رؤى

هل يكشف طول أمد الحرب في أوكرانيا الوضع الكارثي داخل الجيش الروسي؟

أصوات:

يقدم هذا المقال نموذجا صارخا، علي انحدار التغطية الإعلامية والكتابة البحثية، في تحليل الحرب الأوكرانية إلى بروباجندا مرحلة الحرب الباردة؛ من شيطنة العدو وإلصاق كل الصفات السلبية بالخصم وخلط الأماني بالحقائق.. علي أنه رغم ذلك يمثل أهمية لاطلاع القارئ العربي لـ “أصوات” عليه؛ لإمكانية مضاهاته كتوقع بالنتيجة النهائية للحرب؛ عندما يتوقف هدير المدافع والصواريخ، كما أنه يطرح بقوة، أن خيار استخدام السلاح النووي المدمر في هذه الأزمة من  قبل روسيا؛ مطروح علي الطاولة، في حال فشل السلاح التقليدي وما يعنيه ذلك من عواقب مخيفة علي مستقبل البشرية وحضارتها.

————————————————————–

المقال: كان من المفترض أن تُظهر قوة الجيش الروسي الحديث، للعالم أن الرئيس فلاديمير بوتين أعاد بلاده إلى العظمة بعد الإذلال الذي حدث نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي. لكن بدلا من ذلك، كشف التقدم الضعيف والخسائر الفادحة في أوكرانيا عن عيوب عميقة داخل روسيا، فبالنسبة لأولئك الذين هددهم عدوان بوتين، أصبح ضعف ​​الجيش الروسي أمرا يبعث على الارتياح، ولكن لسوء الحظ، فإنه يترك أيضا للقوة المسلحة نوويا نقطة لإثباتها.

وحتى الآن، كان غزو أوكرانيا بمثابة كارثة للقوات المسلحة الروسية.. وقالت الحكومة البريطانية إن نحو 15 ألف جندي قتلوا خلال شهرين من القتال. وتم تدمير ما لا يقل عن 1600 مركبة مدرعة، إلى جانب عشرات الطائرات، وخسائر أسطول البحر الأسود. لقد كان الهجوم على العاصمة كييف فشلا فوضويا.

وكتب ليون تروتسكي أن “الجيش هو نسخة من المجتمع، ويعاني من جميع أمراضه، وعادة ما يكون في درجة أعلى من المرض”. فالقتال في شرق وجنوب أوكرانيا خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لن يحدد مسار الحرب فحسب، بل سيحدد أيضا مدى قدرة الجيش الروسي على إنقاذ سمعته.. وسمعة المجتمع الذي يجسده.

ويوضح تقريرنا هذا الأسبوع مدى فساد الجيش الروسي، فميزانية الدفاع الروسية التي تزيد عن 250 مليار دولار؛ وفقًا لحساب القوة الشرائية، والتي تبلغ حوالي ثلاثة أضعاف ميزانية بريطانيا أو فرنسا، الكثير منها يُبدد أو يُسرق، غير أن بوتين وكبار قادته يحتفظون بخطط الغزو الخاصة بهم بمنأى عن كبار الضباط، ما يعكس نقصًا شديدًا في الثقة. ولقد فشلت روسيا في السيطرة على الأجواء أو الجمع بين القوة الجوية بالدبابات والمدفعية والمشاة. فالكل غارق في الفساد، وغير قادرين على تبني مبادرة جديدة أو التعلم من أخطائهم، وتخلى جنرالات الجيش الروسي المحبطون عن العقيدة العسكرية المتقدمة وتراجعوا عن تدمير المدن وترويع المدنيين.

الجيش الروسي
قوات من الجيش الروسي

إن القوات الأوكرانية ذات الدوافع العالية هي تجسيد واضح لهذه الإخفاقات الروسية. فعلى الرغم من كونهم أقل عددًا وأقل تسليحًا، فقد قاوموا الجيش الغازي من خلال تمرير عملية صنع القرار إلى وحدات محلية صغيرة وقابلة للتكيف مع تقديم معلومات استخبارية حديثة. وحتى لو حققت الحملة الروسية، تحت قيادة قائد واحد، مكاسب في دونباس، فإنها ستفعل ذلك بشكل رئيسي بفضل كتلتها العددية الهائلة.

وبالنسبة لبوتين، هذه نكسة ساحقة.. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه على الرغم من أنه يتحكم في آلة دعاية هائلة للمساعدة في إغراق منتقديه، فإن فقدان ماء الوجه يهدد مكانته في وطنه. ويرجع ذلك في الغالب إلى أن استخدام القوة العسكرية يعد أمرًا محوريًا لاستراتيجيته لجعل روسيا ذات مكانة في العالم.

وقد تكون روسيا شاسعة، لكنها كيان سياسي متوسط ​​الحجم لا يزال يتوق إلى أن يصبح قوة عظمى. حيث يصنف سكانها في مستوى بين بنغلاديش والمكسيك، واقتصادها بين البرازيل وكوريا الجنوبية وحصتها من الصادرات العالمية بين تايوان وسويسرا. وعلى الرغم من أن روسيا تتمتع ببعض التعاطف في دول عدم الانحياز مثل جنوب إفريقيا والهند، إلا أن قوتها الناعمة تنحسر بشكل متسارع بسبب إظهار عدم الكفاءة والوحشية في أوكرانيا.

ولملء الفجوة بين قوتها وتطلعاتها -ولمقاومة ما يراه تعديًا لأمريكا- تحول بوتين مرارًا وتكرارًا إلى المجال الوحيد الذي لا يزال من الممكن لروسيا أن تدعي أنها من الطراز العالمي فيه، ألا وهو القوة العسكرية. حيث أنه في السنوات الـ 14 الماضية، غزا جورجيا وأوكرانيا (مرتين) وقاتل في سوريا. وقد نشر مرتزقته في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان والآن أوكرانيا. فالسيد بوتين هو متنمر عالمي مهووس بأوجه القصور في بلاده. قارن ذلك بالصين، التي لديها أيضًا طموحات، لكنها تمكنت حتى الآن من تحقيق نتائج باستخدام ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي المتزايد.

بوتين
بوتين

ويضعف الإذلال في أوكرانيا مطالب روسيا الأخيرة بوضعها كقوة عظمى. وقد تستمر الحرب، وأثناء حدوثها، لن تتمكن روسيا من شن عمليات كبيرة في مكان آخر. حيث يتم استخدام المعدات والذخيرة والقوى العاملة بسرعة. وقد تستغرق استعادة القوات الروسية بكامل قوتها وتدريبها لتجنب الأخطاء في أوكرانيا سنوات. وإذا استمرت العقوبات لأن بوتين لا يزال في السلطة، فستتطلب المهمة وقتًا أطول. فالصواريخ الروسية مليئة بالمكونات الغربية. وسوف يؤثر هروب الروس الموهوبين والمتطلعين إلى الخارج على الاقتصاد، وكلما قلت قدرة روسيا على إظهار قوتها العسكرية، قلت قدرتها على تعطيل بقية العالم.

وسيكون ذلك موضع ترحيب. ومع ذلك، فإن غزو أوكرانيا يحمل أيضًا دروسًا عصيبة. لسبب واحد، أنه يظهر أنه في السعي وراء هذه الاستراتيجية، فإن بوتين على استعداد للمخاطرة بالعديد من الآخرين -بما في ذلك العديد من الروس- وقد يؤدي ذلك إلى المزيد من التراجع في القوة الروسية وإلى المزيد من العدوان المتهور.

وتظهر أوكرانيا أيضًا أنه في الحروب المستقبلية إذا لم تتمكن القوات الروسية من الانتصار في ساحة المعركة، فسوف تلجأ إلى ارتكاب الفظائع. ويمكن أن يكون الجيش الروسي الأضعف أكثر وحشية. وبالنسبة لأولئك الذين يواجهون العدوان الروسي في جميع أنحاء العالم، فهذا يُعد احتمالا مروعا.

وفي النهاية، قد يقود الضعف روسيا إلى الحلقة الأخيرة حيث لا تزال تمتلك العديد من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية. ومنذ بداية هذه الحرب، لوح بوتين وحكومته مرارًا وتكرارًا بتهديد أسلحة الدمار الشامل. لكن على الرغم من ذلك فإن السيد بوتين عقلاني، من حيث أنه يريد لنظامه أن يستمر، وبالتالي فإن فرص استخدام هذه الأسلحة ربما تظل ضئيلة. لكن مع نفاد الخيارات التقليدية للقوات المسلحة الروسية، سيزداد بالتأكيد إغراء التصعيد.

الجيش الروسي في أوكرانيا
الجيش الروسي في أوكرانيا

والرسالة الموجهة إلى العالم الأوسع هي أن الانتهازية العسكرية لبوتين في أوكرانيا يجب أن يُنظر إليها على أنها فشلت من قبل ضباطه واستراتيجيه، والذين قد يخففون من خطته القوية التالية. حيث إن الجمود في دونباس من شأنه أن يؤدي فقط إلى المعركة التالية وقد تكون أكثر تهديدًا من اليوم.

ومع ذلك، حتى لو هُزم بوتين، فسيظل خطيراً. وتتمثل رسالة الناتو في أنه يحتاج إلى تحديث نظام دفاع قوي. ويعتمد هذا على فكرة أن المحاولة الروسية للتخلص من دول البلطيق، على سبيل المثال، قد تنجح في البداية، لكنها ستطلق حربًا أوسع نطاقًا سيفوز بها الناتو في النهاية. وينطوي هذا الدفاع على العديد من المخاطر وإذا كانت القوات الروسية التقليدية ضعيفة. فمن الأفضل أن يكون لديك قوة كبيرة تجد روسيا صعوبة في هزيمتها منذ البداية. وأفضل طريقة للبقاء في مأمن من السيد بوتين وجيشه الفاسد هي ردعه عن القتال على الإطلاق.

مصدر الترجمة

كريم سعد

مترجم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock