رؤى

العيد…ملهم المبدعين

بمجرد أن ينتصف شهر رمضان الفضيل في مصر، يستعيد أهل البلاد بعض العادات والتقاليد التي دأبوا عليها منذ عصر الحكم الفاطمي لمصر، والذي دام نحو قرنين من الزمان.

من بين هذه المظاهر، الاستعداد لاستقبال عيد الفطر؛ عبر تزيين الشوارع والمنازل بزينة تسمى “زينة العيد” والتي تتنوع بين الأضواء البراقة والفوانيس والألوان المبهجة.

وبطبيعة الحال تبدأ ربات البيوت في العمل، على ما يسمى بـ”صاجات الكعك” حيث يشرعن في إعداد أنواع مختلفة من المخبوزات، التي يتناولها المصريون صبيحة أول أيام عيد الفطر؛ احتفالا بمقدمه ومن بين هذه المخبوزات: الكعك والغُرَيِّبَة والبسكويت وغيرها.

كما يشهد عيد الفطر صورة من صور التكافل الاجتماعي في مصر، حيث يقوم القادرون من المصريين بخبز كميات كبيرة من الكعك تفوق احتياجهم الشخصي؛ حتى يوزعوا هذا الفائض على الأسر المحتاجة، التي لم تسعفها ظروفها المادية لشراء هذه المأكولات لأبنائها.

من المنطقي أن تُلهم أجواء كهذه المبدعين على أرض المحروسة، وفي مقدمتهم الشعراء الذين تأثروا بها أيما تأثر، وصارت موضوعا لعدد من قصائدهم.

 فالفنان الراحل متعدد المواهب والابداعات صلاح جاهين؛ عبّر في احدى رباعياته الشهيرة عن التناقض ما بين الفرحة بمقدم العيد، وطقس يصر أغلب المصريين على أن يبدأوا به عيدهم، وهو الذهاب إلى قبور أقاربهم الراحلين وقراءة الفاتحة على أرواحهم.

حيث يقول جاهين في رباعيته، التي يؤكد فيها على استمرارية الحياة وانتصار البهجة الطفولية على الحزن:

“عيد والعيال اتنططوا ع القبور

لعبوا استغمايه .. و لعبوا بابور

وباللونات ونايلونات شفتشي

والحزن ح يروح فين جنب السرور.

وعلى نفس النهج يسير الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد، في رائعته المسحراتي حيث يضع على لسان هذا المسحراتي قصيدة في وداع الشهر الفضيل؛ حين تقارب أيامه على الانتهاء، ويصف بشكل لا يخلو من الطرافة وخفة الظل مشهد سيدات البيوت المشار اليه سابقا، وهن يعددن طعام عيد الفطر:

مسحراتي منقراتي

 خالاتي عماتي سيداتي

على تل عجوة وعسل وسمن

ولا مجلس الأمن سهرانين

لت وعجين يبنوا الهرم

قالت حماة المحترم

يا كحك يا سيد الكرم.

أما رائد فن الزجل بيرم التونسي؛ فيختص كعك العيد بقصيدة مطولة، يتناول فيها طقوس إعداده وبلغته الساخرة اللاذعة يصف ما يصادف هذه الطقوس من سلبيات:

بفضل الله طلع كعك السنه ديه        بدون أحزان أو حادثة رديـــه

فلا الطحـان حط لنا النخـــالة         ولا السمان باع السمن ليــه

ولا الفـــران للعجنــه حرقـــها        ولا منها انســرق حتى وقية.

ويصف مشهد السيدات المصريات وهن يحملن صاجات الكعك الى المخبز:

صينية خالتـــك أم أحمد حنيفة        وصحن الست اســما الفهلوية

وأنجر من طرف بدريه هانم          مغطى بالقطيفة العثمانية.

ولا يغفل التونسي وصف مهاداة الجيران لبعضهم البعض بهذه المخبوزات:

وفـي الجيـــران مكارة عجوزة         دي أهدت كعكهـــا كلــو إليــه

وخشت بيه في طشت غسيل            وقالت هدية والنبي قِبـل الهدية

ومن أهداك ولو بالخبز يابس             ترد بالمثـــل وزيـــاده شويــة.

أما الشاعر الراحل فؤاد قاعود؛ فيكتب واصفا ما يحفل به العيد من عزائم وولائم، ولا يفوته بطبيعة الحال أن ينتقد إقبال البعض على الطعام في هذه المناسبة بنهم شديد:

في العيد خدونى حكم ع الكحك والقراقيش

أقول عمايـل ســنية بدهـا تحرميش

وكحك فردوس صغير بس زيـه مافيش

وأجـبر خاطــرهم جميعا بس آكل أكل

يكفى من غير مبالغة في المعارك جيـش.

ورغم تغير تقاليد العيد، ورغم تراجع دور المخبز، في إعداد الكعك لصالح المتاجر التي تبيع هذه المخبوزات في علب مٌعدة جاهزة للجمهور؛ إلا أن العيد بكل ما فيه من طقوس، لا يزال مصدر بهجة للمصريين، غنيهم وبسيطهم، ولا يزال أيضا ملهما للمبدعين منهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock