رؤى

قضايا إسلامية (1): القومية.. ودلالة مفهوم القوم

لأننا من الذين يؤمنون بالإسلام ويدركون دوره التاريخي والحضاري، ولأننا من الذين ينتمون للأمة العربية ويسعون إلى الوقوف على أسباب تعثرها وعوامل نهضتها.. كان لزامًا علينا أن نعير المسألة اهتمامًا خاصًا؛ إذ إن مسألة العلاقة بين الإسلام والقومية، تأتي ضمن أكثر الموضوعات الشائكة في إطار الفكر الإسلامي، طوال ما يزيد عن سبعة عقود، أي منذ أربعينات القرن العشرين الفائت، وحتى الآن.

فطوال هذه الفترة، كان ذلك الفكر قد اعتمد مقولة مؤداها.. إن القومية نوع من أنواع العصبية المفروضة في الإسلام، ودعوة القومية ما هي إلا شعار من تلك الشعارات الأفاكة التي بثها المستعمرون.

وفي اتجاه تبيان مدى الصحة والخطأ في هذه المقولة، ينبغي علينا أن نسلك طريقين أولهما: الاحتكام إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، لنرى إن كانت اللفظة تعني العصبية أو العنصرية، أم لا. وثانيهما: معرفة ما هو المصدر الأساسي الذي دفع هذه المقولة لتشكل ما يشبه القاعدة في فكر التيارات الإسلامية على مدى ثلاثة أرباع قرن ويزيد.

ملاحظات منهجية

بيد أنه وقبل أن نخطو أولى خطواتنا في الطريق الأول؛ فإننا نود أن نشير بداية إلى نقاط ثلاث:

النقطة الأولى، هي تلك المتعلقة بالتأكيد على أن القومية –من وجهة نظرنا– هي “وصف للعلاقة التي تجمع الناس في مجتمعهم القومي” (المجتمع القومي = الأمة).

النقطة الثانية، وهي تلك المتعلقة بالتأكيد على أن القومية لغةً هي لفظة محدثة، جاءت نتيجة للترجمة عن اللغة الإنجليزية؛ إذ تُرجمت كلمة “Nation” إلى “أمة” ولكن عند ترجمة كلمة “National” وُجِد أن المقابل العربي لها هو “أمي”. ولأن الأخيرة تشير في أهم مدلولاتها الشائعة إلى الجهل، فقد اشتقت كلمة قومي، من قوم، لتقابل كلمة “National”، كما اشتقت كلمة قومية لتقابل كلمة “Nationalism”.

النقطة الثالثة، وهي تلك المتعلقة بالتأكيد على أن نتيجة النقتطين السابقتين، إنما تتمثل في أن القومية تختلف في دلالتها عن العنصرية والعصبية، التي تشير إليها كلمات أخرى، مثل: عٍرقي وقٍبَلي.

وقد رأينا الرسول –صلى الله عليه وسلم– ينهي الناس عن مثل هذه العصبية العرقية والقبلية، قائلًا لهم: “ليس منا من دعا إلى العصبية، وليس منا من قاتل على العصبية، وليس منا من مات على العصبية” [أخرجه: أبو داود].. فلما سأله الصحابي واثلة بن الأسقع: يا رسول الله، ما العصبية؟ أجابه: “أن تعين قومك على الظلم” [أخرجه: أبو داود]. فإذا ما عاد الصحابي واثلة بن الأسقع؛ ليسأل: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ جاء جواب الرسول –صلوات الله وسلامه عليه– ليميز بين الولاء القومي القائم على معايير العدل، وذلك التعصب العرقي الذي يهدر تلك المعايير؛ فقال في جوابه: “لا.. ولكن العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم” [أخرجه: ابن ماجة والإمام أحمد].

معنى القــوم لسـانيًــا

وفي ما يبدو؛ فإن الدرس الذي لقّنه رسول الله لصحابته، ومن ثم ينبغي علينا أن نتعلمه، هو أن مبدأ المناصرة في العصبية يكمن فساده في الظلم؛ وهو ما يبدو بوضوح في تعريفه للعصبية بأنها المناصرة على الظلم. ولكن المبدأ ذاته –مناصرة القوم– إذا ما استعمل في نقيض الظلم، أو بالأحرى في الدفع إلى الكف عن الظلم، فلا غضاضة فيه؛ وهو ما يتضح بجلاء في قول رسول الله: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، فلما سأله الصحابة: “ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟” قال: “بأن تكفه عن ظلمه”.

المهم في المسألة إذن هو جوهر المبدأ أو الشعار، وليس شكله أو ظاهر لفظه.

ولأن ذلك كذلك، نجد أنفسنا في مواجهة ضرورة التعرف على أصل كلمة قوم التي اشتقت منها لفظة القومية، من حيث مفهومها ودلالتها اللغوية، وذلك كمقدمة في اتجاه محاولة التعرف على مفهومها ودلالتها في القرآن الكريم.

قبائل العرب قديما

القوم في اللسان العربي من قوم بمعنى القيام وهو نقيض الجلوس، ومعنى القيام العزم.. ويجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ…” [النساء: 34]).. والمقام: الموضع الذي تقوم فيه، كما في قوله سبحانه وتعالى “كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ • وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ” [الدخان: 25 – 26].. والمقامة: المجلس والجماعة من الناس.. والاستقامة: الاعتدال.

وقيل القامة: جماعة من الناس، وقامة الرجل أيضًا.. وقوام الأمر: نظامه وعماده.. والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم.. والقائم بالدين: المستمسك به القائم عليه.. وقَيِّم المرأة: زوجها لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج إليه.. وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته.. وروى عن أبي العباس: “النفر والقوم والرهط، هؤلاء معناهم الجمع”.. وقال ابن بري: “يقال قوم من الجن، وقوم من الملائكة” [ابن منظور: لسان العرب، مادة “قوم”].

في هذا السياق، يمكن تصور المعادلة الدلالية التالية:

  • القيام = حركة واستقامة.. فهي تكون في المكان.
  • المقام + الموضع + المجلس + النظام والعماد (قوام) + الثابت على الشيء (القائم) = القوم + القيمة = جمع كمي.
  • القيِّم والقوَّام = فعل الرجل + القيام = المحافظة والإصلاح والعزم = فعل الإنسان المحسوس (المادي)، مما يحتاج إلى مكان.

وهكذا، وعبر هذه المعادلة الدلالية [رفيق المعجم: منبر الحوار، عدد 26، ص ص 104 ـ 105] يمكن أن نخلص إلى القول بأن لفظ قوم، باسمه وتشعباته، يدور من خلال فكرة: “الكم والمكان والحركة التي في المكان”).. فهو إذن، مرتبط بالمتعين والمحسوس.

دلالة القــوم قـرآنيًــا

ثم إن القرآن الكريم أضاف تحديدات إلى مفهوم القوم. إذ إن هذه اللفظة وإن كانت قد جاءت في التنزيل الحكيم في (365) موضعًا.. فهي في الوقت نفسه قد استخدمت في مجالات عدة..

يقول الله عز وجل “وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” [البقرة: 164].. فالمفهوم قسمة ثنائية بين قوم يعقلون وقوم لا يعقلون. وهناك عشرات الآيات التي تتبع هذه القسمة، كقوله سبحانه “وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” [البقرة: 258] مما يقتضي وجود قوم غير ظالمين.. وقوله تعالى “وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” [البقرة: 264] مما يقتضي وجود قوم غير كافرين.

كما أن مفهوم القوم قد جاء في العديد من الآيات بمعنى الجماعة القائمة.. قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…” [الرعد: 11].. وقال سبحانه “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ…” [التوبة: 115].. وقال عز وجل: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات: 6].

أيضًا جاء مفهوم القوم في العديد من الآيات بمعنى الجماعة القائمة التي يُنسب النبي أو الملك إليها، أو تنسب إليه.. فقال سبحانه وتعالى “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ…” [المؤمنون: 23].. وقال سبحانه “أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ…” [إبراهيم: 9].. وقال تعالى “أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ…” [التوبة: 70].

من خلال هذه الآيات البينات وغيرها؛ يتبدى بوضوح أن مفهوم القوم ينبني على أساس جماعة من الناس، وواقع بشري وتاريخي حادث وقائم.

وهنا يمكن ملاحظة أن القوم يمكن أن يكونوا قبائل ويمكن أن يكونوا حضرًا، بحسب وصف الأقوام المشار إليها.. كما يمكن أيضًا ملاحظة أن القرية أو الحاضرة  –باعتبار أن مكة وصفت بأم القرى – تضم جماعات كما جاء في قوله سبحانه “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ” [يونس: 98] وهذا الوصف يجعل القوم بطونًا وعائلات، وتارة شعب مصر، وطورًا الملة الموسوية (ملة موسى عليه السلام).

أيضًا يمكن ملاحظة أن القوم لفظ يستعمل بمعنى الجماعة التي تقطن الحاضرة، وهذا يتوافق مع اقتران الدلالة مع المكان في اللسان العربي.. ويشير كذلك إلى رؤية في تشكيل الجماعة بعد ذوبان اجتماع سابق، فيمد النظر برؤية حراكية للقوم وللتشكيل المتجدد، لكن المرتبط بأثر الله وفعله.. والدليل قوله تعالى “وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ” [الأنبياء: 11].

وبعد.. فإن هذه الشواهد تجعل من مفهوم القوم مفهومًا للاجتماع متحركًا؛ وتؤكد على خلع صفة العصبية والعنصرية عن القومية بما هي وصف للعلاقة التي تجمع الناس في مجتمعهم القومي.

ومن ثم يصبح السؤال من أين جاءت مقولة “القومية نوع من أنواع العصبية المرفوضة في الإسلام”(؟!)… يتبع.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock