رؤى

عبد الله بن عمر.. المُقتفِي أثر الرسول

عندما أسلم عمر في العام السادس للبعثة، كان عبد الله في الرابعة من عمره.. غمر النور بيت ابن الخطاب، وكان لعبد الله النصيب الأكبر.. فمنذ أن رأى الصبيُّ، رسول الله، صلوت ربي وسلامه عليه؛ حتَّى تعلّق قلبه به، نكاد نبصره وهو يرقب الحبيب محمد جيئة وذهابا، ويتعمّد أن يسير بقدمه الصغيرة، فوق أثر خطوات النبي.. فلربما أيقن الصغير مبكرا أن طريق النجاة لا سبيل إليه؛ إلا اتباع خاتم المرسلين في كل صغيرة وكبيرة.

يهاجر الصبي مع أبيه إلى المدينة، وعندما يعلم وهو ابن الثالثة عشرة أن النبي يجهز جيشا لحرب المشركين؛ يذهب مع أبيه إلى رسول الله؛ عارضا عليه أن يكون جنديا في أول معارك الإسلام، لكن الحبيب يرى أنه مازال غضا لا يقوى على حمل السلاح، فيأمره بالعودة.

يحزن الفتى حزنا شديدا، فلكم حلم بأن يكون جنديا في جيش قائده رسول الله.. ذلك القائد الذي ملأ حبه قلبه منذ وعى.. لكنه يشهد مع النبي – بعد ذلك- المشاهد كلها، فكان من أبطال الخندق، وهو في الخامسة عشرة.

 كان عبد الله أحرص الناس على التخلُّق بأخلاق الرسول.. كما كان ملازما لأبيه الفاروق، وله من رجاحة العقل وقوة الحجة ما يجعل عمر يعرض عليه الأمور ويناقشها معه طالبا رأيه، وكثيرا ما كان عمر يقتنع برأي عبد الله.

“لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فما نكثت ولا بدّلت إلى يومي هذا.. وما بايعت صاحب فتنة.. ولا أيقظت مؤمنا من مرقده”.

يقصد عبد الله يوم بيعة الرضوان، وكانت تلك البيعة نهج حياة عبد الله، الذي لم يخالفه قيد شعرة، إلى أن لقي ربه وقد ناهز الخامسة والثمانين.. أفنى حياته في العبادة؛ حتى قيل أنه كان يصوم ولا يفطر إلا العيدين، فقالوا عنه صائم الدهر.. لكن ذلك لا يتسق وما كان عليه الرجل من كمال الحرص على تنفيذ أوامر النبي، وقد نهى الرسول عن صيام الدهر.

كما سعى ابن عمر من كل سبيل لطلب العلم، وكان من أكثر رواة الحديث عن النبي صلوات ربي وسلامه عليه؛ ولكنه كان مُتحريِّا الدقة – كل الدقة- في ذلك خشية أن يقع في جريمة الكذب على رسول الله، وهو فعل من موجبات النار.. حتى قال عنه معاصروه: “لم يكن من أصحاب رسول الله أحد، أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه، من عبد الله بن عمر”.

أما ما كان يُسيل لعاب البعض من المغانم والمكاسب والمناصب- فقد كان عبد الله أعف الناس عنه.. وكان في فعله ذلك صاحب منهج فريد؛ فهو إلى جانب خشيته من التقصير في حق الرعية إن هو وليّ شيئا من أمرها، إلا أنه كان يخشى أيضا أن يكون قد استأثر من الأمر بما ليس من حقه، فكان يقول: “إني لأستحي من الله أن ألي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيها من هو خير مني”. كما رفض عبد الله بن عمر تولي القضاء على عهد عثمان بن عفان؛ فلما ألح عليه الخليفة أصرّ على اعتذاره.. فسأله عثمان: أتعصيني؟ فأجاب ابن عمر: “كلا. ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة: قاض يقضي بجهل، فهو في النار، وقاض يقضي بهوى، فهو في النار، وقاض يجتهد ويصيب، فهو كفاف، لا وزر، ولا أجر. وإني لسائلك بالله أن تعفيني”. وأعفاه عثمان، بعد أن أخذ عليه العهد ألا يخبر أحدا بهذا.

وفي جوده -رضي الله عنه- يروي أحد أصحابه وهو أيوب بن وائل الراسبي، أن عبد الله مرَّ به ذات يوم ومعه أربعة آلاف درهم وقطيفة.. ثم رآه أيوب في اليوم التالي يستدين طعام راحلته؛ فتعجب كل العجب، ما دفعه لسؤال آل بيت ابن عمر عما جرى، قال أيوب: “قد أتى لأبي عبد الرحمن -يعني ابن عمر- بالأمس أربعة آلاف، وقطيفة؟ قالوا: بلى. قال: فإني قد رأيته اليوم بالسوق يشتري علفا لراحلته، ولا يجد معه ثمنه! قالوا: إنه لم يبت بالأمس حتى فرّقها جميعها، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره، خرج ثم عاد وليست معه، فسألناه عنها، فقال: إنه وهبها لفقير. فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف؛ حتى أتى السوق فارتقى مكانا عاليا، وصاح في الناس: “يا معشر التجار، ما تصنعون بالدنيا، وهذا بن عمر تأتيه أربعة آلاف درهم فيوزعها، ثم يصبح فيستدين علفا لراحلته”؟!

أما قيام الليل فله مع عبد الله قصة تستحق أن تُذكر، يرويها هو فيقول: “رأيت – أي فيما يرى النائم- على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن بيدي قطعة استبرق، وكأنني لا أريد مكانا في الجنة إلا طارت بي إليه.. ورأيت كأن اثنين أتياني، وأرادا أن يذهبا بي الى النار، فتلقاهما ملك فقال: لا ترع، فخليّا عني. فقصت حفصة – أختي- على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل فيكثر”.

ومن يوم أن أبلغت أم المؤمنين حفصة، عبد الله أخاها بتعبير رؤياه، لم يدع قيام الليل في حِلِّه، ولا في ترحاله.. فكان يصلي ويتلو القرآن، ويذكر ربه كثيرا.. إلى آخر يوم في حياته.

أهداه أحد إخوانه القادمين من خراسان حُلَّة ناعمة أنيقة، وقال له: “لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان، وإنه لتقر عيناي، إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل.. قال له ابن عمر: أرنيه إذن.. ثم لمسه وقال: أحرير هذا؟ قال صاحبه: لا.. إنه قطن. وتملاه عبد الله قليلا، ثم دفعه بيمينه وهو يقول: “لا. إني أخاف على نفسي، أخاف أن يجعلني مختالا فخورا، والله لا يحب كل مختال فخور”.

وأهداه يوما صديقا له وعاء مملوءا، فسأله ابن عمر: ما هذا؟ قال: هذا دواء عظيم جئتك به من العراق. قال ابن عمر: وماذا يطبب هذا الدواء؟ قال: يهضم الطعام. فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه: “يهضم الطعام! اني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما”!

لقد كان ابن عمر تاجرا تجري الأموال في يديه، ولا تمس قلبه أبدا وكان منهجه في الزهد والورع، الخشية أن يكون ممن يقال لهم يوم القيامة: “…أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا” ولقد تحدّث عن نفسه قائلا: “ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وكان إذا طلب منه أحد أصحابه أن يتنعّم بالدنيا كما تنعّم غيره، يرد قائلا: “لقد اجتمعت وأصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم”.. ويقول: “اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في هذه الدنيا”.

ولكم كان عبد الله بن عمر ينأى بنفسه عن الفتن، فاعتزل الصراع ولم ينحز إلى أي من الفريقين في أحداث الفتنة الكبرى؛ اعتصاما من حرمة دماء المسلمين، لكنه كان يرى الحق مع الإمام علي بن أبي طالب، وروي أنه راجع نفسه في أمر الانضمام للإمام، وندم على أنه لم يفعل ذلك.

وقف الحجاج ذات يوم خطيبا، فقال: “إن ابن الزبير حرّف كتاب الله” فصاح ابن عمر في وجهه: ” كذبت، كذبت، كذبت”. وسقط في يد الحجاج، وصعقته المفاجأة، وهو الذي يرهبه كل شيء، فمضى يتوعد ابن عمر بشرِّ جزاء.. ولوّح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج، وأجابه الناس منبهرون: “إن تفعل ما تتوعد به فلا عجب، فإنك سفيه متسلط”. فَخَسِئَ الحجاج وانصرف عنه.

توفي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سنة 73 هـ، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين عاما. وقد ترك وراءه إرثا علميا ودينيا كبيرا، حيث كان من أكثر الصحابة رواية للحديث، وكان مرجعا للفقهاء في المدينة. وقد رثاه العديد من الشعراء، منهم الفرزدق الذي قال فيه: “فقدنا اليوم عبد الله بن عمر، وما مثل ابن عمر اليوم يفقد”. وقيل عنه: “كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير”.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى