توافق ذكرى رحيل الشيخ محمد رفعت في مثل هذا اليوم من عام 1950، ذكرى يوم ميلاده عام 1882، أي أن الشيخ الجليل عاش ثمانية وستين عاما، قضى منها ما يزيد عن ستة عقود في خدمة كتاب الله الكريم.
لقد حار المتخصصون والمحبون في وصف صوت الشيخ محمد رفعت، وذهبوا في ذلك كل مذهب، وجاءت تلك الأوصاف -في معظمها- قاصرة وعاجزة ولا تفي الشيخ بعض حقه، فمن قيثارة السماء إلى الصوت الملائكي إلى الصوت الباكي، إلى صوت الشعب إلى مقرئ الإسلام وسيد قراء هذا الزمن إلى هبة السماء ومنحة الأقدار- اندرست كثير من معالم الطريق إلى استكناه حقيقة هذا الصوت المتفرد الذي لا تستطيع وصفه بالجمال والعذوبة دون أن تذكر القوة والبأس، ودون أن يذكرك بالخشوع والضراعة بين يدي الخالق الكريم.. صوت يمد بينك وبين السماء حبلا موصولا لا ينقطع ولا يهن منك العزم ما دمت عليه قابضا.. إن سمائية صوت الشيخ رفعت التي قال بها كثيرون لا تفصله عن الأرض فهو خارج منها ومعبّر عنها بكل تجلياتها؛ فكأنما قُدَّ من هزيم الرعد وصرير الريح وخرير الماء وحفيف أوراق الأشجار.. إنه تبتل الأرض بكليتها إلى إله السماء.. وقد يفارق الصوت الفريد بشريته تجليا وعلوا إلى ما لا تدركه إلا الأفئدة الخالصة.. وهذا بعض مما يمكن قوله في صوت الشيخ محمد رفعت، أما عن الأداء نفسه وسيماء الكمال في التلاوة والتجويد وضبط الأحكام، فقد تحدّث فيه المتخصصون بما فيه الكفاية، وأعتقد أنهم لم يتركوا شيئا- ولو صغيرا- في هذا الباب إلا واعتنوا به أشد العناية.
وكذلك ترجمة الشيخ -رحمه الله- وميلاده الميمون بحي المغربلين بالقاهرة، في التاريخ المذكور، ومحنة فقدانه البصر، وتيتمه صغيرا في التاسعة من عمره، ورحلته الرائعة مع كتاب الله- نقرأه في كثير من المؤلفات وعلى المواقع، ولا أعتقد أن الاستفاضة فيه هنا، ستحمل إضافة جديرة بالذكر؛ لكن اللافت في كل ذلك هو استيلاد ذلك الكنز من رحم معاناة امتدت لنحو من 66 سنة ربما لتبقي ذلك القلب الكسير مُعلقا بقوة بالله وكلماته دون أدنى انشغال بالزوائل والمتع الفانية، وكأنها حالة اصطفاء كاملة ونادرة، لحمل أعظم أمانة وأداء أنبل رسالة يبقى ذكرها خالدا ما بقيت دنيا الرحمن.
الحب الموصول بين أبناء الأمة الإسلامية وبين الشيخ رفعت، منذ زّين القرآن الكريم بصوته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- منة أخرى يمنها الله الحنّان المنّان على عبده، الذي ملك القلوب في أرجاء البلاد حين تدفق صوته عبر الأثير في أول بث للإذاعة المصرية عام 1934، ولأكثر من عِقد كامل قرأ الشيخ رفعت في الإذاعة حتى جاب صوته الآفاق ليس في الإذاعة المصرية وحدها، بل في إذاعات لندن وباريس وبرلين، وكان من الممكن جدا أن يسجل الشيخ القرآن كاملا بصوته، لكن ذلك لم يحدث لأسباب عديدة منها خوف الشيخ من استغلال كتاب الله في أغراض تجارية.. ويبدو أن ما وصل إلينا من تسجيلات الشيخ، وكلها من إهداءات محبي الشيخ ولا دخل للإذاعة المصرية بها- هو حظنا من هذا الفيض النوراني؛ فلسنا بمستحقين لأكثر من ذلك، وما نرى تلك الاكتشافات التي يُعلن عنها كل فترة لتسجيلات للشيخ إلا نفحات من رب الرحمة للأفئدة العطشى للوصال العلوي.
لقد عاش الشيخ محمد رفعت حياته في زهد عجيب، وكان شديد الالتصاق بالفقراء، يؤثرهم دائما على غيرهم.. وهناك من القصص والحكايات التي تروى عن زهد الشيخ وورعه وكراماته.. ما يجل عن الحصر، وربما لا يتسع المقام لذكرها وبحثها.. ويبقى الشيخ أجل وأكبر من كل ما يروى عنه.. وتظل محبته في القلوب الصادقة أمر لا مراء فيه.. فاللهم ارحمه واعف عنه واجزه عن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.








