رؤى

أسس المنهج المعرفي عند عبد الوهاب المسيري.. قراءة في الفكر العربي المعاصر (4-5)

وعن النموذج المعرفي الإسلامي التوليدي (الأسس والمنطلقات) رأى المسيري أن الوعي يزداد بأهمية المنهج في السياق العربي الإسلامي، بالخصوص بعد ما أصبح الإنسان مُهددًا في وجوده، وذلك مع تغوّل الرؤى المادية الغربية، وهيمنتها على البحث العلمي في مختلف الميادين وحتى الإنسانية والاجتماعية منها، لتأتي محاولة عبد الوهاب المسيري لترسم معالم جديدة لدراسة الظاهرة الإنسانية، فكانت النماذج كمنهج للتحليل من إسهاماته القيِّمة، والدليل على ذلك أن رؤيته لم تقف عند نقطة الرصد لمنزلقات النموذج المعرفي الغربي وتحيزاته، وانتقادها للتيارات التغريبيَّة في الوطن العربي وفشلها في صناعة نماذجها المعرفية الخاصة، بل سعت إلى اقتراح بديل معرفي لتجاوز مثالب النماذج المستعارة، من خلال الأسس المنهجية التالية:

1- صياغة الهوية العربية الإسلامية: شكلت الهوية العربية الإسلامية أهم عناصر النموذج الذي حاول المسيري صَكَّه للبناء وللإعمار، وهو نموذج مُستلهم من البيئة العربية الإسلامية وغير مهزوم أمام الآخر من المرجعية الكبرى للأمة (الوحي) لا خارجها، ودفاعه عن هذه الهوية (المرجعية) ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة، وإنما عن درايةٍ بسبل تأكيد الهوية، فأولى خطوات النهضة إنما تبدأ عنده بإعادة الثقة فيما نملك، فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض، إلى جانب قيم واقعية متمثلة في الموروث الحضاري القيمي، نسمات هذا البديل نابعة من هذه المرجعية المطلقة: القرآن والسنة اللذان يحويان القيم الإسلامية المطلقة والإجابة الإسلامية على الأسئلة النهائية، لكن لا ليكرر النموذج المرفوض (نموذج الموضوعية المتلقية) والوصول إلى قوانين صارمة نهائية وصيَغ جبرية تفسر كل شيء، وتستبعد الذات الإنسانية، فالنموذج  المقترح لن يسقط في الموضوعية المتلقية، والتي تفترض عقلاً قادراً على الإحاطة بكل شيء، وواقع بسيط يمكن الإحاطة به، كما أنه لن يسقط في الذاتية التي تعني ذاتًا متمحورة حول نفسها لا تكثرت بتركيبة الواقع، وتحاول أن تُملي رؤيتنا وإرادتنا عليه.

ارتباط مفهوم الاجتهاد بهذا النموذج البديل عنده سيحول دون السقوط في المنحى الذي حاربه في النموذج المتلقي، لأن المنطلقات المرجعية مختلفة، فالنموذج الاجتهادي التفسيري تتسم فيه بالتوليدية والانفتاح والتركيب، عكس النموذج المتلقي الذي تتسم فيه بالتراكم والانغلاق والاختزال، وأن محاولة المعرفة الكاملة والتحكم الكامل محاولة شيطانية مستحيلة؛ لأن الواقع الإنساني مركب ثري ولا نهاية لهذا التركيب وهذا الثراء.

وأهم منطلقات هذا النموذج المعرفي هو إدراك أن ثمة حيز إنساني يترك فيه الإنسان ويمارس إنسانيته، ومن ثم يصبح مختلفًا عن الكائنات الطبيعية، فهو كائن مركب وعنصر حر مسئول لا يتجاوز حتميات النظام الطبيعي المادي، ولا يمكن أن يرد في كُليته إليه، ولا يمكن أن يمزج بالظواهر الطبيعية ويذوب فيها… وهذا يعني أن ثمة ثنائية أساسية تترجم نفسها إلى انفصال بين الإنسان المركب والواقع الطبيعي المادي.

فالمقولة الإنسانية جوهر هذا النموذج بإمكانات هذا الإنسان وعلامات تميزه وتفرده كائنًا فريدًا مركبًا، والعالم من منظور النموذج البديل ليس مادة مصمتة، بل تتسم بثنائية لا يمكن تصفيتها، وبدلا من استخدام مقولات مادية تفسيرية وحسب، تفرض الواحدية على الواقع وتسوي الإنسان بالطبيعة، يمكن استخدام مقولات تفسيرية مادية، غير مادية، كمية – كيفية مستمدة من النظام الطبيعي متجاوزة له في ذات الوقت، ومن ثم يمكننا من خلالها التعامل مع ظاهرة الإنسان في كل تركيبتها. نموذج يعترف بكل الثنائيات، ولا يعمل على تصفيتها: ثنائية الإنسان والطبيعة، ثنائية الخالق والمخلوق، وهي الثنائيات التي استطاع المسيري أن يؤسس من خلالها نماذجه التفسيرية وخرائطه الإدراكية، ومن ثم استطاع قراءة الأحداث على تنوع مجالاتها وساحاتها (الفكرية والسياسية، والفنية والأدبية…) من خلال وضعها داخل نماذج فضفاضة لا تنغلق على ذاتها.

وعلى هذا الأساس فالإنسان ووحداته الاجتماعية لا يمكن تصفيتها لصالح الدولة، والماضي لا يمكن إسقاطه أو تجاهله لصالح الحاضر، ولا يمكن إلغاء الحاضر لصالح الماضي أو المستقبل، والإنساني لا يمكن تجاهله لصالح الطبيعي، بذلك يزحزح المسيري كل العقائد المنهجية التي عرفها الفكر الغربي والعربي على حد سواء، ويعيد تركيب وصياغة المنهجيات والآليات التفسيرية، وفق النموذج المعرفي الإسلامي، ووفق الخريطة الإدراكية التي يؤسسها النموذج الذي سماه نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي، بمعنى أنه يسمح بوجود ثغرات بين الأسباب والنتائج، بين الكل والجزء، وبين الأجزاء بعضها وبعض ولذا لا يسقط في الواحدية أو التماسك العضوي. ووجود الله تعالى هو ضمان ألَا تسد هذه الثغرة وألَا تصفى ثنائية الإنسان والطبيعة، إذ تظل هناك مقولة تفسيرية غير مادية تشكل ثنائية كبرى، هي ثنائية الخالق والمخلوق، تتفرع عنها كل الثنائيات الأخرى.

فالإنسان في هذا الكون يتمتع بكامل الحرية دون أن يعني ذلك استقلاله عن الله تعالى وإرادته ومشيئته، فيكون النموذج الاجتهادي هو الذي يحدد المسافة بين المطلق (الله تعالى)، والنسبي (العقل الإنساني وإرادته) في تفسير الأحداث ورصدها وتركيبها. نموذج لا يطمح للتحكم الكامل والمعرفة الكاملة أو التفسير النهائي أو اليقين المطلق، فإنه لن يحاول الوصول إلى نظرية كبرى شاملة نهائية، وإنما إلى نظرية كبرى وشاملة نسبيًا أو داخل حدود ما هو ممكن إنسانيًا (عبد الله أخواض، 2022، ص: 180-183).

2- تنقية المصطلحات والمفاهيم من التحيزات الغربية: إن المفاهيم والمصطلحات لا تخرج عن سياقها التاريخي، ففي سبيل استكمال البناء، يطرح المسيري إشكالية المصطلح والتحيز، فبناء النماذج المعرفية والآليات التحليلية يفرض إدراك هذا التحيز المصطلحي، بمعنى أن ثمة اختلافات جوهرية تحددها اللغة الإنسانية، إذ لا توجد لغة إنسانية واحدة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوناته، أي لا بد من الاختيار، وكل لغة مرتبطة إلى حد كبير ببيئتها الحضارية وأكثر كفاءة في التعبير عنها.

ويدرك المسيري أهمية المعجم العربي في توليد المفاهيم وبناء النموذج المعرفي، لأن اللغة مرتبطة بحضارتها، فلا يمكن أن تنتج بلغة غيرنا ومفاهيمها، فجهاز مفاهيمنا ينبغي توليده وبالضرورة من هذه اللغة المتجذرة تاريخيًا وحضاريًا، فمعظم المصطلحات التي نستخدمها في العلوم الإنسانية استوردت من الغرب بأمانة وموضوعية دون إدراك للمفاهيم المتحيزة، ولهذا فقَدَ الإنسان العربي القدرة على تسمية الأشياء، ومن لا يسمي الأشياء يفقد السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة.

حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع - كلية الآداب في جامعة ماردين - حلب سابقاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock