رؤى

مصطلحات قرآنية: السنن الإلهية.. ومشكلة الحرية الإنسانية

تأتي مسألة الحرية الإنسانية؛ لتأخذ موقعا مهما في تجاذبات الفكر العربي والإسلامي، سواء من حيث الاصطلاح والمفهوم، أو من حيث المنظور الدلالي لكلمة الحرية. وفي ما يبدو، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه، يتمحور حول إمكانية تفكيك ما يراه البعض تناقضا بين حتمية السنن الإلهية، التي لا تتبدل ولا تتحول، والحرية الإنسانية، أو تحديدا: حرية الإرادة الإنسانية. وهو التساؤل الذي عُرِف في تاريخ الفكر الإسلامي بمشكلة “الجبر والاختيار”، تلك التي قسّمت الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين إلى مدارس عدة.

ولسنا نريد هنا الدخول إلى تفصيلات هذه المشكلة؛ ولكن في إطار محاولتنا تفكيك الإشكالية المُثارة، واستكمالا لمقالنا السابق (أصوات أونلاين: 9 فبراير)، يكفي أن نُشير إلى جوانب ثلاثة رئيسة:

من جانب، فقد اتخذ الإسلام من انضباط نظام الكون ونواميسه حجة على الذين لا يؤمنون؛ إذ يقول سبحانه: “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” [الأحزاب: 62]. ويقول تعالى: “سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا” [الإسراء: 77].

ومن ثم، فإذا كانت السُنَّة الإلهية لا تتحول ولا تتبدل؛ فهي أيضا تتمثل في الإحكام المُتقن من قِبل الله سبحانه وتعالى لحركة الأشياء والظواهر في هذا الكون.

يقول سبحانه: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” [البقرة: 164]..

ويقول تعالى: “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ٭ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” [القصص: 71 ـ 72].

وهكذا، نجد أن جانبا كبيرا من آيات القرآن الكريم، يكاد يكون مقصورا على تعليم الناس، بصيغ شتى، مدى ما في الكون من اتساق ونظام محكم. وهو وإن كان يأخذ من هذا دليلا على وجود الله عز وجل وعلى وحدانيته، كما في قوله: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ” [الأنبياء: 22] فإنه كذلك يدعو الناس إلى التأمل في الكون؛ آياته أو سننه التي لا تتبدل.. لا لمجرد التأمل؛ ولكن لمعرفتها والعمل وفق نظامها (في إطارها) لتحقيق أهدافهم.

ويكفي أن نُلاحظ التعريف القرآني لـ”أُولِي الْأَلْبَابِ”، الذي ينبني على فعلي: “يَذْكُرُونَ” و”يَتَفَكَّرُونَ” حيث يقول سبحانه وتعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ٭ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” [آل عمران: 190-191].

الجبر والاختيار

من جانب آخر، ودونما الدخول إلى تفصيلات مُشكلة “الجبر والاختيار” يكفي أن نُشير إلى مدرستين ضمن مدارس الفكر العربي والإسلامي. فأنصار الجبرية كانوا قد ألغوا حرية الإرادة الإنسانية، واستندوا ـ حسب رأيهم هذا ـ إلى عدد من الآيات القرآنية، قالوا إنها: تُسْنِد الإرادة والفعل كليهما إلى الله سبحانه وتعالى، وإنها: تحيل الإنسان أداة لا إرادة لها ولا خيار.

من بين هذه الآيات، التي استند إليها أنصار الجبرية، قول الله سبحانه وتعالى: “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ٭ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٭ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” [التكوير: 27 ـ 29]؛ وقوله سبحانه: “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ” [الصافات: 96]؛ وقوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” [يونس: 99].

أما أنصار القدرية (قُدرة الإنسان على الاختيار والفعل)، فمع تسليمهم بانضباط الوجود والكون بسنن محكمة لا تتبدل ولا تتحول، أسندوا الإرادة والفعل إلى الإنسان، واستشهدوا على هذا بعدد من آيات القرآن الكريم، التي تضع ـ حسب رأيهم هذا ـ الإنسان أمام مسئولية ما يختار ويفعل، على أساس أن الحرية في الاختيار هي مناط المسئولية.

من بين هذه الآيات، التي استند إليها أنصار القدرية، قول الله سبحانه وتعالى: “وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” [الكهف: 29]؛ وقوله سبحانه: “كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” [الطور: 21]؛ وقوله تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ” [البقرة: 286]؛ وقوله: “فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” [يس: 54].

وإزاء صراحة النصوص القرآنية، لا يكون عسيرًا أن نهتدي إلى الوضع الصحيح للمسألة: فهم “حرية” الإرادة الإنسانية في نطاق “حتمية” سنن الله ونواميسه، فهم الخاص في نطاق العام، أو: فهم الحرية في نطاق الضرورة كما يقول المحدثون..

فكأن “الرأي” هو: إن القدرة الإلهية كما تجسدها سنن الوجود التي لا تتحول ولا تتبدل، هي الشرط الأول لمقدرة الناس على أن يختاروا وأن يفعلوا. والله على هذا الوجه هو “خالق ما يفعلون”. أما الناس، فوثوقًا منهم بثبات ذلك الشرط وعدم قابليته للتحويل أو التبديل، يختارون ما يفعلون على مسئوليتهم عن الاختيار والفعل، وبقدر ما يلتزمون سنن الله بقدر ما يوفقون في تحقيق ما يريدون.

الفرد والمجتمع

من جانب أخير، فإن ثمة تميزًا نوعيًا بين الساحة التي تنتظمها السنن التاريخية، وبين الساحات الأخرى التي تنتظمها النواميس والقوانين الكونية و/أو الطبيعية. ولعل هذا التميز يتبدى بوضوح إذا لاحظنا أن الظواهر الكونية والطبيعية تتضمن علاقة ظاهرة بسبب، أو علاقة نتيجة بمقدمات. أي إن العلاقة هنا علاقة سببية، طرفاها الحاضر والماضي، وهي العلاقة التي لا تحمل جديدًا ولا تنطوي على غاية أو هدف، ما لم يتقاطع معها، عملٌ وجهدٌ إنسانيان.

وإذا لاحظنا أن الظواهر التاريخية تتضمن علاقة من نوع آخر، علاقة فعل بغاية. أي إن العلاقة هنا ـ أيًا كانت طبيعة الغاية ـ “علاقة غائية”، طرفاها الحاضر والمستقبل.. وهي علاقة لابد أن تحمل جديدا من حيث كونها تنطوي على هدف أو غاية لا تتحقق بدون عمل وجهد إنسانيين. وبالتالي، فهي علاقة “مستقبلية”، لأن الغاية المرجوة منها ليست “واقعة” قبل أن يُنْجَزَ العمل والجهد (الإنساني) الذي يستهدف تحقيقها.

في إطار السنن النوعية التي تنتظم الساحة التاريخية، بوصفها ساحة تتضمن العلاقات الإنسانية الغائية، يمكن التمييز أو التفرقة بين نوعين من العلاقات: العلاقات الغائية الفردية، والعلاقات الغائية المجتمعية؛ وهو التمييز الذي عبّر عنه النسق القرآني بـ “كتاب الفرد” و”كتاب الأمة”.

ففي قوله سبحانه: “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ منشورا ٭ اقرأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” [الإسراء: 13 ـ 14] يبدو أن كل إنسان مرهون بكتابه، الكتاب الذي لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله. أما في قوله تعالى: “وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٭ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” [الجاثية: 28 ـ 29]، يبدو أن لكل أمة كتاب هي مدعوة إليه.

وهكذا، فهناك كتاب لكل فرد، مثلما أن هناك كتاب لكل أمة، وعندما يأتي الحساب الجزاء، فإنما يكون على أساس ما يحتويه كل كتاب من أعمال. فكل عامل مسئول عن عمله، بدليل: “كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” و”الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” و”إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”.

وفي ما يبدو فإن الدائرة المكونة من هذه الجوانب الثلاثة، وإن كانت تشير إلى أن الناس مسئولون عن أعمالهم من حيث الحرية، التي وهبها الله إياهم لاختيار هذه الأعمال؛ فإنها تؤكد في الوقت نفسه على أن هذه الحرية، لن تكون فاعلة إلا لمن يستطيع منهم، فردا كان أم جماعة، إدراك السنة الإلهية في الكون والطبيعة والتاريخ.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock