فن

رحيل سهير البابلي.. وداعا بكيزة هانم أستاذة مدرسة الضحك

بعد صراع طويل مع المرض رحلت الفنانة الكبيرة سهير البابلي؛ ولكن أعمالها الفنية ستبقى شاهدة علي سيرة ومسيرة فنانة من زمن الفن الجميل، شقت طريقها وسط الصخر حتى تربعت على القمة طويلا، بعد أن جسدت مجموعة من أروع الأدوار على خشبة المسرح  وشاشة السينما والتلفزيون.

رحلت الفنانة الكبيرة سهير البابلي، التي لقَّبها البعض بأستاذة مدرسة الضحك المصرية عن عالمنا عن عمر ناهز الـ 86 عاما، وظلت في أيامها الأخيرة تتلقى العلاج بالعناية المركزة بعد أن نقلت إليها عقب إصابتها بنوبة سكر تسببت لها في عدد كبير من المضاعفات وللمفارقة فإنَّ وفاة البابلي تأتى بعد أيام من رحيل الفنان الكبير أحمد خليل الذى جمعه بها رباط الزواج لفترة ليست بالقصيرة.

أدوار لاتعد ولا تحصى تلك التي لعبتها الفنانة الراحلة خلال رحلتها الفنية الحافلة والطويلة إنَّها الأنسة عفت المدرسة الطموحة التي تحاول علاج جموح الطلاب في مدرسة المشاغبين فتقفز فوق كل العراقيل من أجل أن تؤدى رسالتها على أكمل وجه؛ متخذة من التفكير المنطقي سلاحا لمواجهة التغيرات السلوكية التي تلحق بالشباب عادة في مرحلة المراهقة. ورغم أنَّها كانت تلعب هذا الدور في مواجهة نجوم عظام مثل عادل إمام وسعيد صالح وأحمد زكى فإنَّها لم تكن أقل منهم إبداعا في أداء دورها على خشبة المسرح، لقد شاعت عبارة “هاقطع لك لسانك من لغاليغو” التي رددتها عفت عبد الكريم على ألسنة الكثيرين منا بعد أن تأثروا كثيرا بالدور الذى جسدته الفنانة الكبيرة.

إنَّها “سكينة” في المسرحية الشهيرة “ريا وسكينة” التي أضحكتنا من القلب؛ حيث كانت الكلمات تنساب على لسانها بعفوية وتلقائية، وتنتقل من الكوميديا إلى الدراما في لمح البصر وكأنَّها تصعد درجات سلم صغيرة.. واستطاعت أن تحفر مكانا في ذاكرة كل من شاهدوا هذا العمل فمن ذلك الذى يمكن أن ينسى “سكينة” التي كان حضورها طاغيا بجوار شقيقتها “ريا” التي جسدت شخصيتها الفنانة شادية، وزوجها “حسبو” –أدى الشخصية باقتدار عبد المنعم مدبولي–  والشاويش “عبد العال” الذي أبدعه أحمد بدير.. ومازالت عبارتها الأثيرة “وكتاب الله ما هو تمثيل” يتردد صداها في أذاننا حتى اليوم.

هي أيضا “بكيزة هانم الدرملي” وهو دور من أروع الأدوار التي قدمتها الراحلة سهير البابلي في مسلسل “بكيزة وزغلول” وفيلم “رحلة البحث عن بكيزة زغلول” أمام إسعاد يونس، ومن أشهر الإفيهات التي استخدمتها خلال هذا العمل والتي مازالت عالقة بذاكرة الكثيرين منا “إنتى يا خدامة بكيزة هانم”.

وهى أيضا “نشوى” هانم السيدة الارستقراطية التي  تقع في حب شخص مثقف تقدم للعمل لديها كطباخ “أبو بكر عزت” وهو الدور الذى لعبته الفنانة القديرة سهير البابلي في مسرحية الدخول بالملابس الرسمية، وهي المسرحية التي مازالت حتى اليوم تحقق نسب مشاهدة كبيرة، وتتبارى الفضائيات على عرضها في الأعياد، وكان من أبرز الإفيهات التي رددتها فيها “إنتى كده داخله على فيلم الحرمان”.

لم تكن سهير البابلي ممن يلجئون إلى الافتعال أو التصنع.. كانت تمثل وكأنَّها تعيش حياتها بقدر كبير من التلقائية وعدم الافتعال؛ لذا فإنَّ المشاهد كان يجد نفسه وكأنَّه يعيش في قلب العمل.. يضحك لردود أفعالها وقفشاتها، ويحزن عندما تبكى أو ترثى حالها أو تتجرع مرارة الظروف التي تكابدها كغيرها من البشر.

إنَّها بحق موهبة استثنائية ونموذج نادر من الصعب أن يتكرر على خشبة المسرح أو شاشة السينما أو التلفزيون؛ حيث ظلت تصول وتجول طوال أكثر من أربعين عاما قدمت خلالها أدوارا تستحق أن تدرَّس في معاهد التمثيل.

سهير البابلي لاتشبه أحدا من السابقين، وربما اللاحقين إنَّها فقط سهير البابلي، وهى ماركة مسجلة في سماء الفن والأبداع المصرى والعربي ونجم في سماء الفن لا يمكن أبدا أن يغرب أو يغيب.

لا تكفى عشرات الكتب لتحليل طبيعة تلك الموهبة الكبيرة التي تمتعت بها سهير البابلي التي تعد واحدة من أبرز نجوم زمن الفن الجميل حيث لا مكان للإسفاف والابتذال الذى يتربص اليوم بنا الدوائر.

كان لدى سهير البابلي إصرار على أن تعانق سماء الفن؛ لذا التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد الموسيقى العربية في الوقت نفسه في إصرار على أن تصقل موهبتها بكل ما يضمن لها المزيد من الإبداع، ولم تثنها الضغوط العائلية القوية التي تعرضت لها عن أن تواصل طريقها الذى اختارته لنفسها حتى النهاية.

من أبرز مسرحياتها “شمشون وجليلة” و”سليمان الحلبي” و”نرجس” ولكنها تألقت في مسرحيات “ريا وسكينة” و”مدرسة المشاغبين” و”الدخول بالملابس الرسمية” و”عطية الإرهابية” كما قدمت عددا كبيرا من الأفلام السينمائية.

ولدت سهير البابلي في فارسكور بدمياط في 14 فبراير 1935، وتميزت بالموهبة الفنية المبكرة التي شهد بها الجميع، وظلَّ نهر عطاؤها يتدفق؛ حتى قررت وهى في قمة توهجها أن تعتزل الفن وترتدى الحجاب.

ورغم رحيل الفنانة الكبيرة سهير البابلي فإنها ستبقى واحدة من أعظم الفنانات اللاتي وقفن على خشبة المسرح.. رحم الله الفنانة الكبيرة سهير البابلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock