ثقافة

أبو منصور الثعالبي.. فقيه اللغة وجاحظ عصره

هو أبو منصور عبد الله بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، لم تزد كتب التراجم في نسبه على هذا. ولد عام 350ه، وكان مولده ونسبه في نيسابور. سكتت كتب الطبقات والتراجم عن كثير مما يتعلق بهذه الشخصية الفذة، فلم تروِ لنا شيئا عن نشأة هذا العالم الجليل، ولا عن أسرته وحياته، والمصادر التي استقى منه معارفه وآدابه، وما صادف من أحداث وأحوال، وما عسي أن يكون تقلده من وظائف وأعمال، كما صمتت أو كادت عن شيوخه وتلاميذه، وصلاته بالسلاطين والملوك والأمراء والوزراء والعلماء، فحياته تكاد تكون مجهولة أو شبه مجهولة، وكل ما يعرف عنه، أنه صاحب التصانيف الكثيرة التي بعثر الزمن بعضها، وانتهى إلينا منها جملة رائعة تشير إلى صاحبها ومكانته في العلم واللغة والأدب. ويظهر أن الثعالبي كان من أسرة متواضعة تعمل في خياطة جلود الثعالب، ولذا لُقِّبَ بالثعالبي نسبة إلى هذه الصناعة. عمل الثعالبي أيضا مؤدبا للصبيان في الكتاتيب، وقد ترقى بما وهبه الله من عقلية واعية وذكاء بارع إلى مرتبة رفيعة؛ فأصبح كما قيل إمام وقته وجاحظ عصره، وسار في ركاب الملوك والسلاطين والرؤساء وأعيان العصر. وقد أصاب من وراء ذلك خيرا كثيرا؛ فعاش في نعمة عريضة وثراء واسع، وأصبح من ملاك الضياع والرقيق.. فقد ذكر في كتابه “فقه اللغة” أنه استأذن الأمير أبا الفضل الميكالي صديقه في الخروج إلى ضيعة له؛ ليخلوا إلى تأليف كتابه المذكور. أيضا نذكر في هذا السياق أن كتب الطبقات والتراجم لم تشر إلى شيوخ أبي منصور الثعالبي الذين كان لهم الفضل في صنع هذه العبقرية، والتي كان لها أياد بيضاء على اللغة والأدب.

منزلته العلمية 

لأبي منصور الثعالبي منزلة ومكانة رفيعة عالية تشهد له كتبه، فقد برع في الأدب واللغة ونال حظوة عند ملوك وأمراء عصره، وقد اعترف بفضله القدماء والمحدثون، وهذا أبو إسحاق الحصري القيرواني صاحب كتاب “زهرة الآداب” يقول “أبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا، وهو فريد دهره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم والأدب تشهد له بأعلى المراتب. ووصفه تلميذه أبو الحسن الباخرزي بأنه جاحظ نيسابور وزبدة الأحقاب والدهور، لم تر العيون مثله، ولا أنكرت العيون فضله. ولقد شغل بتدوين الفنون الأدبية واللغوية، فقدّم لأهل عصره ولقراء اللغة العربية في مختلف الممالك وعلى اختلاف الأجيال غذاء قويا للعقول والمشاعر، ووضع أمام قرائه صورا مختلفة للقرائح والعبقريات التي عرفها بنفسه، أو سمع بأخبارها أو قرأ آثارها، حتى يمكن القول بأن القرن الرابع كان يمحى أو يكاد لولا هذا الحافظ الأمين.

أبو منصور الثعالبي

ولقد ترك لنا الثعالبي مؤلفات كثيرة أشهرها كتاب “يتيمة الدهر” وكتاب “فقه اللغة وسر العربية”. وهذه الكتب تدل على علو كعبه في ميدان اللغة والأدب وترقى به إلى أعلى المراتب. فقد كان عبقرية فذة وعقلية نادرة، صاغت الظرائف واللطائف في عرض شائق وأسلوب راق، وقد نال إنتاجه الأدبي واللغوي إعجاب قراء العربية على تعاقب الأجيال. فكتبه جذابة مقنعة تشدك إليها شدا، وتأسرك أسرا، وهي وإن كانت كثيرة العدد إلا أن بعضها رسائل صغيرة ذات أوراق قليلة، ولكنها ثقيلة الوزن كثيرة الفائدة. وقد ظهر أنه كان بعيد النظر في بعض الكتب التي أخرجها، فهذّب فيها ونقّحها، ورتّب وأضاف ونظّم، وجدّد؛ لكي تخرج مرة أخرى في ثوب قشيب له رونقه وبهاؤه. ما يدل على تطلعه إلى الجودة كما فعل في كتابه “يتيمة الدهر” وغيره.

نثره

له نثر رائق.. منه قوله من أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب، على أفضل العجم والعرب. أيضا قوله من أحب العربية عُنِيَ بها وثابر عليها وصرف همّه إليها، ومن هداه الله للإسلام شرح صدره للإيمان وأتاه حسن سريرة فيه. اعتقدَ أن محمدا خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، وهي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار.

نظرات في أشهر كتبه:

1- “يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر” جمع فيه أبو منصور الثعالبي قدرا كبيرا من نتائج قرائح الشعراء والأدباء الذين عاصروه أو سبقوه، وهو من أكبر كتبه وأحسنها. ويعتبر هذا الكتاب أكثر مؤلفات الثعالبي شهرة وتداولا، ذلك لأنه يقدم فيه ترجمة وافية لكثير من الشعراء الذين عاصروه أو ممن سبق زمنه. وقد جمع الثعالبي في ترجمته كل جماعة من الشعراء وذلك تبعا لبلدهم أو إقليمهم، ومثال ذلك ما فعله بشعراء الشام، وشعراء مصر من حيث الإقليم، وبشعراء دولة بني حمدان وسيف الدولة الحمداني في حلب. وقد ظهرت فكرة الكتاب لدى أبي منصور في فترة مبكرة من الزمن، وذلك بعد أن اشتد عوده وقوي مراسه، ليتمم في كهولته ما استهله في شبابه. وقد قسمه الثعالبي إلى أربعة أقسام ثم اتبعه بعد فترة بقسم خامس. ويقول الثعالبي من هدفه من إنشاء هذا الكتاب “ولما كان الشعر محمدة الأدب، وعلم العرب الذي اختصوا به دون سائر الأمم، وبلسانهم جاء كتاب الله المنزل فيهم على النبي المرسل صلوات الله وسلامه عليه، كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المخضرمين، ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن وأنظم اللطائف والبدائع.

2-الكتاب الثاني الأشهر من مؤلفات الثعالبي هو “فقه اللغة وسر العربية” هذا الكتاب يهتم بظواهر اللغة وتعريفاتها وتعليلاتها، ويبدأ بمقدمة عن فضل اللغة العربية وسبب تأليف الكتاب. ثم يبدأ الكتاب ببحث الموضوعات والكلمات التي تعبر عنها، وكل كلمة ومعناها الدقيق. والجزء الثاني من الكتاب هو أصغر من الجزء الأول، ويتكلم فيه عن أساليب اللغة بإيجاز، ويورد التعريف ثم شاهد عليه. ويرى الثعالبي أن مفتاح تحديد هذا المصطلح هو الجذر اللغوي، ويمثل هذا الكتاب أهمية خاصة لكونه واحدا من كتب قليلة عالجت الشأن اللغوي الدقيق، ونفذ من خلاله الثعالبي إلى لباب اللغة ولطائفها من غير تعقيد. فالكتاب يمثّل معجما موضوعيا مفيدا جدا، يثري لغة المصطلح.

صفوة القول:

يمثل الثعالبي علامة فارقة في تاريخ اللغة والأدب بما قدمه من مؤلفات كبيرة في هذا المجال، فهو بحق فقيه اللغة البارع الذي لا يشق له غبار، وقد ترك بصمات واضحة على كل من جاء بعده، مازالت كتبه تمثل أثرا بالغا في مجال اللغة والأدب استفاد منه القاصي والداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock