رؤى

الدرب الأحمر.. حي “البروليتاريا” المصرية.. مع العالِم في ذكراه

كان الصبي “محمود” يَؤم مسجد الجمعية الشرعية بحي خطَّاب السبكي بالدرب الأحمر عدة مرات أسبوعيا، رفقة أخيه “محمد” الطالب الأزهري المكفوف.. لم يكن مسجد الجمعية الشرعية هو الوجهة الوحيدة للشقيقين.. كانت كل مساجد حي الدرب الأحمر مقصدا لهما يتنقلان بينها في خفة وسعادة كعصفورين مبتهجين.. والصغير “محمود” يجمع إلى جانب هذه المتعة، متعة القراءة في كتب الفقه والشريعة؛ يلقيها على أسماع أخيه، ليكتبها بدوره بطريقة “برايل” لتكون متاحة له بعد ذلك يقرأها وقتما يشاء.. تلك الحياة الرائعة بين بيوت الله؛ زرعت في روح الصغير نزعة صوفية قوية، جعلته يرى الأشياء من حوله بعين فاحصة متبصرة، تعيد الأمور إلى أصولها وتبحث عن عِلَّةٍ لكل معلول.. في ذلك الحي العريق الذي يكدُّ أهله كدا شديدا؛ ليحصلوا في نهاية يومهم على أقل القليل من المال الذي لا يتيح لهم سوى اليسير من الطعام.. هذا الحي الذي أطلق عليه “العالِم” بعد ذلك اسم حي “البروليتاريا” المصرية بعد أن رأى في أبنائه مثالا للكادحين مهدري الحقوق.

على مدى ثلاثة عقود قضاها “العالِم” في الحي العتيق– حاول فيها استكشاف كل شبر فيه، والكشف عن حكايا التاريخ في أرجائه.. فهنا شُنق “طومان باي” على باب زويلة جنوب الحي، وهناك احتمى المصريون بالجامع الأزهر من العسكر الفرنساوية، وعلى رأس بوابة المتولي يقبع المسجد المعلق.. كتحفة تزداد روعة مع مرور الزمن.. مسجد السلطان طلائع المرتفع عن الأرض بنحو أربعة أمتار.. راقب العالِم في تطوافه اليومي فئات متنوعة من أصحاب الحرف  والصنَّاع.. السروجية والخيامية والمغربلين والقِرَبِيَّة وغيرهم.. إلى جانب الفرق الصوفية المنتشرة في كثير من مساجد الحي.. بدأت النزعة الصوفية لدى الفتى “محمود” تتوارى رويدا رويدا مع اندفاعه للبحث في الفلسفات؛ ليختار منها ما يوازن لديه بين نهم العقل وما يروي عطش القلب إلى المعرفة الصافية.. فكانت الفلسفة المثالية هي مرفأه الأول الذي ما يلبث أن يتبدل بفعلِ متغيرٍ خطير يطرأ على مُخيِّلة الشاب الطموح، متمثلا في مشروع يحاول به تغيير العالم على أساس “روحاني وباطني ووجداني”.

كانت سنوات الدراسة الجامعية قد انقضت سريعا؛ ليبدأ “محمود” بعدها التحضير لرسالته للماجستير.. لينفق الفتى من عمره ثلاث سنوات في البحث العلمي، وفق الفلسفة المثالية في موضوع “فلسفة المصادفة في الفيزياء المعاصرة” لكنَّه يحوِّل مساره نحو منحى مختلف بعد قراءته لكتاب “لينين” “المادية والنقد التجريبي” لينتهي إلى عنوان جديد لرسالته ومنهج آخر للبحث؛ لتصبح “فلسفة المصادفة على أساس موضوعي”..  لكن الفلسفة المثالية التي تحوَّل عنها “العالِم” ظلت كامنة لديه تُستدعى في كثير من المواقف، تلتقي مع النزعة الصوفية الروحانية في ابتغاء نوع من الكمال و”التأله” بعيدا عن التعالي “النيتشوي” للـ “سوبرمان” الذي اصطدم به في شخص أستاذه الدكتور “عبد الرحمن بدوي”.

يتذكر “محمود أمين” أنَّه التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب تأثرا منه بكتاب “بدوي” عن “نيتشه” لكنَّه صُدِم صدمة مروعة عندما التقاه في الجامعة.. كان “بدوي” مؤمنا بأخلاق السادة وأخلاق العبيد؛ ما أورثه طابعا خشنا وأسلوبا منفِّرا في التعامل مع طلابه، ما جعل الفتى ينصرف عنه سريعا؛ فاتحا الأفق الفكري على مصراعيه، مُعرِّضا عقله الغض لرياح التفلسف تذهب به أينما شاءت.

وكان لكتاب “قصة الفلسفة اليونانية” لـ”أحمد أمين” و”زكي نجيب محمود”، أكبر الأثر في اختياره هذا الطريق كمجال دراسة ومنهج حياة.. لقد فهم “العالِم” الفلسفة بوصفها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان؛ كما كان يرى النقد وظيفة اجتماعية أساسيّة وضرورة صحيّة، تُمثِّل النبض الحقيقي لقلب المجتمع، وبغيره لا نستبصر حقيقتنا، ولا نواجه مشكلاتنا، ولا نُحسن مواصلة طريقنا الاجتماعي؛ لذلك فلا يجب أن يصدر النقد عن عاطفة أو انفعال بل عن دراسة وفهم معمق للأسباب في سبيل الوصول إلى الحلول الموضوعية. أمَّا الحوار عنده فهو جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلى الحقيقة.. حقيقته وحقيقة الوجود من حوله، وبه تتكامل الشخصية إذ تتعانق الخبرات المتنوعة، تختلف، تتصارع، تنضج، ويتخطى بعضها بعضا.

قصة الفلسفة اليونانية

وكان موئله –دائما– حيه الأثير.. حي الدرب الأحمر الذي كان يعود إليه محمَّلا بأفكاره وارتباكاته وأحلامه، فيلقيها على أعتابه؛ ليبرئه من أسقام المتفلسفة وعللهم.. حي الدرب الأحمر الذي عشقه “العالِم” من كل قلبه ودان له بالفضل، وبرَّأ اسمه من أية تدخلات ماركسية، كما كان يطيب للبعض أن يزعم.. هو فقط حي يتجاور فيه الكفاح والمعاناة مع التراث ومعالم التاريخ تجاورٌ شكَّل إحدى الثنائيات الملهمة لدى “العالِم” المفكر المتأمل الهادئ، والأيدولوجي “الدينامي” المنهمك في العمل السياسي الحزبي، والناقد الأدبي والثائر المتمرد الذي يدخل معركة مع الدكتور “طه حسين” بسبب عبارة وردت للعميد في إحدى مقالاته عن الأدب بوصفه ألفاظا ومعاني، فيصدر العالم بيانا مشتركا مع الدكتور “عبد العظيم أنيس” يردان فيه على قول “طه حسين” برأيهما أنَّ الأدب علاقة بين الشكل والمضمون، “وأنَّ الشكل في الأدب ليس مجرد إطار خارجي؛ ولكنَّه بنية تعبِّر عن حركة داخلية في قلب العمل الفني، وتحوّل موضوعه إلى مضمون، وبالتالي فهي عملية ديناميكية داخلية “وقد سجلا وقائع ذلك السجال في كتابهما المشترك “في الثقافة المصرية”.. ورد الدكتور “طه” على البيان بقوله “يوناني لا يُقرأ” قاصدا أنَّه لا علاقة لما ورد بالبيان بالعربية ناهيك عن الأدب وتحديدا النقد.. إلا أنَّ “حسين” أشاد بالعالِم بعد ذلك في برنامج تليفزيوني ووصفه بالمثقف المجيد لقراءة التراث والتفاعل معه..  أثار “العالِم” و”أنيس” أيضا خلافا مع العقَّاد حول الوحدة العضوية للنص الأدبي، مرجحين أنَّ التعامل مع النص يجب أن يكون من خلال رؤية متكاملة وليست جزئية -كما يفعل “العقَّاد” دائما- وكان رد العقَّاد متجاوزا للمتعارف عليه في هذه المعارك إذ كتب يقول في معرض رده:” أنا لا أناقشهما.. أنا أضبطهما، إنَّهما شيوعيان!”.

تظهر هنا قدرة “العالِم” على الدخول إلى تلك السجالات الأدبية والتفوق فيها، هو ما ساهم في ذيوع شهرته ناقدا أدبيا أكثر من كونه مفكرا ومنظرا سياسيا، وهو ما يتفق أكثر مع طبيعته التي تفضل المعارك “اللطيفة” على الصراعات العنيفة، بالرغم من أنَّ تلك الطبيعة المتسامحة لا تجزع كثيرا عند دفع الثمن.. لكنَّه في لحظة ما يحسم أمره، ويُغلِّب قناعته بضرورة الالتحاق بالسلطة، ونقدها من الداخل، ولا يستنكف من الاعتراف بأنَّ المواقف المتشددة من سلطة عبد الناصر التي اتخذها الشيوعيون، وتمسكوا بها لفترة طويلة قد أضرَّت بهم، كما كانت سببا مباشرا في إضعاف الثورة، وتمكين أعدائها منها فيما بعد؛ وهو في سبيل تدارك ذلك، يتخلص سريعا من الشعور بالمرارة التي خلَّفها الاعتقال الطويل والتعذيب والإهانة؛ ويكتفي بكلمات من رأس السلطة “تطيَّب خاطره” فيخرج من ألمه الخاص جدا إلى الشعور بالمسئولية تجاه ما هو عام؛ فيتحول حزنه إلى أسف لعدم مشاركته في الإنجاز “الثوري” الذي حققته “يوليو” على الأرض.

ورغم ذلك الدعم والتأييد الذي أبداه بعد خروجه من المعتقل 1964، لسلطة عبد الناصر تحديدا وليس لدولة يوليو التي لم تتخلص من فساد أجهزة الملكية، وهي التي شكَّلت نواة صلبة للثورة المضادة، ونجحت في النهاية في القضاء على “يوليو” ومنجزاتها؛ لتتحقق فيها مقولة “ماركس” بشأن الثورة التي تستولي على السلطة؛ ولا تحطم جهاز الدولة محاولة استخدامه وتطويعه لتحقيق أهدافها الجديدة؛ فيقوى مجددا مستوليا عليها؛ إلا أنَّ “العالِم” ظل محتفظا بقناعة أنَّ هناك تناقضا ما يتراوح بين الرئيسي والثانوي؛ يحكم علاقة عبد الناصر بالشعب وإن أعلن غير مرة أنَّه انحاز إلى ثانوية هذا التناقض؛ لكنَّه يحيل كثيرا إلى أنَّ غيبة الديمقراطية كانت سببا مباشرا في جعل تلك المكتسبات التي قدَّمها ناصر للشعب؛ كالنقش على الرمال، سرعان ما انمحت بعد رحيله المفاجئ.. مع تسارع الإجراءات التي مكنت للثورة المضادة من إتمام انقلابها الناعم.

لقد شكَّل المكان بما يحمله من ثراء المعنى والمبنى، جزءا رئيسا في تكوين عقل العالِم، وكان سببا مباشرا في تقلباته الفكرية التي كانت أقرب إلى التنوع منها إلى التناقض؛ ليصير العالِم عقلا من أنبه عقولنا المصرية.. وما زلنا في شُغل عن دراسته بجدية أكثر، برغم أن ذلك صار ملحا الآن بأكثر مما يتصور أحد.

 بطاقة تعريف

  1. ولد محمود أمين العالم في حي الدرب الأحمر في القاهرة في 18فبراير 1922م، وبدأ دراسته الأولى في كتّاب الشيخ السعدني في مدخل حارة السكري، ثم في مدرسة الرضوانية الأولية في حي “القِرَبِيَّة” ثم في مدرسة النحاسين الابتدائية بحي الجمالية، ثم في مدرسة الإسماعيلية الثانوية الأهلية بحي السيدة زينب، ثم مدرسة الحلمية الثانوية بالقرب من حي القلعة.
  2. عمل بشهادة “التوجيهية” في وظيفة إدارية لضيق ذات اليد، ولكنه سعى للعمل موظفا بالجامعة ما مكنه من الالتحاق بقسم الفلسفة بكلية الآداب.
  3. حصل على الليسانس، وعُيّن مدرسا مساعدا بالقسم بعد حصوله على درجة الماجستير في الفلسفة عن رسالته التي عنوانها: (فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية)، وحصل بها على جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق، وسجل بحثًا للدكتوراه حول: (الضرورة في العلوم الإنسانية)، غير أنه فُصل لأسباب سياسية من القسم عام 1954، فلم يتمكن من نيل درجة الدكتوراه.
  4. بعد فصله عمل لفترة مدرسا خصوصيا للفلسفة والمنطق واللغة اللغة اللاتينية واليونانية، ثم عمل بجريدة المصري، ثم عمل بروزا اليوسف كاتبا لعمود بعنوان “حاول أن تفهم” في النقد الأدبي.
  5. اعتقل لمدة خمس سنوات وخرج في بدايات 1964، وعمل رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للكتاب.
  6. ثم رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة المسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ثم رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم.
  7. في عهد الرئيس السادات اتهم في قضية “التنظيم الطليعي” واستبعد من قائمة الاتهام، وغادر مصر إلى إنجلترا وعمل محاضرا في كلية سانت أنطوني- بجامعة أكسفورد، ثم أستاذا مساعدا للفلسفة بجامعة باريس، ثم انتقل للعمل بجامعة عدن باليمن الجنوبي.
  8. كان عضوا بنقابة الصحفيين، ومقررا للجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.
  9. حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب 1998.

مؤلفاته:

  1. مواقف نقدية من التراث: دار قضايا فكرية – 1997.
  2. الإبداع والدلالة: مقاربات نظرية وتطبيقية-دار المستقبل العربي – 1997.
  3. أغنية الإنسان: ديوان شعر- دار التحرير 1970.
  4. كتاب “من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل ” مساهمة في بناء نهضة عربية جديدة – المستقبل العربي 2001.
  5. الإنسان موقف
  6. معارك فكرية
  7. هربرت ماركيوز
  8. فلسفة الطريق المسدود
  9. الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي
  10. تأملات في عالم نجيب محفوظ
  11. الوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر
  12. الابداع والدلالة
  13. ثلاثية الرفض والهزيمة دارسة في أدب صنع الله إبراهيم.

توفي بالقاهرة في 10 يناير2009.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock