ثقافة

عمار بن ياسر.. الطيب المُطيَّب “جلدة ما بين عين وأنف” رسول الله

الله الله في ابن ياسر وسُمَيَّة.. الآل الموعودون بالجنة، الله الله في رجل جالد الصعاب وعاين الأهوال مذ فُتِحَت عيناه على دنيا الناس؛ فكان احتماله فوق احتمال البشر، أما صبره واحتسابه في سبيل الله؛ فسيصير مضرب الأمثال عبر الزمن، ليس لعمار بين صحابة رسول الله شبيه، فهو تِربُه الذي ولد معه في نفس العام، وهو الذي صار لصيقا به أيام الطفولة والشباب؛ كذلك كان عمار من أول من آمن وصدق دعوة الحق.

لا يترك الرسول الخاتم فرصة إلا ويعلن فيها حبه الشديد لعمار حتي أنه يقول لابن عفان معاتبا حين انتهر عمار: “عمار جلدة ما بين عيني وأنفي”، وهو يذكره ضمن عدد من أصحابه اشتاقت لهم الجنة، ولا ينسى له المصطفى سبقه وفضله أبدا؛ فيداوم على الدعاء له ولأبويه ياسر وسمية اللذين قضيا شهيدين في بواكير الدعوة، وقد وعد الرسول آل ياسر بالجنة؛ لصبرهم واحتسابهم  ولما تحملوه من تعذيب وحشي، علي يد أبي جهل فرعون الأمة أحد سادة بني مخزوم الذي كان ياسر حليفا لهم، فكيف كان ذلك؟

قبيل حادثة الفيل بسنوات، قدم ياسر إلى مكة من اليمن مع أخوين له؛ للبحث عن أخ لهم كان قد وفد مكة للحج؛ ولكنه لم يعد وانقطعت أخباره.. وبعد البحث لفترة لم يتوصل الأخوة لشيء فَهَمُّوا بالعودة؛ لكن ياسرا آثر البقاء في مكة بعد أن أعجبه ما تمور به من حياة وحركة، عكس ما كانت عليه بلاده آنذاك إذ كان الجدب قد ضربها فتحولت من السعادة إلى شر حال.

وبحسب ما تقتضي القواعد، كان على ياسر أن يدخل في حلف سيد من سادات قريش؛ حتى يأمن على نفسه من عدوان العادين وما أكثرهم؛ فكان أن دخل في حلف أبي حذيفة ابن المغيرة المخزومي، وهو شيخ من أشياخ مكة عُرف بالحكمة ونبل النفس وحميد الخصال، وكان الدخول في حلف سيد من سادات قريش؛ يوجب على المتحالف تبعات كثيرة تقترب في قسوتها من شروط العبودية، لكن أبا حذية قد أعفى ياسرا من كل ذلك، وما لبث أن زوّجه من أمة عنده تدعى سمية.

أنجبت سمية لياسر عمَّارًا ثم ثنّت بعبد الله، وقد نشأ الفَتَيَان في كنف بني مخزوم، وقد أصبح سيدهم أبو الحكم عمرو بن هشام الذي أسماه الرسول الأكرم أبا جهل.

يقول عمار: “كنت تِربًا لرسول الله” ولما كان محمد آية في التواضع والعطف على المستضعفين؛ لذلك تعلق قلب عمار به منذ أن رآه، وهما ما زالا طفلين يلعبان في طرقات مكة، ثم كان أن لازم عمارٌ محمدا حتى صارا شابين؛ بل إن عمارا هو من توسَّط في زواج النبي الأكرم من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.

ثم يأذن الله تعالى لنوره أن يسطع في سماء مكة، ويسارع عمار إلى صديقه في دار الأرقم؛ ليسمع منه ويسلم على يديه، هو وصهيب بن سنان الرومي، ويظلان بصحبته إلى الليل، ثم يخرجان وهما مستخفيان توقيا لأعين قريش.

وما كان لقريش أن تنام عن عبيدها وإمائها ومواليها، وقد دخلوا في الدين الجديد، الذي يعدهم بالحرية ويمنيهم بالعدل، ويلهب خيالهم بالحياة الكريمة، التي تخلو من القهر والاستعباد، ويقف أبو جهل محرِّضا على التنكيل بكل من اتبع محمدا، بل ويجعل من نفسه مثالا يُحتذى في التنكيل بمن تحت يده من العبيد والإماء والموالي، وكان لآل ياسر من العذاب نصيبا وافرا أودى بحياة الأبوين، أما ياسر فقد أربى على مصير أبويه، لولا أن الله كان قد ادخره لنصرة هذا الدين لعقود آتية، وتحت وطأة التعذيب الشديد بين السحل في رمضاء مكة، والإغراق في الماء حتى الاختناق- غاب ياسر عن الوعي وما بين غيبوبة وأخرى تفوه بما أمروه به؛ فما كان منهم إلا أن أطلقوه، وعندما أفاق ذهب إلى الرسول باكيا فيسأله الرسول: ما وراءك؟ فيقول: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك يا رسول الله ، وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنٌ بالإِيمان. قال: فان عادوا عُد. وفي ذلك نزلت الآية الكريمة “مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (106) النحل.

ثم يأذن الرسول لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة؛ فيخرج اثنا عشر رجلا منهم على رأسهم جعفر بن أبي طالب، وفيهم عمار بن ياسر، ويقيم هؤلاء في أمان النجاشي، وتفشل كل محاولات قريش في استعادتهم، ثم يهاجر النبي إلى المدينة، وهناك يصبح عمار أحد أعمدة تلك الدولة الوليدة، فلا يفارق الرسول أبدا.. يبني معه المسجد ويحمل لبنتين بدلا من واحدة، فيراه الرسول ويعجب من جلده، ويدعو له بخير ويقول له: “ويحك يا عمار تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار”  ثم يشهد معه المشاهد كلها، ويلازمه حتى لحاقه- صلى الله علي وسلم- بالرفيق الأعلى، وترتد القبائل إثر وفاة الرسول، ويشعر عمار بما يتهدد دولة الإسلام، فيخرج في حروب الردة مجاهدا، وهناك في اليمامة يسطر صفحة أخرى من أنصع صفحات نضاله، وتقطع أذنه وهو منهمك في القتال، دون أن يشعر، يقول عبد الله بن عمر: “رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون!؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إليّ.. وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال” وكان قد ناهز الخامسة والستين من عمره؛ فأي رجل كنت يا عمار؟!

وكان عمر قد ولاه على الكوفة؛ فسار بين الناس بالسوية وعدل بين الرعية، وكانت سيرته فيهم على أفضل ما يكون، ثم عزله عثمان فيمن عزل من الولاة؛ ليولي قرابته من بني أمية، فعزله وهو الذي قال عنه الحبيب: “إن عمارا مُلِئ إيمانا حتى أخمص قدميه” وهو من كان إذا لقيه الحبيب قال: “مرحبا بالطيب المطيب”. ومع ذلك لم يكن عثمان ليرضى به واليا، أما هو فقال وهو الصادق: “ولا أنا والله أرضى أن أكون عاملا لك”.

ثم كان بينهما ما ورد في كتاب الأنساب إذ “كان في بيتِ المال بالمدينة سفطٌ فيه حليّ وجوهرٌ، فأخذ منه عثمان ما حَلّى به بعض أهله، فأظهرَ الناسُ الطعنَ عليه في ذلك، وكلّموه فيه بكلام شديدٍ حتى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذنَّ حاجتنا من هذا الفيء، وإن رغِمتْ أنوف أقوام. فقال له الإمام علي: إذن تُمنع من ذلكَ ويُحال بينك وبينه. وقال عمار بن ياسر: أُشهدُ الله أن أنفي أول راغمٍ من ذلك. فقال عثمان: أعَليّ يا ابن المتكاء تجترئ خذوه، فأُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غُشي عليه، ثم أُخرج فحُمل حتى أُتي به منزل أم سَلَمة فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى وقال: “الحمد لله، ليس هذا أول يومٍ أُذينا فيه في الله”.

ثم كان يوم صفين، وعمار وقد جاوز التسعين، لا يَكَلُّ عن نصرة الحق. يلازم الإمام علي في حربه على أدعياء الثأر لدم ابن عفان، وما هم إلا بغاة قد حركتهم المطامح، ولعبت برءوسهم السلطة، وأثارت نفوسهم الأطماع القديمة التي نامت عنها قريش إلى حين.

كان الفريقان يعلمان بحديث النبي، وكثير من جند الشام يتوجسون خيفة من مقتل عمار على أيديهم، ومعاوية يخادعهم بقوله إن عمارا صائر إلى صفنا، وعمرو بن العاص يتابع أخبار القتال ونفسه على أوجف ما يكون، وعمار في عقده العاشر بين الصفوف، يشحذ الهمم ويقوي العزائم ويقول: “اللهم إني لا أعلم عملا هو ارضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين”.

ويستشهد عمار.. وتتبدى في استشهاده الآيات تلو الآيات، وينكسر عسكر الشام، ويصبح النصر قاب قوسين أو أدنى من جيش العراق، لولا خديعة التحكيم التي تفتق عنها ذهن خبيث، يقول محمد عبد الجواد الفقيه: “لقد كان نبأ استشهاد عمار؛ يوازي في أهميته حقبةً من الجهاد الطويل المثمر؛ لأنه كان الفاضح لفئةٍ تحارب وتقاتل باسم الحق وباسم الدين، بينما الحق والدين كانا مع عمار! لقد كان شاهد حق مع علي وأصحاب علي. وكان في نفس الوقت حربا على معاوية ومن معه من البغاة”.

استشهد عمار.. ووري جسده الطاهر الثرى، بالرقة شمال سوريا على الضفة الشرقية لنهر الفرات، في ذلك المكان الذي شهر في السنوات الأخيرة فصلا داميا من فصول البغي، حين صار عاصمة لتنظيم الدولة الإسلامية.. دولة الخلافة التي تحارب باسم الدين ويرفع جنودها رايته وهو منهم براء..  اللهم ارحم عمارًا، وانتقم من أعدائه البغاة أدعياء الحق والدين في كل عصر ومصر.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock