ثقافة

هل الرواية العربية الرائجة عديمة القيمة بالضرورة؟

ماذا يقرأ الشباب اليوم؟ وهل مازالت روايات مرحلة التطور والعنفوان في زمن الراوية العربية مثل أعمال يحيى حقي ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وجيل الستينات تجد صداها أم أن هناك أدباء أخرين وروايات أخرى تتسيد المشهد وتحتل قائمة الأكثر قراءة وتوزيعا؟

في كتابه “الرواية العربية الرائجة.. متابعة نقدية” والذي فاز مؤخرا بجائزة الدولة التشجيعية في الدراسات النقدية يسعى الدكتور شريف حتيتة الصافي؛ جاهدا للإجابة على هذا السؤال، كاشفا عن أن أحاديثه مع طلابه بالجامعة كانت النقطة التي انطلق منها في رحلته حتى خرج هذا الكتاب إلى النور.

يصل الدكتور حتيتة إلى نتيجة هامة حرص على أن يصدر بها كتابه “في بداية رحلتي للتعرف على عالم هذه الروايات، اعترف أنني كنت متوجسا، فلم تمثل هذه الأعمال للوهلة الأولى النموذج، الذي يقدم رواية ناضجة، يمكن أن أعثر فيها على ملامح فنية وموضوعية، تستحق العناية أو تكافئ تطلعاتي الجمالية، فيما اقرأ وأتابع.. غير أن ما استقر في يقيني، أنني أمام ظاهرة كتابية جديرة بالفحص والعناية –ولو من باب الفضول– حتى أتعرف على أسرارها الفنية وأبعاد ظهورها، ومن هنا بدأت رحلة متابعتي لهذه الظاهرة في التلقي النقدي، فلم أجد ما يكافئ حضورها، فكتبت بحثي الأول عنها، وعنونت له “سلطوية المتلقي: قراءة نقدية في نصوص من  الرواية المصرية الرائجة في عام 2016”.

الرواية العربية الرائجة.. متابعة نقدية

يعترف حتيتة في كتابه، أن ظاهرة النصوص الأدبية الرائجة؛ شغلت الكثير من المتابعين لمراحل تطور الرواية العربية بشكل كبير؛ خاصة خلال السنوات الأخيرة؛ ويضيف أن بعض الأعمال الرائجة مثّلت لغزا محيرا للناقد العربي.

ويشير إلى أن الأوساط الأدبية الغربية، شهدت هذه الظاهرة منذ فترة طويلة، حيث عرفت مثل هذا النوع من الكتابة ممثلا في الروايات التاريخية للسير وولتر سكوت في القرن التاسع عشر، وروايات تشارلز ديكنز الشعبية الساخرة، وفي العصر الحديث أيضا مثل روايات “هاري بوتر” ورواية دان براون “شفرة دافنشي” وفي فترة لاحقة، أصبحت دور النشر الغربية تميز الروايات التي تلقى رواجا بين القراء بالأغلفة الفخمة.

الناشرون ليسوا بعيدا أبدا، عن تشكيل قائمة الأعمال الأكثر رواجا؛ ففي تحقيق استقصائي شهير أجراه الصحفي الأمريكي شيرا بوس؛ وحمل عنوان “أسرار صنع النص الرائج” كشف عن عدد من الطرق والحيل في سبيل صناعة النص الرائج، وفي أمريكا ما يعرف بـ “الوكالات الأدبية” والتي تهدف إلى مساعدة الكتاب الجدد والمغمورين، والترويج لأعمالهم وفق عددٍ من الأساليب التسويقية.

يذهب الدكتور حتيتة إلى أن ظاهرة النص الرائج في الرواية العربية – بدأت مع رواية “ذاكرة الجسد” للروائية الجزائرية “أحلام مستغانمي” في عام 1993، حيث عرف الحقل الأدبي العربي ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعا والرواية الأكثر رواجا، بالتزامن مع تكاثر الجوائز الأدبية.

ذاكرة الجسد

المستشرق السويدي “تيتز روكي” يؤكد أن ظاهرة الأكثر مبيعا ظهرت في الغرب في سياق تجاري خالص، وذلك منذ عام 1895، مع مجلة بوك مان التي كانت أول من أطلق قائمة بالأكثر مبيعا؛ لكنه يري أن الرواية العربية إن لم تعرف هذه الظاهرة في صورتها الغربية الاحترافية إلا في فترة متأخرة؛ فإنها عرفت ظاهرة الرواية الرائجة منذ فترة مبكرة، وذلك وفقا لمفهوم الجماهيرية الواسعة، فكتّاب مثل: جورجى زيدان وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي كتبوا روايات رومانسية طبعت بأعداد ضخمة، وحققت مقروئية واسعة، كما أن هناك روايات ذات جودة أدبية مثل الأيام  لطه حسين؛ وصلت إلى قائمة الأكثر مبيعا، وكذلك ثلاثية نجيب محفوظ.. وربما أعمال أخرى.

ويشدد “روكي” على صعوبة الحصول على معلومات حول سوق النشر في العالم العربي، وهو يرى أن أهم الأسباب التي دفعت بعدد من الروايات العربية إلى قائمة الأكثر مبيعا؛ هي الإثارة والجدل  والجاذبية ومخاطبة فئة واسعة وما وصفه بـ “التوافر المادي” للرواية.

وهناك من كبار النقاد الكبار مثل الراحل جابر عصفور، من لم ينفِ عن الرواية الرائجة قيمتها الفنية رغم أهدافها التجارية الواضحة، حيث قال في أحد أبحاثه “لا يمكن لمثقف عاقل أن لا يعرف أن كل الروايات ليست عديمة القيمة بالضرورة، وأن هناك روايات رفيعة القيمة يمكن أن تكون رائجة، تتسع شرائح قرائها”.

بشكل عام.. فإن التقييمات للأعمال الروائية الرائجة؛ ليست دقيقة ولا تستند إلى مرجعية واضحة، ويأخذ الحديث حولها دائما طابعا جدليا، وبحسب الدكتور حتيته؛ فإن الضلع الرئيس في عملية الإبداع؛ هو المتلقي بعد أن صار متحكما في عملية إنتاج الأدب، ليس في العالم العربي فحسب وإنما في العالم كله.

جابر عصفور
جابر عصفور

ويعترف في كتابه الفائز بجائزة الدولة التشجيعية، أن رحلة التلقي النقدي للظاهرة، يُعبّر عن استجابة نقدية متأخرة، وأن المبادرة لرصدها جاءت من قبل اثنين من المستشرقين، وفضلا عن هذا التأخر؛ فإن ثمة محدودية كمية لهذه الاستجابة، لا تتناسب بأي حال مع الحضور القوي للظاهرة.

ويقول “عملية تحديد قوائم الأكثر مبيعا عملية معقدة، وإجراءاتها غير معيارية، فالطريقة التي تسلكها مؤسسة معنية، بالأمر في سبيل جمع معلومات عن المبيعات، ليست هي نفسها التي تتبعها أخرى، حيث لا توجد قائمة “بيست سيلر” تعتمد بالكامل على أرقام مبيعات حقيقة من جميع منافذ بيع الكتب، ولهذه الأسباب فإن مصطلح الأكثر مبيعا أصبح سيئ السمعة؛ لذا أصبح الحديث يدور أكثر عن الرواية العربية الأكثر رواجا، وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور حتيتة على قاعدة هامة “الملابسات التي صاحبت ظهور كثير من الأعمال الروائية التي راجت؛ تؤكد أننا أمام نصوص لم تكن بحال؛ مجرد صدى لسياقات الإنتاج، ولم تكن أثرا تابعا له فحسب، وإنما هي نصوص قادرة على خلق السياق، وصناعة الحالة وإعادة تشكيل الوعي في المجتمعات التي ظهرت فيها.

من هذا الباب كان أدب نجيب محفوظ –على سبيل المثال– فلاشك أنه كان نموذجا للكاتب المقتحم الذي تناولت رواياته قضايا جريئة بمقاييس عصرها.

في كتابه يقول الدكتور حتيته، أنه اختار عدة نماذج للرواية العربية الرائجة هي “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي ممثلة للمغرب العربي، ورواية “القوقعة” لمصطفى خليفة ممثلة للشام، أما رواية “أحببتك أكثر مما ينبغي” لأثير الشام، فجاءت ممثلة للخليج، بينما جاءت الرواية الرابعة “موسم صيد الغزلان” لأحمد مراد ممثلة لمصر.

ويضيف “إن العلاقة بين اللغة والرواج تبدو منطقية؛ فاللغة هي وعاء الأفكار والمضامين وبها تنتقل الرسائل بين المبدع والمتلقي، وأي تفكير في تحقيق رواج لأى نص مكتوب؛ لابد أن تكون اللغة هي أول وسيلة يمكن الاعتماد عليها في سبيل ذلك”.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ويشير إلى أن المؤثرات الجوهرية في الأمر، هي الإثارة والجدل والجاذبية ومخاطبة فئة واسعة، ويضاف إلى هذا كله اللغة التي تصنع الإثارة وتثير الجدل، وهى أيضا التي تستطيع مخاطبة فئات واسعة ومتنوعة من الجماهير، كما أن بعض هذه الأعمال مثل “ذاكرة الجسد” اعتمدت على اللغة الشعرية في الكتابة والنبرة النسوية في السرد، وكلاهما جعل العمل يجتذب شرائح كبيرة من القراء.

الخلاصة.. أن الرواية العربية الرائجة، ظاهرة يشارك في صناعتها العديد من العوامل، وأنها يجب أن تكون محل اهتمام أكبر من النقاد، خلال الفترة القادمة وألا يتم التعامل معها باستعلاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock