مختارات

الطريق إلى «جهنم» بين معسكر الحرب الأمريكي ومدرسة بطرس الأكبر

بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري

نقلًا عن جريدة عمان

حسين عبد الغني

 

 

 

 

لم أستطع أن أمنع نفسي من مقارنة سائق الحافلة المصري الذي أغرق ركابه في الشهر الماضي بقيادة الرئيس الأمريكي المتهورة للعالم

إذ قد لا يختلف حال العالم مع الرئيس الأمريكي بايدن كثيرا عن حال سائق حافلة في قرية مصرية الذي أغرق الشهر الماضي الركاب جميعا في النيل قيل لجشعه وطلبه أجرا غير مستحق وقيل لقيادته المتهورة باندفاع أحمق في السرعة فانقلب عند أول مطب واجهه.

ولكن بينما أودى جشع أو اندفاع السائق بحياة مجموعة محدودة من البشر فإن معسكر الحرب من صقور الديمقراطيين والمحافظين وخلفهما معسكر الأمن القومي والمجمع الصناعي العسكري يهددون حياة مليارات من البشر ويهددون معهم سلام وأمن العالم كله، إذ أن استمرار التصعيد الغربي والتصلب الروسي قد لا يتوقف عند الحرب الباردة الكونية الجديدة أو حرب الوكالة الأوكرانية ولكن قد يتطور حتى إلى حرب نووية تكتيكية أو شاملة.

وضع القيادة الذي يحتله السائق في الحافلة هو نفسه الذي يحتله بايدن في قيادة العالم، وبينما كان السائق يساوم الركاب أما الدفع وأما الموت فإن بايدن يساوم العالم أما بالقبول بهيمنة أمريكا المطلقة على العالم سياسيا وهيمنة الدولار علي العالم اقتصاديا، أو أن يخاطر هذا العالم وسكانه بالموت في مجاعات غذائية أو مالية أو هجرات بائسة لعشرات الملايين من اللاجئين.

استخراج حافلة المنيا
استخراج حافلة المنيا

لماذا تصح المقارنة؟؟:

أولا: في جذور إشعال الأزمة: لأن الولايات المتحدة هي المسؤولة الأولى عن قرار بوتين -المشكوك في صحته- بالهجوم العسكري على أوكرانيا قبل أكثر من ثلاثة أشهر إذ جوري استدراج الرئيس الروسي إلى شرك منصوب سار إليه بوتين مفتوح العينين وليس معصوب العينين باعتقاد أن واشنطن دفعته إلى الحائط عندما لوحت بخيار قبول أوكرانيا حديقة موسكو الخلفية عضوا في الناتو أي وضع روسيا بأكملها تحت رحمة صواريخ الناتو من بولنداورومانيا إلى أوكرانيا ودول البلطيق بعبارة أخرى باتت المسألة بالنسبة لبوتين والنخبة الاستراتيجية الروسية- وأغلبية الشعب الروسي مسألة حياة أو موت ومسألة وجود وكرامة الأمة والأراضي الروسية. أي أن واشنطن لم تترك له له خيارًا آخر.

وتسعى الخطة الأمريكية لتحقيق هدف رئيسي ألا وهو إضعاف أو على الأصح تركيع روسيا اقتصاديا بالعقوبات ونفقات الحرب الباهظة، وعسكريا وسياسيا باستنزاف الجيش الروسي وهزيمته وهزيمة روسيا هزيمة مذلة.

كما تسعى الخطة إلى هدف فرعي وإن كان بالغ الأهمية وهو الإبقاء على الدولار كعملة رئيسية للتجارة العالمية أي إبقاء هيمنة واشنطن على النظام المالي والتجاري الدولي وإبقاء مؤسساته كأدوات غير صريحة -ولكن فاعلة للسياسة الخارجية الأمريكية.

بوتين
بوتين

ثانيا: في مخالفة معسكر الحرب المسيطر على إدارة بايدن وأغلبية الكونجرس لقاعدة استراتيجية ثابتة للولايات المتحدة ألا وهي عدم خوض صراعين كبيرين في وقت واحد ففي الأزمة الأوكرانية تحرش الناتو بقيادة بايدن بالروس حتى انفجروا حربا في أوكرانيا والأوكرانيين، وفي الوقت نفسه يتحرش بايدن بالصين في سلسلة استفزازات غير مسبوقة وصلت إلى «كهربة» العصب الحساس للكرامة الصينية المتمثل في تبعية تايوان للصين وهو مبدأ مقر في العلاقات الدولية منذ السبعينات «وحدة الأراضي الصينية» بإعلان بايدن أن واشنطن ستقاتل الصين عسكريا في حالة تدخلها في تايوان.

صعّدت واشنطن وحلفاؤها أيضا نشاطاتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي وعمّقت تسابقها الخطر مع بكين على عقد معاهدات ذات طابع حربي وتمركز قواعد وقوات عسكرية مع جزر المحيط الهادئ الاستراتيجية بل وأعادت مع الاتحاد الأوروبي إحياء قضية الأيجور المسلمين الذين ترتفع درجة حرارة قضيتهم وتنخفض في الصحافة والسياسة الغربية تبعًا لمستوى الضغط المطلوب في مرحلة ما على بكين وليس لأنها قضية حقوق إنسان.

يحذر هنري كيسنجر أهم منظر استراتيجي وخبير سلطة في التاريخ الأمريكي المعاصر الإدارة الإمريكية (ضمنيا) من هذا الاندفاع الاستراتيجي المتهور عندما يلمح إلى أنه يزيد روسيا والصين تقاربا بينما المنطق الأصح بالنسبة لأمريكا هو أن لا تفترض أبدًا أن مصالح بكين وموسكو متطابقة وأن عليها أن تعمل علي المباعدة بين مصالحهما أي أن تفعل بالضبط ما فعله من إنجاز استراتيجي بدبلوماسية البينج بونج عندما زاد الشرخ الصيني/ الروسي في السبعينيات اتساعا بل وجعله فالقا جيولوجيا هائلا فاضعف الاتحاد السوفييتي خصم واشنطن الرئيس وقتها.

هنري كيسنجر
هنري كيسنجر

رفض نصائح مدرسة الواقعية الأمريكية:

لم تستفد سياسة دولة من التطور الذي لحق بعلم السياسة والعلاقات الدولية منذ خمسينيات القرن الماضي مثلما استفادت الولايات المتحدة ولما لا فعلم السياسة الحديث هو علم أمريكي بالأساس. وقد اعتمد هذا التطور باختصار علي الخروج من مدرسة الأفكار المثالية الموروثة من الحضارة اليونانية والخروج من مدرسة القانون الشكلية إلى مدارس السلوكية والتجريب والاستفادة من مناهج بحث العلوم الطبيعية في دراسة الظواهر السياسية.

وكان من نتاج ذلك ظهور المنظرين الواقعيين للسياسة الإمبريالية الأمريكية من أول جورج كينان مرورا بكيسنجر وبريجنسكي الخ. هذه المدرسة الواقعية غير الأيديولوجية كانت سببا من أسباب فوز أمريكا في المواجهة التاريخية مع الاتحاد السوفييتي وبالتالي سبب لاستمرار هيمنة أمريكا الفعلية علي النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتي الآن، أي لمدة تزيد عن 75 سنة في إطار هيمنة غربية على العالم تزيد عن أكثر من 3 قرون طويلة.

فبماذا نصحت بايدن وإداراته هذه المدرسة في التعامل مع الحرب الأوكرانية ممثلة في الثعلب العجوز كيسنجر أو أحد أبرز العقول السياسية الأمريكية في العقود الثلاثة الأخيرة توماس فريدمان؟؟ باختصار نصحته بقبول حقائق الجغرافيا السياسية ألا وهي أن أوكرانيا مدججة عسكريا وتابعة للناتو هي وصفة دمار لأوكرانيا وأوروبا وللاقتصاد العالمي وخطر بتحويل القارة الأوروبية وربما ما أبعد منها إلى ساحة حرب مفتوحة طويلة الأمد. وأن الحل الأمثل هو أوكرانيا محايدة لا تابعة للناتو ولا تابعة لروسيا مع القبول بما اسماه فريدمان [الحلول الوسط القذرة] أي القبول بوضع خاص لشرق أوكرانيا ذي الأغلبية الروسية وتبعية جزيرة القرم لروسيا.

دمار حرب أوكرانيا
حرب أوكرانيا

إن محاولة إنهاء ما أسماه كيسنجر دور روسيا التاريخي في توازن أوروبا في القرون الثلاثة السابقة هو أمر غير منطقي مثله مثل تصور أن هناك حربا معاصرة يمكن أن تنتهي بنهاية صفرية حاسمة يهزم ويذل فيه الروس إذلال كاملا وهو أمر حذر منه أيضًا الريسي الفرنسي ماكرون الذي رغم انضمامه إلى حملة العقوبات والاقتصادية على روسيا والدعم العسكري لكييف فإنه مثله مثل كيسنجر فريدمان يقرون التاريخ ووقائع الحاضر الجيوسياسي أفضل بكثير من معسكر بايدن / جونسون الان-او ساكسوني. لقد سخر معسكر الحرب من أهم منظريه كيسنجر وفريدمان واتهموهما بأنهما يكرران غلطة تشامبرلين مع هتلر وأنهما أصبحا خارج الزمن.

تغيير أوروبا التاريخية التي استطاعت أن تنعم بسلم جزئي في الـ75 عاما الأخيرة، إذ كان توازن الردع النووي أحد الأسباب الكبرى في منح أوروبا سلاما جعلها قلقة الأمن بعد أن كانت قارة الحروب وتم نقل الصراعات بالوكالة بين موسكو وواشنطن فترة الحرب الباردة إلى مناطق العالم الثالث فإن أوضاع الحياد التاريخية خاصة وضع السويد وفنلندا (بعد تجارب الحروب المريرة بينهما وبين الدولة الروسية في فترات تاريخية مختلفة) وبالطبع النمسا وسويسرا بدرجة أقل كان عنصرا داعما في تثبيت سلام القارة العجوز. لعل أبرزها الأدوار التي لعبتها السويد وفنلندا ودول اسكندنافيا عموما في عمليات الوفاق الدولية [ كارتر./ بريجنيف ] ثم في ترتيبات الأمن والسلم الأوروبية (معاهدات هلسنكي ٩ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي 1991) والتي نقضها الغرب بتوسيعه نطاق حلف الناتو وإحاطة روسيا به إحاطة السوار بالمعصم بدلا من إلغائه كما كان متوقعًا إذا انتفت الحاجة إليه بعد سقوط حلف وارسو.

الآن يشجع معسكر الحرب الأمريكي فنلندا والسويد على الانضمام للناتو وإنهاء حياد استمر بعضه إلى 300عام نعمت فيه أوروبا بازدهار وتقدم اقتصادي غير مسبوق فيما صدرت حروب الصراع على الموارد والأسواق إلى ألفي إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

إلغاء صيغة أوروبا التاريخية التي حفظها حياد دول أساسية ليخطوا التماس والمواجهة مع روسيا سيقود لخلل استراتيجي كبير ويوجد مصادر توتر عسكري كبيرة ويفتح شهية النخبة القومية الروسية إلى استعادة تقاليد بطرس الأكبر وشهيته للفتح والتوسع. وبين معسكر الحرب الأمريكي ودولته العميقة وانتقال بوتين لمحاكاة بطرس الأكبر كفاتح روسي فإن العالم يشهد وسيشهد أسوأ أيامه وأحلك لياليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock