رؤى

دوافع الدخول الليبي.. على خط الأزمة السودانية

بإعلان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، مُبادرة “إحلال السلام ووقف الحرب” في السودان، قبل يومين من زيارة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان؛ ومع دعوة الدبيبة لقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، لزيارة طرابلس، تكون حكومة غرب ليبيا قد دخلت على خط الأزمة في السودان.

وكما يبدو، فإن مُبادرة الدبيبة، في محاولة جمع كل من البرهان وحميدتي وجهًا لوجه، لأجل محاولة حلحلة الصراع السوداني، في الوقت الذي تؤشر فيه إلى أن السلطات في غرب ليبيا، تبحث عن دور في الأزمة السودانية؛ إلا أنها تُثير أيضا قدرا كبيرا من التساؤلات حول الدوافع وراء هذه المبادرة، وذلك الدور.

اللافت، أن دوافع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، في الدخول على خط الأزمة السودانية، تتعدد بشكل واضح.. وذلك كما يلي:

من جهة، محاولة تفعيل مكانة حكومة الوحدة الوطنية على المستوى الإقليمي؛ إذ يستند الدبيبة في هذه المحاولة بعد قرار مجلس الأمن الأخير، الثلاثاء 27 فبراير، بالتحذير من عقوبات مجلس الأمن “لكل من يُعرقل أو يُعيق استكمال عملية الانتقال السياسي، بما في ذلك عرقلة الانتخابات أو تقويضها”.

وبالتالي، يبدو أن كلا من الرجلين، البرهان والدبيبة، قد التقيا عند نقطة تقاطع المصالح بالنسبة إلى كليهما. فإذا كان من الممكن النظر إلى زيارة قائد الجيش السوداني إلى طرابلس، من منظور محاولة البرهان إثبات أنه مُنفتح على كافة المبادرات الإقليمية لتسوية الأزمة السودانية، خاصة بعد رفضه للمبادرة الأخيرة التي طرحتها الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”؛ فإنه في الوقت نفسه، يبدو أن مبادرة الدبيبة هي محاولة “تسجيل حضور” في الفضاء الإقليمي، ومحاولة من جانبه لصرف الأنظار، ولو مؤقتًا، عن الأزمة التي تُعاني منها حكومته.

من جانب آخر، يبدو استهداف خطوط التواصل ودعم “الإطار الإقليمي”؛ حيث يبدو أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية يسعى إلى التغطية على تزايد الأزمة الأمنية في العاصمة الليبية طرابلس، وكذلك في مدن الساحل الشمالي الغربي في ليبيا، من خلال توظيف مبادرة “إحلال السلام ووقف الحرب” في السودان إعلاميًا؛ خاصة أن هذه المبادرة تتضمن – بحسب الإعلان عنها- الجمع بين البرهان وحميدتي في لقاء واحد وجهًا لوجه، بما يُمثل في حال تحققه انتصارًا غير مسبوق للدبلوماسية الليبية، ولحكومة الوحدة الوطنية، ورئيسها عبد الحميد الدبيبة.

هذا رغم استبعاد ذلك الاحتمال، من المنظور الواقعي، رغم ترحيب حميدتي بدعوة الدبيبة.

إلا أنه من المُلاحظ، أن مُبادرة الدبيبة ليس من الضروري أن تكون قائمة بذاتها؛ بل يُمكن أن تكون إحدى الخطوات الداعمة لـ”الإطار الإقليمي” الذي يهدف إلى تسوية الأزمة في السودان؛ وذلك من حيث إن هذه المبادرة، التي تأتي في وقت تُعاني فيه ليبيا من عدم استقرار سياسي، لا يُمكن أن تُطرح إلا بعد مشارورات مع بعض الأطراف الإقليمية المؤثرة والمتدخلة بشكل ما في السودان.

ولعل هذا ما يعنى أن ليبيا، عبر المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، يُمكن أن تُصبح لاعبا مؤثرا في الشأن السوداني، بحكم الجوار الجغرافي، وبحكم التأثير العسكري والقبلي للمُرتزقة والمُقاتلين السودانيين الموجودين على أراضيها.

من جانب أخير، الدخول على خط التنافس مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر؛ وهو ما يتبدى عبر حديث الدبيبة الدائم والمتكرر، مثل حديثه في أغسطس الماضي، عن “تورط أحد الأطراف الليبية في دعم أحد أطراف الصراع في الحرب الدائرة بالسودان”، في إشارة ضمنية إلى المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي. ومن ثم، يأتي طرح المبادرة كنوع من كسب إحدى جولات التنافس، إن لم يكن الصراع، مع حفتر؛ خاصة من خلال دعوة حميدتي لزيارة طرابلس، بعد زيارة البرهان واجتماعه في طرابلس مع الدبيبة والمنفي.

وكما يبدو، فإذا كان لجوء حكومة طرابلس والدبيبة، لفتح مجال للعلاقات مع قائد الجيش السوداني البرهان، الذي يتهم حفتر بدعم قوات الدعم السريع؛ فإن في دعوة حميدتي لزيارة طرابلس، محاولة من الدبيبة لكسب الساحة الليبية، والقوى المؤثرة فيها إلى جانبه؛ بما يعني أنه مع تحويل عبد الحميد الدبيبة اهتمامه -الذي يبدو مُفاجئًا- إلى السودان، وإلى الأزمة الناشبة فيه منذ أكثر من عشرة أشهر، يأتي هذا التحول بوصفه قفزة سياسية لإثبات الوجود، على المستوى الإقليمي؛ ربما أكثر منه تحول واقعي يرتكز على محفزات الأهمية السياسية والاقتصادية للسودان بالنسبة إلى ليبيا.

إضافة إلى تلك الأسباب، فإن ثمة ملفات مؤثرة يتغيا الدبيبة الاقتراب منها:

أهم هذه الملفات، يأتي اللعب على وتر “الهجرة” مع الأوروبيين؛ إذ تأتي أحد الدوافع في طرح مبادرة “وقف الحرب” في السودان، عبر محاولة الدبيبة في اللعب على وتر ملف “الهجرة غير الشرعية” من جانب هؤلاء اللاجئين، خاصة السودانيين، بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي عمومًا، وإيطاليا على وجه الخصوص؛ خاصة أن البعض منهم يحاول التوجه إلى أوروبا عبر الأراضي الليبية.

ولعل هذا ما يسمح لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، من التقاط “الهم الأوروبي” في ملف الهجرة غير الشرعية. فمن خلال المُبادرة، والدخول على خط محاولة “حلحلة” الأزمة السودانية، والتحكم في ملف الهجرة واللجوء، يُمكن له مُطالبة الاتحاد الأوروبي بالدعم.

هذا، فضلا عن محاولة الحد من حركة النزوح السوداني الكبيرة إلى ليبيا؛ فمثل غيرها من دول الجوار السوداني، فقد استقبلت ليبيا الآلاف من اللاجئين السودانيين، الذي فروا من الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع. ووفقًا لبيانات مفوضية اللاجئين، فقد بلغ عدد اللاجئين الذي وصلوا إلى الأراضي الليبية، حتى نهاية يناير الماضي، حوالي 31 ألفًا، في حين تتحدث السلطات الليبية عن أعداد تصل إلى نحو 400 ألف لاجئ، إلى الدرجة التي بات فيها اللاجئون السودانيون يُمثلون أكبر جنسية لاجئة في ليبيا.

في هذا السياق يُمكن القول بأن طرح مُبادرة “إحلال السلام ووقف الحرب في السودان”، في الوقت الذي تُمثل فيه قفزة سياسية في المحيط الإقليمي للدولة الليبية؛ تعتبر محاولة “تفعيل مكانة” لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وإثبات شرعيتها ومكانتها إقليميًا ودوليًا.. هذا بالإضافة إلى أن المبادرة نفسها، بالنسبة إلى الدبيبة، تُعتبر “ورقة مناورة تكسبه زخمًا دوليًا، وإقليميًا”.

رغم ذلك، فإنه من المتوقع ألا تصل المبادرة إلى مبتغاها، في جمع كل من البرهان وحميدتي وجهًا لوجه، في جلسة واحدة؛ وذلك بالاعتماد على ما قامت به حكومة الخرطوم، والبرهان شخصيًا، من رفض لقاء حميدتي، في أكثر من مناسبة.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock