ثقافة

في ذكراه الخامسة والأربعين.. فلسطين في شعر محمود حسن إسماعيل (1-2)

صوتٌ بأرض القدس مشتعل الصدى              كادت له الأكباد أن تتوقّدَا

لمّا تأوّهَ صارخًا بين الورى                        أَسْيانُ يرزمُ تحت نيران العِدا

***

مهدُ الشرائع من قديمٍ مالهُ                       أضحى لأحرار البريّة موقدا

***

هانت على البطل المجاهد نفسهُ           فسعى لحوض الموت يطلب موردا

***

ثاروا بأرض الله ثورة عاجزٍ                      سمع القوي شكاتَهُ فتوعّدا

هاجوا على الأصفاد هيجةَ ناسكٍ                 زحمتهُ آثام الصبا فتمرّدا

***

والشرق ويح الشرق نام أسودهُ                عن ثائرٍ في القدس ضجّ وأرعدا

شلّت عزائمهم ونام جهادهم                    وتصرّعوا في كل مهدٍ هُجّدا!

إنها بعض أبيات قصيدة “زفرة على فلسطين الدامية” التي نظمها الشاعر المصري “محمود حسن إسماعيل” [1910-1977م] تضامنًا مع فلسطين في انتفاضتها المعروفة بالثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني المحتل للأراضي العربية، والتي صدرت ضمن ديوانه الثاني “هكذا أغني” عام 1937م.                      

ومنذ ديوانه الرابع بعنوان “أين المفر؟” والذي صدر عام 1947م، نجده يستهله قائلًا: “و كلما ناء قيد جاء قيد .. رَبِّ أين المفر!!” فإذا بالنبرة المعبرة عن الأسر والقهر والأغلال قد بدأت تظهر بوضوح في شعر شاعر الكوخ “محمود حسن إسماعيل”، وهو ما نجده في قصائد مثل: اللحن المقهور، ونشيد الأغلال، ومن أغاني الرق، وعبيد الرياح.

وفي عام 1959م أصدر ابن قرية “النخيلة” –المعروفة قديمًا باسم “بيشناي” (مركز أبوتيج – محافظة أسيوط)– ديوانه الخامس بعنوان “نار وأصفاد” وأهداه إلى: أرض الضياء والحق .. أرض العروبة التي نفذ منها صوت الله لضمير البشرية، وتوهج ترابها بالنور لكفاح الأنبياء، وعطَّر فضاءها عبير الرسالات، وامتدت منها يد السماء لترفع الغشاوة عن العيون، وتنزع الأغلال من الرقاب، وترد الكرامة لجبهة الإنسان. وإلى الجذوة التي شبَّت من أعماقها فبدَّدت الظلام، ووحدت الطريق. وإلى الغضبة التي زأرت في سمائها، فأرهبت الطغاة والمستبدين، وانتزعت الحق السليب من براثن المستعمرين، ونفضت تراب المذلة عن وجوه الراضخين.

وتضمن هذا الديوان قصيدة “اللاجئون” التي ترجع إلى عام 1951م وجاء فيها:

                        كانوا بأوطانهم كالناس .. وانتبهوا           فما همُ من وجود الناس إن ذُكِرُوا

                         مُشَرَّدُونَ بلا تيهٍ .. فلو طلبوا                تجدُّدَ التّيهِ في الآفاق ما قَدَرُوا

                   يلقى الشريدُ فجاج الأرض واسعةً               لكنهم بمدى أنفاسهم حُشروا

                   في خيمةٍ من نسيج الوهم لفَّقَهَا               ضميرُ باغٍ بمجدِ العُربِ يأتمرُ

***

                        أسطورةٌ تُخجل الدنيا حكايتها           بل نقمةٌ في حشا الأحرار تستعرُ

                          عمَّا قريب يدُ القهار تُطلقها             نارًا بها عصبة الأشرار تندثرُ

                         وتسترد فلسطين بيارقها                   مرفرفات بمجد النصر تزدهرُ

                         ويملك العرب الأحرار أرضهمُ               والله أعظم إنَّ الحقَّ منتصرُ

كما اشتمل هذا الديوان أيضًا على قصيدة “خيمة البهتان” عام 1952م وجاء فيها:

سلوهم واسألوا ما شئتم الإسلام والعربا

وكيف على تراب الذل لم يتمزقوا غضبا

وكيف غدت فلسطين بهم تتجرع النوبا

تنوح على سلاسلها وتشكو القيد واللهبا

وهم لمذابح الطغيان ساقوا اللهو واللعبا

وقالوا الشرق .. قلت: صحا على أفواهكم كذبا

ومنذ عام 1964م وحتى عام 1970م أصدر الشاعر”محمود حسن إسماعيل” أربعة دواوين احتوت على الكثير من القصائد الوطنية التي تعبر عن محنة الشرق وصرخة ثورته، وعن صراع العرب مع المحتل الذي اغتصب أراضيه ودنَّس مقدساته وشرَّد أبناءه. فجاء الديوان السادس الذي صدر عام 1964م يحمل عنوان “قاب قوسين”، وهو الذي نال عنه الشاعر “محمود حسن إسماعيل” جائزة الدولة التشجيعية، وتضمن هذا الديوان قصيدة “تكبيرة العودة” المعروفة بـ “تكبيرة الزحف” وقال فيها:

                غدًا يزأر الليلُ من حولهمْ             ويرتدُّ فيهم ضلالُ السِّنينْ

                    ويكتسحُ الفجرُ أَيامَهمْ             بيومٍ يكبِّر للعائدينْ

                  وتخفق بالنصر هالاتُهُ            على كل دربٍ سقاهُ الأنينْ

           فلسطينُ حانَ شروقُ الصباح         ودوَّى أَذانُكِ للزَّاحِفيِنْ!!

وفي عام 1966م صدر ديوانه السابع بعنوان “لابد” والذي استهله بقصيدته “لابد أن نسير”، كما تضمن أيضًا قصيدة “التائهة” ويقصد بها إسرائيل.

لاَ بَدَّ أَنْ نسيرْ!

ونجرفَ الأقدارَ من طريقنا الكبيرْ

ونعصرَ الرياحَ في تلفُّت المصيرْ

ونصعقَ الهشيمَ في احتضاره الأخيرْ

فلمْ يعدْ لركبنا وقوفْ

ولم يعدْ لدربنا عُكوفْ

***

يا مُلْقيَ الأحجارِ في انتفاضة الطريقْ

لاَ بَدَّ أَنْ نسيرْ!

في دربنا الكبيرْ!

ويأتي ديوانه الثامن “التائهون” عام 1967م ليتضمن أهم قصائده عن فلسطين مثل: قصيدة “محمد لاقى عليها المسيح”، وقصيدة “فلسطين”، وقصيدة “في عام النكبة”، وقصيدة “لحن من النار”، وقصيدة “راية العرب”، وقصيدة “وحدة المسير”.

وقد كتب في افتتاحية هذا الديوان: الوحدة الكبرى، طريق نضالنا للنصر ..، مهما كابدَتْ أسفارُها .. سنسيرُ .. نقتحم العواصف والدُّجَى .. مهما تكاثف حولنا أستارُها .. سنسيرُ .. نخترق السدود، ونَنْبَري حتى كهوف الكيد .. نحن دمارها !!

ومن أهم قصائد هذا الديوان القصيدة الشهيرة “قومي إلى الصلاة”، التي أنشدتها بصوتها العذب الفنانة القديرة “سعاد محمد”، وقام بتلحينها ملحن القصائد المخضرم “رياض السنباطي”. وفيها وجه رسالته إلى تلك المدينة المقدسة كي تستعيد الأمل وتستمر في مواصلة رسالتها الأبدية وفي إقامة الصلاة، وقد استهلها بهذه الأبيات:

وعادت الطيور في المساءْ                  فلم تجد في القبة الضياء

ولا صدي الترتيل والدعاء                    فهزت الأوتار بالنداء

يا قدس يا حبيبة السماء                 قومي إلى الصلاة وباركي الحياة

ورددي التسبيح في المآذن            وأيقظي الأجراس في المدائن

وكبري لله .. لا تهادني                   قومي إلى الصلاة وباركي الحياة

قومي ومهما اشتدت الجراح             فكل ليل بعده صباح

غدًا يهل الفجر للأعتاب                   وترجع الطيور للقباب

ثانية بالحب والصفاء                       هاتفة بأصدق النداء

قومي إلى الصلاة والترتيل والدعاء

يا قدس يا حبيبة للأرض والسماء

قومي إلى الصلاة وباركي الحياة

وإذا كانت تلك الأبيات تبث الأمل في نفوس المؤمنين، وتحثهم على عدم التوقف عن التوجه إلى الإله من أجل شحذ الطاقة المؤهلة للعمل والمحفزة على المقاومة، فهي أيضًا تدعوهم إلى عدم التوقف عن تكبير الإله الواحد القهار، كي لا يخافوا من مواجهة أعدائهم أو يميلوا إلى مهادنتهم رهبة منهم. كما تذكرهم كذلك بالحفاظ على مقدساتهم وعدم التفريط فيها أو التخلي عنها بالتوقف عن إقامة الشعائر الدينية بداخلها؛ فلولا وحدة المؤمنين في الدفاع عن مقدساتهم لما خاف المعتدون الغاصبون من الاقتراب منها، وطالما سيعدون في الدفاع عنها وحمايتها ما يُرهبون به أعداءهم فلن يتم اغتصابها منهم دون أي اكتراث بهم.

رحم الله الشاعر “محمود حسن إسماعيل” الذي سنكمل معه قصائده عن فلسطين في تتمة ذلك المقال.

نيفين عبد الجواد

كاتبة وباحثة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock