رؤى

روسيا وأوكرانيا: ما المخاطر التي تحملها الأزمة بين البلدين للدول العربية، وهل من فرص يمكن استثمارها؟

بقلم: سارة فياض، نقلًا عن موقع بي بي سي عربي

بعد أسابيع من التوقعات الغربية، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فجر الخميس إطلاق “عملية عسكرية خاصة” في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، قائلا إنها تهدف إلى “نزع سلاح” حكومة كييف التي اتهمها بالإشراف على “إبادة جماعية” في المناطق الشرقية من أوكرانيا.

بعدها بلحظات، بدأ سماع دوي الانفجارات في أماكن مختلفة من أوكرانيا/ في حين توالت الإدانات الغربية للخطوة الروسية التي وصفت بأنها “غزو شامل” لأوكرانيا، سيقابل برد حازم من الغرب.

وبينما تتجه أنظار العالم صوب أوكرانيا، تنذر الأزمة المتصاعدة بعواقب تتجاوز القارة الأوروبية، ليشعر بها الناس على بعد آلاف الأميال؛ تحديدا في المنطقة العربية.

فما المخاطر المحتملة التي تحملها الأزمة الأوكرانية الروسية للدول العربية؟ وما هي جوانب هذه المخاطر؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

الطاقة

عاملان في موقع بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي نورد ستريم 2 في عام 2019

منذ بداية الحديث عن الرد الغربي لأي عدوان روسي على أوكرانيا، برزت العقوبات الاقتصادية كأداة رئيسية في ترسانة الغرب للتعامل مع روسيا. وقد طُرح ملف الطاقة، وتحديدا إمدادات النفط والغاز الروسي، كورقة مساومة أساسية في هذا الإطار.

لكن هذا الملف مثّل سيفا ذا حدين؛ فمن جهة يمثل فرض عقوبات على قطاع النفط والغاز الروسي صفعة لموسكو التي تشكل صادراتها من النفط والغاز إلى أوروبا رافدا رئيسيا لاقتصادها. ومن جهة أخرى، قد تعني هذه الخطوة أن يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف حرج نظرا لاعتماده على الغاز والنفط الروسي بشكل كبير.
ويقول خبير النفط والغاز الدكتور ممدوح سلامة إن الاتحاد الأوروبي يعتمد بنسبة تزيد عن 40 في المئة على الغاز الروسي، في حين تصل صادرات النفط الروسي إلى الاتحاد إلى نحو 27 في المئة من إجمالي إمدادات النفط الواردة إليه، وهو الأمر الذي “يعطي روسيا قوة كبيرة في سوق الغاز والنفط في الاتحاد الأوروبي”.

وقد تركز كثير من الجدل حول طبيعة العقوبات الأوروبية على قطاع الطاقة الروسي حول أنبوب الغاز “نورد ستريم 2″، وهو مشروع خط أنابيب جديد لنقل الغاز الطبيعي بطول 1200 كيلومتر، يمتد من غربي روسيا إلى ألمانيا تحت بحر البلطيق.

انتهت أعمال البناء في الخط، الذي تحملت شركات روسية وأوروبية تكلفة إنشائه، في سبتمبر/ أيلول 2021، لكنه لم يدخل الخدمة بعد بانتظار الحصول على الترخيص النهائي من هيئة تنظيم الطاقة الألمانية. ومن المتوقع أن يوفر الخط حال تشغيله 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.

بعد اعتراف روسيا بـ “جمهوريتي” دونيستك ولوهانسك، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز تعليق المصادقة على الخط، قائلا إنه لا يمكن أن يمضي قدما في ضوء التطورات الأخيرة من الجانب الروسي، ومحذرا من عقوبات إضافية محتملة.

اقتصر الرد الألماني في الوقت الحاضر على تعليق إصدار ترخيص لأنبوب “نورد ستريم 2” وهو ما يعني أن الإمدادات الحالية للنفط والغاز الروسي إلى أوروبا لن تتأثر في الوقت الراهن، نظرا لأن الخط لم يكن قد دخل في الخدمة بعد.

لكن، وبينما أكدت موسكو أمس على لسان وزير الطاقة الروسي نيكولاي شولغينوف “التزام الشركات الروسية التزاما كاملا بالعقود القائمة”، مع أوروبا، تخلق الخطوة الألمانية مخاوف من تبعات التوتر مع روسيا على الإمدادات المستقبلية من الغاز والنفط الروسي لأوروبا، في حال توسع العقوبات لتشمل قطاع الطاقة الروسي بشكل أكبر، أو تفاقم التوتر إلى الدرجة التي تتخذ فيها روسيا خطوة إيقاف إمداد أوروبا بالغاز والنفط.

يشير الدكتور ممدوح سلامة، إلى أن روسيا، وإن كانت تجد في الاتحاد الأوروبي سوقا رئيسيا لصادراتها من النفط والغاز، إلا أنها، ونظرا لتوقيع عقود طويلة الأمد مع بكين، يمكن أن تجد في السوق الصينية، بديلا للأسواق الأوروبية.

بدورها، يضيف خبير النفط والغاز، قد تواجه الدول الأوروبية، وبخاصة ألمانيا، التي تعتمد على إمدادات الغاز والنفط الروسية بنسبة 65 في المئة، كما لا تمتلك حاليا محطات لاستيراد الغاز المسال.

وينظر الأوروبيون وحليفهم الأمريكي للدول العربية المنتجة للغاز والنفط كقطر والسعودية والجزائر وغيرها بوصفها مصدرا يمكن أن يعوض بعض النقص في إمدادات الغاز والنفط إلى أوروبا، كما أن يلعب دورا في استيعاب الاضطرابات التي قد تصيب السوق العالمي للنفط نتيجة للتوترات.

نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، شكل الدور الذي يمكن لقطر -التي تحتل المرتبة الثانية كأكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، أن تلعبه لتعويض أي نقص محتمل في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، محورا أساسيا في محادثات الرئيس الأمريكي جو بايدن مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني خلال زيارة الأخير إلى واشنطن.

لكن الدكتور ممدوح سلامة يرى أن المفاوضات التي تجريها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع قطر وغيرها من كبار منتجي الغاز الطبيعي في العالم، لا تعدو كونها مساع لـ “تخفيف حدة الضرر”.

إذ يؤكد أن “جميع صادرات الولايات المتحدة وقطر وأستراليا لا تكفي لسد حجم صادرات روسيا من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي”، خاصة في ضوء التزام قطر وأستراليا بعقود مع المستهلكين في آسيا، فضلا عن وجود صعوبات لوجستية في تصدير الغاز المسال إلى بعض الدول الأوروبية. يقول إن “الأوروبيين سيضطرون إلى دفع أسعار غالية جدا لشراء الغاز، وهو ما سيكلف الاقتصاد الأوروبي الكثير.”

بالإضافة إلى الدور الذي تأمل الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون أن تتمكن الدول العربية المنتجة للغاز من لعبه في تعويض النقص في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، تتطلع واشنطن إلى أن يسهم كبار منتجي النفط في العالم العربي، وعلى رأسهم السعودية، في منع الارتفاع الشديد في أسعار النفط العالمية نتيجة للمخاوف المتعلقة بالأزمة الأوكرانية الروسية، عبر زيادة إنتاجهم من النفط.

وبينما ينظر البعض إلى الارتفاع المتوقع في أسعار النفط، التي تجاوزت حاجز المئة دولار لأول مرة منذ 7 سنوات، بوصفه أمرا قد يعود بالفائدة على الدول العربية المصدرة لهذه المادة، يشير الدكتور سلامة إلى ضرورة أخذ الأثر الذي سيتركه هذا الارتفاع على كلفة إنتاج المواد الغذائية عالميا في عين الاعتبار.

إذ يؤكد أن “الدول العربية تستودر أكثر من 120 مليار طن من المواد الغذائية غالبيتها يأتي من أمريكا وهذا سيزيد كلفة الاستيراد على هذه الدول، ما ينعكس سلبا على حجم العجز في ميزانها التجاري”. وهو الأثر الذي سيكون مضاعفا على الدول العربية غير المصدرة للنفط.

التوازنات الجيوسياسية

يتفق مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، جوليان بارنز ديسي، مع الدكتور سلامة في محدودية قدرة الدول العربية المنتجة للنفط والغاز على تعويض النقص الذي قد يحدثه تراجع أو وقف إمدادت الطاقة الروسية إلى أوروبا، لكنه يشير إلى أن الدور الذي قد تلعبه هذه الدول في سد جزء من النقص، والحفاظ على استقرار أسعار النفط عالميا، قد يمنحها مساحة لتقوية أو ترميم علاقاتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة وممارسة درجة من النفوذ.

جو بايدن والأمير تميم بن حمد

في الوقت ذاته، يحذر ديسي من التحديات التي قد تواجهها دول المنطقة، التي ستجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين علاقاتها مع الدول الغربية من جهة، وعلاقاتها مع روسيا التي تربطها مصالح عديدة مع عدد من الدول العربية من جهة أخرى.

يقول إن “هذه البلدان ستكون مضطرة إلى السير بحذر شديد لضمان الاستفادة من الفرص التي قد تخلقها الأزمة، دون أن تخلق مزيدا من الضغوط على نفسها” أو تضر بعلاقتها بروسيا إذا بدا كما لو أنها تنحاز إلى أحد طرفي الأزمة.

ويلفت ديسي النظر إلى خطورة أن يؤدي تفاقم التوتر بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، إلى زيادة “الاستقطاب في العلاقات الدولية، وتسميم أي إمكانية للتعاون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”، وما قد يتركه أمر كهذا من أثر على الوضع في دول عربية تشهد انخراط أطراف دولية في الصراع الدائر فيها مثل سوريا وليبيا.

يلحظ الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن التفاهمات الدولية حول ملفات الشرق الأوسط عرفت خلال السنوات والأشهر الماضية نوعا من التعاون رغم الاختلاف. مثال ذلك، التعاون بين روسيا والصين والدول الأوروبية في ملف إيران النووي على الرغم من التوتر حول أوكرانيا.

لكنه يشير إلى أن ملفات أخرى، كالملف السوري والليبي عرفت إلى جانب بعض التعاون، كثيرا من الإحباط والعداء، ووجد فيها الغرب وروسيا نفسيهما على طرفي نقيض. ويعرب عن قلقه من أن يؤدي تصاعد التوتر واحتمال نشوب نزاع مسلح في أوكرانيا إلى “ترسيخ” الاختلاف في المواقف، وتراجع فرص تحقيق أي تقدم يضمن الاستقرار السياسي في دول مثل سوريا وليبيا.

الأمن الغذائي

بغض النظر عن مكانها أو موقفها من التوتر بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، تجد كثير من الدول العربية نفسها أمام تحد خطير يتمثل في الأثر الذي قد يتركه تصاعد حدة الصراع في أوكرانيا على إمدادات المنطقة من المواد الزراعية، وبخاصة القمح، وعلى أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم.

تحتل روسيا وأوكرانيا مركزا هاما في سوق المواد الزراعية في العالم، وتمثل صادراتهما من القمح 23 في المئة من السوق العالمية، في حين توردان ربع إنتاج الحبوب في العالم. وتوزع الغالبية العظمى من صادرات أوكرانيا من الحبوب عبر البحر الأسود.

وترى محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كيلي بيتيلو أنه سيكون للتصعيد في أوكرانيا “عواقب وخيمة للغاية على الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، والتي استحوذت على 40 في المئة من صادرات أوكرانيا من الذرة والقمح عام 2021.

وتُبين أنه “إلى جانب الاضطرابات التي قد يحدثها أي نزاع مسلح في سلاسل التوريد، تشير الأحداث التي عرفتها أوكرانيا في عام 2014 إلى الأثر الذي يتركه الاضطراب في تلك المنطقة من العالم على أسعار المواد الغذائية”.

وما يفاقم الوضع سوءا، بحسب بيتيلو، هو أن الارتفاع المتوقع في الأسعار نتيجة للأزمة، يأتي في وقت وصلت فيه أسعار المواد الغذائية إلى مستويات تاريخية مرتفعة بالفعل، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي ارتفعت فيها الأسعار خلال العامين الماضيين، “نتيجة مزيج سام من الصراع والمظالم السياسية والانهيار الاقتصادي المتزايد”.

وتجد دول مثل مصر، التي تعد أكبر مستورد للقمح في العالم، ولبنان واليمن وعُمان وليبيا وغيرها، نفسها في موقف صعب، خاصة إذا ما نظرنا إلى “الدور الذي لعبه الأمن الغذائي في اندلاع الانتفاضات العربية قبل أكثر من عشر سنوات”، تؤكد بيتيلو.

ماذا عن البدائل؟ تؤكد، بيتيلو أنه من الناحية النظرية، هناك بدائل لأوكرانيا وروسيا، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، ولكنها بدائل باهظة الثمن، فضلا عن أنه “يمكن للمرء أن يجادل بأن فقدان الإمدادات الروسية والأوكرانية يمكن أن يزيد من نفوذ الولايات المتحدة على واردات الغذاء في المنطقة”.

كما تشير إلى أنه حتى في حال توفر المال اللازم لاستيراد القمح من هذه الدول بكلفة أعلى، “لا تزال هناك مشكلة فيما يتعلق بامتلاك البنية التحتية المناسبة والإعداد لجلب هذه الإمدادات”، إذ تعتمد معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على البحر الأسود كطريقة لدخول السلع الزراعية، وهو ما يعني أنه سيتعين على هذه البلدان استيراد هذه السلع عبر طرق بديلة.

الأزمة الإنسانية

يترك تصاعد التوتر في أوكرانيا أثرا كبيرا، وإن بشكل غير مباشر، على الوضع الإنساني في عدد من الدول العربية.

وتقول بيتيلو إن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى المنطقة ستتأثر بشكل كبير في حال اندلاع نزاع مسلح في أوكرانيا، إذ سيؤدي وجود أزمة إنسانية في أوكرانيا نتيجة لأي صراع قد يندلع إلى “تحويل التمويل والموارد الطارئة بشكل أكبر نحو أوكرانيا وبعيدا عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

أطفال سوريون نازحون شمال سوريا أوقدوا نارا للاستدفاء بها وسط الخيام في ظل موجة برد غير مسبوقة

قد يؤدي سيناريو مثل هذا إلى مفاقمة وضع سيء أصلا. إذ تشير بيتيلو إلى أن عوامل مثل تغير المناخ ووباء كورونا أدت إلى “زيادة تعقيد إنتاج المساعدات الإنسانية وإمداداتها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وتضرب مثال اليمن، حيث تم تمويل نصف خطة الاستجابة الإنسانية فقط في عام 2021.

وتحذر بيتيلو من الأثر الذي قد تتركه زيادة الضغط على المساعدات الإنسانية على الوضع في سوريا، كما في دول المنطقة التي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين السوررين، والتي قد تواجه مزيدا من عدم الاستقرار “وربما الصراع”.

تشرح: “يعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على المساعدات الإنسانية وقد تأثر بالفعل بالعقوبات الأمريكية على روسيا. كما تعتمد تركيا ولبنان والأردن اعتمادا كبيرا على المساعدات الإنسانية، وهي مرهَقة للغاية، ويزداد وضعها تعقيدا بسبب الوضع السياسي والاقتصادي المحلي غير المستقر”.

وتؤكد أن النتيجة قد تكون صورة معقدة من التأثيرات، حيث تتداخل القضايا المحلية والصراعات الإقليمية مع الآثار المتتالية لأزمة خارجية مثل أزمة أوكرانيا.

يفتح هذا الباب، بحسبها، على شرق أوسط أقل استقرارا، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تدفق مزيد من اللاجئين إلى أوروبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock