقة من الاستعمار لقرون طويلة، ويؤكد أنَّ العكس هو الصحيح حيث تم الحفاظ عليها في حالة الرجل المريض لسنوات طوال، كان من السهل خلالها على القوى الاستعمارية أن تتقاسم فيما بينها كعكة المنطقة كاملة بعد أن تم تخدير وعى شعوبها وإخماد جذوة قوى المقاومة في نفوس أبنائها.

محسن عبد العزيز
محسن عبد العزيز

عبر 145 صفحة هي عدد صفحات الكتاب، يطوف بنا الكاتب عبر مجموعة متنوعة من القصص التي يساعد وضعها جنبا إلى جنب في فهم واحدة من أكثر حقب التاريخ العربي إثارة للجدل بين المؤرخين، وكذلك الجماهير التي شبت على دراما لا تخلو من الإبهار؛ تسعى بتوظيف إمكانيات إنتاجية ومادية كبيرة إلى إضفاء قدر من الكمال على السنوات التي حكم فيها الأتراك المنطقة. لقد غاص الكاتب بالقارئ وسط الكثير من المساحات الغامضة والمسكوت عنها بحثا عن شاطئ للحقيقة يجاهد البعض عمدا من أجل ألا نصل إليه؛ ولكن شمس التاريخ مهما حاول البعض إهالة أكوام من النسيان عليها لابد أن تشرق في ساعة ما؛ مانحة فرصة الاعتبار لكل من يريد أن يعتبر، وأن يستفيد من دروس الماضي حتى لا تتكرر أخطاؤه من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock