ثقافة

ابن رشد في جمهورية أفلاطون.. الغرق في مستنقع السياسة!

لا شك أنَّ ارتباطا وثيقا يُلاحظُ -دائما- بين التفلسف والأزمات الكبرى.. فالفيلسوف هو أبصرُ الناس بما يحيقُ بأمته من مشكلات ذات تأثيرٍ كبيرٍ يمتدُ إلى أعمدة المجتمع؛ فيصيبها بالتصدُّع أو الانهيار.. يتحتَّم على الفيلسوف -حينئذ- أن يستشرفَ المآلات، وينبه بالإشارة والإلماح إلى عوامل الضعف والانحلال، وكوامن الفساد والتراجع؛ مؤكدا على مقومات الإنقاذ والعواصم من التردي في أوضاع التفكك وتبعاته المؤدية إلى زوال الدول.

كان أفلاطون في الخامسة والعشرين من عُمره عندما بدأت شمس الدولة في أثينا مرحلة الأفول.. كان المجد الذي تكللت به بلاد اليونان بعد انتصارها على الفرس؛ قد ذوى قبل ميلاد أفلاطون بوقت طويل.. خبت الروح اليونانية المفعمة بروح ذلك النصر البعيد، وحلَّ محلها شعورٌ عام بالخيبة والإخفاق وانقطاع الأمل؛ بعد هزيمة مذلَّة حاقت بأثينا في حربها مع جارتها أسبرطة.. رأى أفلاطون أنَّ البداية الصحيحة لاستنهاض تلك الروح الغائبة؛ ليس إعادة بناء ما خلّفته الحرب من دمار طال كل شيء؛ بل التحليل العميق للدولة المنكوبة ومنهجها وممارساتها، وما طرأ على طبيعة الإنسان من عوامل الضعف والاستكانة والهوان.

هزيمة أثينا
هزيمة أثينا

ولم يكن ابن رشد بأسعد حالا من أفلاطون؛ فلقد عاصر “أبو الوليد” انقلاب الحكم في دولة الموحدين بعد نهاية عهد “أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن” الذي حفل زمانه بأشكال الثراء المعرفي ورقي الثقافة؛ لتقديره الشديد للعلم والعلماء، وإيمانه بأنّ العلم هو السبيل الوحيد الذي يفتح الآفاق نحو تقدم الدولة وازدهار المجتمع؛ ما يجمع للحكم عوامل القوة الحقيقية، ويبصِّره بمكامن الخلل وطرق إصلاحها -ليكون حكم المنصور “يعقوب بن يوسف” من بعده على خلاف ذلك تماما؛ فيستشري الظلم، ويتعاظم الاستبداد والقوة الغاشمة.. ما أغرى ضعاف النفوس من أصحاب التدين الزائف بالتقرب من المنصور، وتحريضه على أهل العلم، فكان ما كان من أمر اضطهاد ابن رشد واتهامه بالزندقة والكفر لنظره في علوم الأوائل.. الأمر الذي انتهى بإبعاده ونفيه.

في هذا الوضع المضطرب رأى ابن رشد أن يؤلف كتابا يحاول فيه تبديد تلك الغيمة السوداء التي أظلت قرطبة؛ جراء حكم المنصور؛ فاهتدى إلى وضع مختصر لكتاب السياسة لأفلاطون أسماه “الضروري في السياسة”.. ومن خلال هذا الكتاب استفاض ابن رشد-كعادته- في شروح ضافية تضمنت آراءه الشخصية ورؤاه الإصلاحية، وتحذيراته من مآلات وعواقب الاستبداد؛ فكان هذا الكتاب بمثابة نقطة البداية لما عُرف بعد ذلك بـ “نكبة ابن رشد” التي انتهت بنفيه.

لم يكن ابن رشد من المنحازين إلى تقديم حلول جذرية للمشكلات المتعلقة بعلاقة الحاكم بالمحكوم؛ بل كان يؤمن إيمانا عميقا بضرورة الإصلاح التدريجي، الذي يستلزم النفس الطويل، فكان يرى أنَّ السياسة هي العمل الصالح وليست الأقوال، كما خالف أفلاطون فيما رآه بشأن المدينة الفاضلة التي تكون كذلك بالأعمال فقط – إذ رأى أنَّ المدن لا تفضُل بالأعمال وحدها، إنَّما بالآراء أيضا.

هزيمة أثينا

أمَّا المدن التي تفضل بأعمالها فقط؛ فقد أسماها ابن رشد بالمدن الإمامية، ومنها مدن الفرس القدامى.. لكنَّ هذه المدن ما تلبث أن تتحولَ إلى مُدن غَلَبَةٍ؛ عندما يتحول الأئمة فيها إلى طبقة تدافع عن امتيازاتها، وتسعى إلى تنفيذ أغراضها دون النظر لمصالح الناس.

ويشير الدكتور “الجابري” إلى أنَّه بالرغم من أنَّ ابن رشد قد وصف مؤلفه عن جمهورية أفلاطون بالضروري والمختصر إلا أنَّه في الكتاب التاسع الذي يتناول صورة الحاكم المستبد “أرخى العنان لقلمه ليُطْنِبَ في نقل جميع ما خطَّه قلم أفلاطون في هذا الموضوع الذي تكلَّم فيه عن تجربةٍ ومعاناةٍ، إذ كان قد خبر بنفسه الاستبداد عن قرب”.

ويضيف د. عابد أنَّ ابن رشد اختار صيغة الحوار لعرض رأي أفلاطون، وأنَّه استفاض في تحليل مضمون الخطاب بصورة جعلت القارئ يُحسُّ أنَّ ابن رشد “لا ينقل وإنَّما يتكلم من عنده، بعقله ووجدانه “…لقد خاطب ابن رشد أهل زمانه بخطاب صريح مباشر لا مناورة فيه “مستعملا مصطلحا أصيلا هو (وحدانية التسلط)”.

أسهب ابن رشد في شرح مصطلحه؛ مدفوعا بكثير من مشاعر الخوف من مآلات هذا الحكم غير الرشيد.. ففي عبارة شديدة الوضوح يصف ابن رشد حال المستبد الطاغية “وحداني التسلط” كما أسماه فيقول: “ولهذا يعظم هذا الفعل منه –أي الاستبداد بالحكم- على الجماعة؛ فيرون أنَّ فعله عكس ما قصدوه من تسليمه الرئاسة، لأنَّهم إنَّما قصدوا بذلك أن يحميهم من ذوي اليسار -يقصد المترفين المستغلين ناهبي الأقوات- ويقرِّبهم من ذوي الفضائل والخير وأمثالهم من أهل المدينة- لما كان هو من أصحاب الحكم والسلطان- ليستتب أمرهم بسياسته وسياسة خدامه”.

تمثال ابن رشد في قرطبة
تمثال ابن رشد في قرطبة

وينعم ابن رشد النظر في مصائر العباد الواقعين تحت ذلك الضيم؛ فيقرر أنَّ الجماعة الغاضبة تسعى والحال كذلك إلى إقصاء ذلك المستبد عن المدينة وإخراجه منها “…فيضطر هو إلى استعبادهم والاستيلاء على عتادهم وآلة أسلحتهم، فيصير حال الجماعة معه كما يقول المثل: “كالمستجير من الرمضاء بالنار” وذلك لأنَّ الناس إنَّما فروا من الاستعباد بتسليمهم الرئاسة إليه؛ فإذا هو يفرض عليهم استعبادا أشد قسوةً وأكثر تنكيلا. وهذه الأعمال هي جميعا من أعمال رئاسة “وحدانية التسلط” وهي شيء بين أهل زماننا هذا ليس بالقول فحسب، ولكن أيضا بالحس والمشاهدة”.

ومن يقرأ هذا القول ليس منسوبا لصاحبه- ظنَّ إنَّما هو خاص بزماننا نحن، حيث إنَّ طبائع الاستبداد وطرائق الاستعباد راسخة في النفوس، باقية في الأذهان لا تتبدل مهما طال الزمان، وهذا إنَّما مرجعه كما بيَّن ابن رشد؛ إلى غياب الرأي الذي هو السبيل إلى استقرار دعائم الحكم القائم على العدل؛ لذلك لا ترى مستبدا إلا ويسعى إلى تجهيل الناس والزراية بالعلم، والحطِّ من شان المشتغلين به.

ويفصِّل ابن رشد المقال في أمر “وحداني التسلط” فيقول عنه أنَّه من “أشد الناس عبودية، وليس له حيلة في إشباع شهواته، بل هو أبدا في حزنٍ وأسى دائمين. ومَنْ هذه صفته فهو ضعيف النفس، وهو حسودٌ وظالم لا يحب أحدا من الناس. وذلك أنَّ هذه الصفات لمَّا كانت موجودة فيه قبل الرئاسة، فهي ألزم به بعدها. وبالضرورة لا ريب أن يكون اليوم الذي يواجه فيه مآله ومصيره يوما عسيرا؛ لأنَّ من يركب “البخت” والاتفاق و(المصادفة) كثيرا ما يُستخف به، وهذا كله بيّنٌ وجليٌ من هؤلاء، كما قلنا مرارا، لا بالقول فحسب بل بالمشاهدة أيضا”.

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري

ويتساءل الجابري عن أي مشاهدة كان يكتب ابن رشد عن مشاهدة أفلاطون أم عن مشاهدته هو، إنَّ هذا اللبس المتعمد إنَّما أراد به ابن رشد أن يُشرِّح واقعه، ويكشف عن آفة الحكم في زمانه ومكانه؛ لينبه إلى خطورة أن يظل الحاكم سادرا في غيه، متصورا أنَّ صبر الناس عليه، إنَّما هو دليل سيطرته الكاملة وخضوعهم النهائي.

لم يجن ابن رشد من جهده المخلص هذا إلا النفي والتشريد؛ برغم عدم خروجه من خندق الناصح الأمين، كما لم يستطع أفلاطون تطبيق “مثاليته” في صورة أفكارٍ عملية، وانقطع به الطريق عن الوصول إلى تصورٍ واضحٍ لأساس سياسي يبني عليه رؤيته التي تجاورت فيها أفكاره الثورية والإصلاحية.. بالرغم من ذلك فإنَّه من المتوجب علينا إعادة النظر فيما تركه أفلاطون وابن رشد، بالتحليل المعمق لعوامل الفشل والانحلال التي انتهت إليها الدولتان دولة المدينة في أثينا، ودولة الموحدين في قرطبة؛ فلربما وصلنا إلى ما قصرت عنه سبل الرجلين من أسباب الإنقاذ والنجاة.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock