ثقافة

إفراط وتفريط وتناقض متوهم بين ابن رشد الفقيه والفيلسوف

…وهذا هو شأننا -ليس مع ابن رشد وحده- بل مع كثيرين ممن أثروا حياتنا الفكرية برؤى ناوشت السائد، وحاولت تقديم أطروحات تتسم بالجدة وتراهن على التوفيق بين ما يُتوهم تناقضه، وتخاصم الأحادية المطلقة التي يطمئن إليها ذلك الفريق الذي يتواجد عبر الأزمنة؛ فتراه ليس ببعيد عن السلطان، وله عند العوام حظوةٌ بما يداعب فيهم من أوهام التفرد بِحُسن المآل.

ولا شك أنَّ أولئك الساعين نحو الإحلال والتجديد والمناوأة للثابت المتكلَّس من الآراء التي صارت ذات قوة وحصانة مع مرور الوقت –كانوا على علمٍ بما ينتظرهم من الإيذاء والاتهام وصولا إلى النفي، وربما كانت حياة أحدهم هي الثمن لما كتبه أو قاله أو أثار حوله النقاش الجاد.. والأمثلة في ذلك تجلُّ عن الحصر.

جَنَى ابن رشد من ذلك الكثير؛ وكأنما كان يزرع الحنظل ويجتني الشوك، وقد اختلف فيه الناس كلَّ الاختلاف.. فهو ملحدٌ في نظر البعض، عميق الإيمان عند البعض الآخر، عقلاني لا تحدُّ اجتهاده العقلي حدود، نصي أعلى من قيمة النص، ووقف معه عند حدود الشرح، وهو في (فصل المقال) يُكثرُ النقل للاستدلال، ويَقْنَعُ في أحيانٍ كثيرةٍ بالوقوف عند ظاهر النص، وبالرغم من أنَّ ابن رشد هو القائل أنَّ الفيلسوف “هو من قال بالبرهان” أمَّا المتكلم فهو الذي يعتمد الجدل باعتبار أنَّه عرف الحق مسبقا كاعتقاد خاص لاشك فيه؛ فيحاول نقد الخصوم والتشكيك فيما يعتقدون- برغم هذا سنجد من يتهمه بمخالفة ما قال مخالفةً صريحةً.. ومنهم الدكتور حسن حنفي الذي قال: “…إنَّ كل مؤلفات ابن رشد أقرب إلى القول الجدلي منها إلى القول البرهاني، الشروح والملخصات والجوامع في كثير من جوانبها حِجَاج مع الشُّرَّاح يونان ومسلمين، ودفعا لسوء تأويلهم؛ ويتضح ذلك بجلاء في مقالاته في المنطق والعلم الطبيعي”.

فصل المقال

وقد صار الرجل عند البعض إماما للتأويل.. وهو الأمر الذي جرَّ عليه عداوة النصوصيين، الذي رأوا في ذلك حيلةً خبيثةً للهروب من الدلالة المباشرة للنص، ليصير النص دون مضمون، ويصبح بذلك عُرضة للتفسير وفق الأهواء بعد أن فقد قداسته.. إلا أنَّ ابن رشد عاد ليخالف منهجه في التأويل في” الكشف عن مناهج الأدلة” فيلجأ إلى المناورة فيما أسماه بقانون التأويل، وهو الذي يؤول النظر في آيات القرآن الكريم على أنَّها الحكمة، غير أنَّه في نفس الوقت لا يرفض التأويل المفضي إلى قِدَمِ العالم كقوله “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء” وقوله” ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ” وهو في كل ذلك يزعم التزام رأيه القائل بأنَّ التأويل هو “إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، دون الإخلال باللسان العربي” وقد قصد من ذلك كما يقول حنفي إلى “الجمع بين المعقول والمنقول”.

لذلك نرى ابن رشد يتشدَّد في وجوب مراعاة المتأول لأصول اللغة العربية، وأن يكون التأويل غيرَ مُخِلٍ في ذلك بعادة لسان العرب في التجوُّز في تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عُدِّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي، وكان لابد للتأويل من التكيُّف مع الضوابط المفروضة عليه ومسايرة التفاسير بالإضافة إليها في المعاني وعدم التناقض معها.

ولا يجب أن ننظر لهذا بمعزل عن الظروف المحيطة بالفيلسوف، والتي دفعته في أحيان كثيرة إلى المداراة؛ التماسا للنجاة من سهام المتربصين.. “وحسن القصد معتبر” كما يقال.. فلقد خاض ابن رشد معاركه الفكرية انتصارا للعقل ودحرا للخرافة، منحازا لحيوية النص في مواجهة من يصرُّون على جموده وانقطاعه.. وفق تفسيرٍ واحدٍ يضيق بمتغيرات الزمان والمكان؛ إعمالا لمبدأ أنَّ “من اجتهد فأصاب فله أجران، فإذا أخطأ فله أجر” بشرط أن يكون قد استوفى شروط الاجتهاد، مؤكدا على أنَّ النصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت لا يمكن بحال أن تخالفَ العقل، معتبرا تأويل النص وفق شروط محددة  وصارمة  ضمانة لبقائه واستمراره وديمومة فاعليته.

كما رأى “أبو الوليد” أنَّ النصوص الشرعية عقدية كانت أم تشريعية، إنَّما هي نصوص إجمالية ومختصرة تتوجه إلى البشر في العموميات الأساسية، بيد أنَّها تدعو العقلاء إلى التأويل والاستنباط لمواجهة مختلف الأحوال المجتمعية والفكرية الثقافية ومتابعة التطورات والتغيرات البشرية، ومن أجل هذا نشأت العلوم الإسلامية المتعددة.

“إنَّ الحكمة هي صاحبةُ الشريعة والأختُ الرضيعة، مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة. وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة.. فالصواب أن تعلم فرقة من الجمهور التي ترى أنَّ الشريعة مخالفة للحكمة، إنَّها ليست مخالفة لها، وذلك بأن يعرف كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّه لم يقف على كنههما بالحقيقة، اضطررنا في “مناهج الأدلة” أن نُعرِّفَ أصول الشريعة، فإنَّ أصولها إذا وُجِدَت أشدَّ مطابقة للحكمة، مما أُوِّلَ فيها، وكذلك الرأي الذي ظن في الحكمة أنَّه مخالف للشريعة، لم يُحِط علمًا بالحكمة ولا الشريعة، ولذلك اضطررنا –نحن أيضا– إلى وضعِ قولٍ “فصل المقال” في موافقة الحكمة للشريعة”.

لكن التوفيق بين الحكمة والشريعة الذي قصده ابن رشد لم يذهب بعيدا عن محاولات سابقيه، برغم محاولاته المضنية في إثبات أنَّ فهم أحدهما لا يكتمل إلا بالآخر.

وقد ألمح الكثيرون- بعد ملاحظة تلك المراوحات- إلى وجود تعارض واضح بين التراث الفقهي لابن رشد وآرائه الفلسفية التي استفاض فيها في شروحه لأرسطو.. ويرى الدكتور “إبراهيم بورشاشن” في كتابه “وحدة الخطاب الرشدي بين الفقه والفلسفة” أنَّه لا يوجد ثمة تعارض أو تناقض، كما أنَّه من الصعب التحدث عن فلسفة “أبي الوليد” بمعزلٍ عن رؤيته الفقهية والأصولية. كما أنَّه لم يعد من المقبول، أن يقرأ المرء كتبه الفقهية من دون استحضار المقدمات الفلسفية التي صدر عنها الموقف الرشدي برمته.

وحدة الخطاب الرشدي بين الفقه والفلسفة

ويربط د. “بورشاشن” ربطا جديدا بين المنطلقات الصوفية لفكر ابن رشد، وترسيم قواعد ممارسته العقلية لفعل التأمل في مختلف مستوياته “الأمر الذي يجعلنا أمام قراءة، بقدر ما تريد لنفسها أن تكونَ قولا مُفصلا في العقلين الفقهي والفلسفي، بقدر ما إنَّها لا تُقِيمُ فصلا قاطعا بينهما وبين الرؤية الصوفية، التي نهل منها “أبو الوليد” قواعد ممارسته العلمية”.

وتعليقا على منهج ابن رشد الصارم في الرد على المتصوفة في كتابه “تهافت التهافت” ينحو د. إبراهيم منحىً مختلفا بعض الشيء إذ يرى أنَّ ابن رشد لم يكن معاديا للصوفية بدليل احتفائه بـ”محيي الدين بن عربي” و”أبي العباس السبتي” وغيرهما.. كذا ما عُرف عنه من الزهد وترك متاع الدنيا واعتباره إماتة الشهوات أساسا من أسس النظر العلمي، وهو فعل لا يكون بغير زهد، وما يؤكد ممارسة فيلسوفنا للزهد؛ بعضُ الفضائل الشكلية التي ميَّزت شخصه، منها وَرَعُه الذي عُرِفَ به سواء في اختياراته العلمية؛ حيث نجده في البداية مع “الأورع” على “الأقيس” أو في حياته حيث عُرف بالورع والزهد، وهو ما شهد له به تلميذه “أبو بحر” بقوله عنه “وورع لا يعارضه، من انْهَلَّ بالنسك عارضه، وانقباض عن الدنيا لا يساجله، من طفحت بأسرار الخشية مراجله” وهو ما تجليه رثاثة ملبسه، وتواضعه الكبير وخفضه لجناحه رغم شرفه الذي عُرف به، وشدة تحرُّجه من نقد الغزالي حين أكَّد على أنَّه لم يكن يستجيز نقد “أبي حامد” لولا محبته للحق.

تهافت التهافت لابن رشد

لقد انقطعت خطا “أبي الوليد” وجف مداد قلمه وفاضت روحه إلى بارئها قبل نحوٍ من ثمانية قرون ونصف، لكن مسيره تواصل ناشرا النور في أوروبا، التي انتقلت إليها كتبه عبرَ ترجمات عديدة، وكانت أوروبا قبله غارقة في ظلمات الخرافة والجهل والتخلف، وبه استطاعت أن تجتاز كل ذلك نحو نهضتها الفكرية التي أسست لنهضتها الحضارية.. وتلك العلاقة التي جمعت بين أوروبا وابن رشد تستحق أن نُخصص لها أكثر من مقال في القريب بإذن الله.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock