ثقافة

قراءات إسلامية (5): الدولة.. من الخلافة إلى المُلك

لعل مفارقة القبول السريع لـ”الذهنية العربيةـ الإسلامية” بالتحول في مسار الخلافة إلى “المُلك”، والتصالح معه، تطرح التساؤل حول الأسباب الدافعة إلى مثل ذلك القبول؛ خاصة أن تلك الذهنية نفسها، كانت تتمحور حول رفض المُلك.. وأنها نفسها أيضا لم تبتعد، لأكثر من سنوات قليلة عن النبوة والوحي.

في حديثنا السابق حول الدولة و”التحول في مسار الخلافة” وصلنا إلى أن الأصل اللغوي للجذر “م، ل، ك” يؤكد مدى نفور الذهنية “العربية – الإسلامية” من مسألة المُلك؛ إذ يشير هذا الأصل اللغوي إلى النسق الدلالي الذي ينطوي عليه الاستعمال العربي للفظة “مُلك” وهو صفتها الإكراهية تغلبا بالقوة المفروضة. ومن ثم لنا أن نتصور التجليات التي يمكن أن يثيرها هذا النسق الدلالي للفظة “مُلك” في الاستعمال العربي، والذي تجاوزـفي ما يبدوـ الصفة الإكراهية، إلى السلطان والاستبداد بل والعبودية.

القرءان ودلالة المُلك

بل إن ما يؤكد مثل هذا النفور، هو ما تشير إليه الدورة الدلالية لجذر “م، ل، ك” ومشتقاته، كما وردت في القرآن الكريم، من مُقاربة للنسق الدلالي الذي يشير إليه الجذر ذاته.. وهو ما يتبدى بوضوح في آيتي سورة النمل.. نعني قوله سبحانه “إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” [النمل: 23].. وقوله تعالى “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ” [النمل: 34].

هنا يمكن أن نلاحظ أن لفظة “مُلك” قد وردت في الآية الأولى بصيغة الفعل “تَمْلِكُهُمْ” للإشارة إلى دولة، أو بالأحرى مملكة سبأ في جنوب الجزيرة العربية، وهي من الممالك التي عرفها عرب الجنوب قبل الإسلام. وقد جاءت صيغة الفعل مصحوبة بصفة تدل عليه، أي تدل على مقومات هذه الملكية “وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ” ثم تأكيد لهذه الصفة “وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” إذ العرش هو رمز المملكة.. ويمكن أن نلاحظ، أيضا، أنه في الآية الثانية، وردت لفظة “مُلك” بصيغة “اسم الجمع” المعرفة بأداة التعريف (ال) “الْمُلُوكَ” للإشارة إلى ما يشبه القاعدة العامة في ما يخص السلطة السياسية الرادعة والإكراهية. وقد جاءت صيغة اسم الجمع مصحوبة بصفة تدل عليه، أي تدل على سمات الردع والإكراه “أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً”؛ ثم تأكيد هذه الصفة “وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ”.

وأيًا يكن الأمر، فإن لفظة مُلك قد وردت في هاتين الآيتين [23، 34] من سورة النمل، بما يشير إلى السلطة السياسية للمُلك: مقوماتها وسماتها.

لذلك ليس من الغريب إذن أن تقترن الحكمة بـالمُلك، في ما يتعلق بالأنبياء الذين تولوا السلطة السياسية في أقوامهم؛ وذلك في إشارة واضحة من القرآن إلى اختلاف هؤلاء، في طبيعة حكمهم (سلطتهم) عن مسلك الملوك من البشر الدنيويين. ويكفي أن نذكر هنا كأمثلة على ذلك، الآيات التالية: يقول الله سبحانه وتعالى عن مُلك النبي داود: “وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ” [البقرة 251] ويقول سبحانه: “وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” [ص: 20].. ويقول تعالى عن “مُلك” آل إبراهيم: “فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا” [النساء: 54].

مُفارقة قبول المُلك

أضف إلى ذلك، أن استبعاد مصطلح المُلك من منظومة المصطلحات السياسية الإسلامية الشرعية (الخلافة والإمامة وإمارة المؤمنين) يشير إلى الموقف الذي تمحورت حوله الذهنية العربية ـ الإسلامية، في ما يخص المُلك: مقوماته وسماته.

ولعل هذا الموقف يعود، في ما يعود إليه، ليس فقط كنتيجة لنفورها الراسخ من السلطة الرادعة والإكراهية، والتي يمثل المُلك عنوانا لها.. ولكن إضافة إلى ذلك كنتيجة لعدم تقبلها لوضعية رعايا الملك، أو الرعية.. ولنا أن نلاحظ أن كلمة رعية، وأيضا كلمة راع، لم ترد  أي منهما  في القرآن قط.. اللهم إلا نفيًا للمفهوم في قوله سبحانه: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ” [البقرة: 104].. وتأكيدًا على هذا النفي، في قوله تعالى:  “مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ…” [النساء: 46].

ومن ثم يمكن إدراك، والإدراك “إعطاء الأشياء و الظواهر معان محددة” لماذا كان المسلمون (الأوائل) يسمون أنفسهم،  وكان العرب يسمونهم، أيضا  أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) وصحابته. كما يمكن إدراك ما يؤكده قول عمر بن الخطاب: “لا ملك على عربي”؛ وقوله: “إنه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا وقد وسع الله وفتح الأعاجم”.

وفي ما يبدو، هكذا، فإن الدائرة المكونة من هذه الجهات الثلاث، المُشار إليها: النسق الدلالي للاستعمال العربي لجذر “ملك” والدورة الدلالية له  بمعنى السلطة السياسية في القرآن الكريم، واستبعاده من منظومة المصطلحات السياسية الإسلامية الشرعية.. هذه الدائرة تتمركز حول نقطة أساسية مفادها أن ثمة مفارقة في القبول السريع للذهنية العربيةـ الإسلامية للتحول، بل الانقلاب في المسار السياسي للدولة الإسلامية.

نعني.. التحول من الخلافة إلى المُلك، أو بالأحرى التحول والانقلاب من الدولةـ الخلافة إخضاع السياسة والدولة لمنطق الدين والعقيدة وتوظيفها من أجل إظهاره ونشره، إلى الدولةـ السلطنة إخضاع الدين والعقيدة لمنطق السياسة والدولة وتوظيفه فيها.

إعادة ترتيب القيم

في ما يشير إليه، يشير ذلك إلى إعادة ترتيب منظومة القيم الاجتماعيةعلى حساب تراجع الأسبقية لإسلام التبشير والهداية المنزهة.. وفي ما يؤكده، يؤكد على إعادة ترتيب القيم السياسية لحساب تصاعد الأولوية للسلطان الحاكم الملك، والإكراهية الرادعة.. وفي ما يتمحور حوله، يتمحور حول إعادة ترتيب القيم الثقافية في اتجاه ترسيخ فكرة الراعي.. والرعية كقيمة مجتمعية اتخذت موقعها المركزي في الذهنية العربية الإسلامية.

والغريب والمثير والمدهش في آن، أن مثل هذا التحول/ الانقلاب كان قد تأسس كاتجاه جديد ومغاير على يد شخص هو معاوية بن أبي سفيان.

وهنا.. لا يحتجن أحدٌ على أحدٍ بأن هذا الاتجاه قد تأسس دون ما إدراك لطبيعته، أو دون ما إعلان عن ملامحه.. إذ إن الإعلان يبدو بوضوح من خلال قول معاوية: “لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني… وإني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا” (أورده محمد عابد الجابري في كتابة: “العقل السياسي العربي، 1990” ـ ص 364).. أما إدراك طبيعة هذا الاتجاه فيبدو بوضوح من خلال قول على بن أبي طالب: “والله لو ولو عليكم [يقصد بني أمية] لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل” (أورده محمد جابر الأنصاري في كتابه: “التأزم السياسي عند العرب، 1999” ـ ص 37).

وأيا تكن أسباب هذه المفارقة: مفارقة التحول في المسار الاجتماعي/ السياسي/ الثقافي للدولة/ الخلافة، والتي أفاض في تناولها الكثيرون (نذكر هنا إسهامات الجابري والأنصاري وهشام جعيط وبرهان غليون.. وغيرهم)؛ والتي لا تكفي، في اعتقادنا، لتفسيرها، وإن كانت تساهم ـ قطعًاـ في تأويلها.. (أيًا تكن الأسباب) فإن هذه المفارقة سوف تفصح عن نفسها في واحدة من أهم الإشكاليات التي حفل بها التاريخ العربي الإسلامي، في ما يخص الدولة.. نعني إشكالية الآخر السياسي (الداخلي).

كيف كان ذلك؟… يتبع.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock