مختارات

إشارات لافتة إلى أن بايدن قد يغير سياسته تجاه حلفائه العرب؟؟

بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري

نقلًا عن صحيفة عُمان

حسين عبد الغني

 

 

 

قد يقول البعض إنه من المبكر التنبؤ بحدوث تحول جوهري في المجري المتوتر الذي سارت فيه مياه علاقات بايدن مع حلفائه العرب خلال العامين الأولين من إدارته وهذا صحيح نسبيا.

إذ أن التشاؤم بإمكانية حدوث ذلك يفترض نظريا أن يكون المرجح بالنظر إلى حالة التوتر والتلاسن ورد الصاع صاعين غير المسبوقة التي شهدتها هذه العلاقات بين بداية حكمه في يناير 2020 وإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2022 الجاري.

الأمر وصل إلى امتناع حلفاء واشنطن عن الانحياز إلى واشنطن في الحرب الروسية الأوكرانية أو في طلب زيادة الإنتاج لحل أزمة الطاقة العالمية التي تخنق اقتصاد أوروبا. هذا التأييد التلقائي المضمون في الجيب الذي لطالما حصلت عليه معظم، إن لم يكن كل، الإدارات الأميركية السابقة بدون أي مجهود من العالم العربي تجاه الصراعات الإقليمية والدولية على مدى النصف قرن الأخير.

المسار المحتقن بين إدارة بايدن وإدارة اثنين من أكبر الحلفاء الإقليميين لواشنطن الأولى وهي السعودية (منذ 80 سنة) والثانية وهي مصر (منذ 50 سنة حين وضع الرئيس السادات كل أوراق اللعبة في الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة وكيسنجر طاردا موسكو تقريبا خارج المنطقة بأسرها) يمكن إدراكه بسهولة بمقارنة- بسيطة بين التوتر والتباعد مع كليهما في عهده والانفراج والدعم اللذين حصلت الرياض والقاهرة عليه في عهد الإدارة الجمهورية السابقة لدونالد ترامب.

علاقة تعاون وصلت مع الأولى لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران خصمها الإقليمي الرئيسي الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما ووصلت إلى التعامل الأمريكي معها باعتبارها قيادة العالم العربي في هذه المرحلة (القمة العربية والإسلامية بين ترامب وقادة دول عربية ومسلمة التي اختيرت الرياض مكانا لها) ووصلت مع الثانية أي القاهرة إلى دعم الإدارة المصرية علنيا في أكبر تحد يواجه أمنها القومي وهو تحدي سد النهضة الإثيوبي الذي يتهدد وجودها الحياتي نفسه باحتمالات انقاص حصتها التاريخية من مياه النيل

سد النهضة

انتقاما مما بدا في نظر الديمقراطيين انحيازا معنويا من الرياض والقاهرة للجمهوريين في انتخابات ترامب/ بايدن التي فاز بها الأخير ركز بايدن منذ بداية عهده على انتقادات سجل حقوق الإنسان في القاهرة والرياض وظهرت عبارات من قبل إدارته بدت مخالفة نسبيا للأعراف الدبلوماسية بين قادة الدول. وترددت عبارات من بايدن ومسؤولي إدارته من نوع أنه ليس هناك شيك على بياض لأحد أو أنه سيتم عزل أشخاص أو حكومات بعينها دوليا. وهو ما اعتبرته مصادر عربية “سياسة متعجرفة ومتكبرة” تنال علنا من رموزها وكبريائها.

وفي الحقيقة فإن زيارته للمنطقة في يونيو الماضي والتي عقدت بالرياض أيضا والتي كانت تأمل الدولة الأمريكية العميقة ومؤسسة الأمن القومي أن تخفف الاحتقان وتحلحل العلاقات أخفقت تماما خاصة بسبب نجاح الإعلام الغربي في استفزاز بايدن وتذكيره بتعهداته الانتخابية ما دفعه لتكرار مواقفه العلنية تجاه بعض حكومات وقادة المنطقة من الحلفاء فزاد طين الاحتقان بلة.

وزادت المساجلات التي وصلت بعد قرار “أوبك بلس” خفض إنتاج النفط إلى حروب كلامية متبادلة وصلت إلى حد تكهن البعض بانفصام عرى التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وحلفائها.

ما الذي تغير؟

الذي تغير هو الثقة السياسية الكبيرة وغير المتوقعة التي حصل عليها بايدن شخصيا والحزب الديمقراطي في أنفسهم بعد ظهور نتائج التجديد النصفي إذ أخفقت استطلاعات الرأي التي كانت تنذر الحزب بهزيمة ساحقة وموجة جمهورية حمراء تكتسح الكونجرس بمجلسيه في الانتخابات التي جرت هذا الشهر وتجعل من بايدن بطة عرجاء أي رئيس بلا سلطة فعلية في مواجهة كونجرس يسيطر عليه الجمهوريون خاصة اتباع ترامب الشعوبيون. علي خلاف ذلك حقق الديمقراطيون نتائج أفضل بكثير مما كان متوقعا وتلقي الحزب الجمهوري وجناح ومرشحي ترامب خصوصا تلقوا خسائر غير متوقعة.

الانتخابات الامريكية
الانتخابات الامريكية

هذه الثقة أعطت انطباعا سياسيا لدى بايدن وحزبه أن خسارة الانتخابات الرئاسية القادمة بسبب التضخم غير المسبوق في الولايات المتحدة ليست بالضرورة محتومة وإن إمكانية إعادة انتخاب بايدن لفترة ثانية أو استمرار ديمقراطي آخر في البيت الأبيض في انتخابات 2024 مازال قائما وليس معدوم الأمل. هذه الثقة هي التي تفسر ثلاث لفتات وإشارات كبري لكسر الجليد بين كل من واشنطن والقاهرة بادرت بها إدارة بايدن في العشرة أيام الأخيرة تكاد تنتقل به من مساحة النقد لحكومات هؤلاء الحلفاء إلى مساحة استرضاء هم وإعادة الدفء للعلاقات التي تجمدت أطرافها من البرد عامين كاملين يمكن ادراجها تحت ما يسميه الغربيون ال charm offensive أو حملة للحصول على قبول طرف في ضوء سلوك ودي جديد من الطرف الآخر.

الإشارة الأولى وجهت للقاهرة وتلخصت في:

1- هذا الحضور الكثيف غير المسبوق على أعلى مستوي للحزب الديمقراطي لمؤتمر cop-27 في شرم الشيخ بحضور الرئيس بايدن ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ووزير الخارجية بلينكن وغيرهم.

2- في اتصاف هذا الحضور بسلوك ودي تجاه الإدارة المصرية سواء من بيلوسي التي تعاملت مع الرئيس المصري كصديق قديم مقرب وليس كهدف دائم لها للنقد في المجال الحقوقي وهو سلوك رفعه الرئيس بايدن إلي مستويات أعلى عندما تحدث عن مصر باعتبارها أم الحضارة الإنسانية “أم الدنيا” حسب التعبير المصري والعربي الشائع. وعندما تحدث عن علاقة التحالف الاستراتيجي في مرور 80 عاما على العلاقات الدبلوماسية وأن دور مصر الإقليمي محوري مركزا على وجه الخصوص على دور القاهرة في المساعدة على الحفاظ على الهدوء في قطاع غزة. الإشارات كانت معاكسة لحالة العلاقات بين البلدين في ظل هذه الإدارة في العامين الأخيرين لدرجة عقدت فيها المفاجأة ألسنة الكثيرين. وقد أعطى ذلك إشارة لا يمكن التشكيك فيها أن تردد واشنطن في الشهور الماضية في دعم القاهرة في أزمتها الاقتصادية الراهنة بسبب حرب أوكرانيا ونقص العملة الأجنبية قد انتهى وأنها ستلعب دورا أفضل مما كان متوقعا في مساعي مصر لدى الدول والمنظمات الدولية للحصول على تمويلات وقروض تغطي فجوة تقر بنحو ١٦ مليار دولار في الشهور المقبلة.

الإشارة الثانية: هي القرار الحاسم للإدارة الأمريكية بتحصين رئيس مجلس الوزراء وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قضائيا من دعاوى ترفع ضده في الولايات المتحدة تطبيقا للقواعد المستقرة في القانون الدولي لدى النظام السياسي الأمريكي. وقطع هذا الطريق ليس فقط على دعاوى منظورة أو مستقبلية ولكن أيضا عبر عن تفضيل الولايات المتحدة لقيامها بمبادرة ولفتة ودية تجاه الرياض حتى لو كان ذلك معناه تعرضها لنقد عنيف غير مسبوق من جهات داخلية وخارجية حقوقية واعترفت بذلك المتحدثة الرسمية للبيت الأبيض كنا نعرف عواقب اتخاذ هذا القرار ولكن صممنا على اتخاذه والرسالة واضحة: نحن نعيد التفكير في نهجنا السابق ونفضل مصالحنا مع زعيمة أوبك على تعهدات انتخابية قديمة.

الإشارة الثالثة: هي لكل من القاهرة والرياض معا باعتبارهما من الدول التي تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في المنطقة وتعرف أن وصول اليمين الإسرائيلي المتطرف للحكم بأغلبية مريحة في الكنيست بسياسات استفزازية مثل ضم المزيد من أراضي الضفة الغربية وتشديد السياسات العنصرية ضد الفلسطينيين في فلسطين 48 من شأنها تقويض الاستقرار وإشعال حرب فلسطينية – إسرائيلية جديدة سواء شاملة كما حدث في مايو 2021 أو مع قطاع غزة والمقاومة كما حدث عدة مرات منذ 2009 وحتى الآن. ومن شأن السماح لتحالف نتنياهو – بن غفير الإرهابي تطبيق هذه السياسات جعل القاهرة والرياض كدول رئيسية معتدلة في وضع بالغ الصعوبة ويضعف من توجههما العمل على قبول إسرائيل ككيان طبيعي في المنطقة ولكن بشرط الحصول على دولة فلسطينية في إطار ما يسمى بحل الدولتين.

ماذا فعلت إدارة بايدن في هذا السياق؟

اللفتة الأولى إعلان رسمي كنا قد توقفنا كثيرا عن سماعه من الإدارات الأمريكية ألا وهو أن أمريكا تبلغ رئيس الحكومة القادم أنها ستقاوم أي محاولة للحكومة اليمنية لضم وقضم الضفة الغربية المحتلة.

نتنياهو
نتنياهو

واللفتة الثانية كانت تراجعا واضحا عن حالة التردد الأمريكي الذي وصل لحد التستر على جريمة اغتيال شيرين أبو عاقلة الزميلة شهيدة الصحافة والمواطنة الأمريكية. إذ استجابت الإدارة الأمريكية لأول مرة إلى الضغوط الداخلية والخارجية لإجراء تحقيق أمريكي مستقل عن التحقيق الإسرائيلي المشبوه الذي أخفى جريمة قتل أبو عاقلة بدم بارد على يد قوات الاحتلال.

هل هذه الإشارات واللفتات الودية غير المسبوقة من إدارة ديمقراطية بدت في لحظة وكأنها تعرض للخطر والانهيار هيمنتها الاستراتيجية على مفتاح طاقة العالم وممرات مواصلاته الحيوية المعروف باسم العالم العربي؟. من السابق لأوانه الجزم بذلك ولكن يمكن الجزم بأن بايدن يريد أن يستثمر نجاحه النسبي في انتخابات التجديد النصفي في تعزيز فرصته أو فرصة مرشح حزبه في انتخابات 2024 بتحقيق انتصارات دبلوماسية وخارجية تقول للناخب الأمريكي إن بايدن الذي استطاع توحيد أوروبا والأطلسي خلفه كما لم يفعل زعيم آخر منذ ايزنهاور وريجان استطاع أيضا تأكيد هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط بكل ما يعنيه من أهمية اقتصادية واستراتيجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock