تُعد قضية الاتفاق النووي الإيراني واحدة من أكثر الملفات تعقيدا في العلاقات الدولية، منذ مطلع الألفية الثالثة. فقد دخلت إيران منذ سنوات طويلة في مفاوضات مستمرة مع القوى الدولية الكبرى، للوصول إلى اتفاق نووي يضمن حدود أنشطتها النووية، مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها. ورغم نجاح التوصل إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة”، في عام 2015، والتي أنهت أزمة دامت لأكثر من عقد من الزمن، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، في عهد الرئيس دونالد ترامب، في عام 2018، أعاد الأزمة إلى الواجهة مجددا، وأعقب ذلك تصاعد التوترات بين إيران والدول الغربية.
وفي 22 نوفمبر 2024، نشر الموقع الرسمي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي، حوارا مع مستشار المرشد، علي لاريجاني، صرح فيه أن إيران مستعدة للوصول إلى “اتفاق نووي جديد” مع الدول الغربية، ما أثار تساؤلات حول دوافع إيران لطرح هذا الموضوع في هذا التوقيت.. فما العوامل التي تقف خلف هذا العرض الإيراني الجديد؟
بالطبع، تتعدد الدوافع الإيرانية في عرض مسألة “اتفاق نووي جديد”، مع الدول الغربية.. وذلك كما يلي:
(1) تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية:
إحدى الدوافع الرئيسة وراء استعداد إيران للدخول في مفاوضات جديدة، حول الاتفاق النووي، هو التخفيف من الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها البلاد، نتيجة للعقوبات الدولية المفروضة على اقتصادها. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، عانت إيران من عقوبات اقتصادية شديدة استهدفت قطاع النفط والغاز الذي يعتبر العصب الرئيسي للاقتصاد الإيراني.
وقد تسببت هذه العقوبات في تدهور الوضع الاقتصادي، حيث ارتفعت معدلات التضخم، وزادت البطالة، وتراجع مستوى المعيشة، ما خلق حالة من السخط الشعبي والاحتجاجات في بعض الأحيان. ورغم محاولات الحكومة الإيرانية للالتفاف على العقوبات، باستخدام آليات معقدة للتجارة مع بعض الدول، فإن الاقتصاد الإيراني ما يزال يرزح تحت ضغوط كبيرة.
بالتالي، فإن عرض إيران لعقد اتفاق نووي جديد؛ يمكن أن يُفسر على أنه محاولة لتخفيف هذه الضغوط الاقتصادية، من خلال رفع العقوبات تدريجيا مقابل تقديم بعض التنازلات في الملف النووي. وبالنظر إلى الأزمات الاجتماعية والسياسية الداخلية التي تعاني منها البلاد، فإن النظام الإيراني يسعى لتحقيق استقرار داخلي من خلال تخفيف الأعباء الاقتصادية.
(2) التخفيف من حدة المعارضة الداخلية:
على الرغم من أن النظام الإيراني يتمتع بسيطرة كبيرة على الحياة السياسية في البلاد، إلا أن هناك تيارات داخلية مختلفة تضغط على القيادة باتجاهات متباينة. هناك تيار إصلاحي يدعو إلى الانفتاح على الغرب وتخفيف العزلة الدولية، في مقابل التيار المحافظ الذي يرى أن التمسك بالثوابت “الثورية” هو السبيل الوحيد للحفاظ على سيادة إيران.
طرح فكرة التفاوض حول اتفاق نووي جديد- يمكن أن يكون محاولة من النظام الإيراني لتهدئة التيار الإصلاحي، واحتواء الضغوط الداخلية التي تدعو إلى تحسين العلاقات مع الغرب وتخفيف العقوبات. وقد يساعد هذا الطرح في تعزيز تماسك النظام الداخلي، وتجنّب وقوع تصدعات سياسية في هذه المرحلة الحرجة.
(3) التكيف مع التغيرات الجيوسياسية في المنطقة:
شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات جيوسياسية كبيرة في السنوات الأخيرة، مثل تطبيع بعض الدول العربية لعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، والصراعات المستمرة في سوريا واليمن، إلى جانب دور إيران الإقليمي المتنامي، خصوصا من خلال دعمها لجماعات حليفة لها في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
ورغم أن إيران استفادت من الفراغ الذي خلّفه انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من الشرق الأوسط، إلا أن الوضع الإقليمي؛ ما يزال يُشكّل تحديا لها؛ فالمواجهة المستمرة مع الدول الغربية حول برنامجها النووي، وتدخلاتها الإقليمية جعلت إيران في عزلة دولية.
من هنا، قد ترى إيران أن إعادة طرح مسألة الاتفاق النووي، يمكن أن يساعدها في تحسين صورتها الدولية، وإعادة بناء علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية والدولية؛ كما يمكن أن يُستخدم الاتفاق النووي؛ ورقة ضغط للحصول على تنازلات في ملفات إقليمية أخرى، مثل دورها في سوريا أو العراق أو اليمن.
(4) التحضير لتحولات السياسة الأمريكية:
تُشكّل السياسة الأمريكية تجاه إيران عاملا محوريا في اتخاذ القرارات الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بملفها النووي. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، تعاقبت إدارتان على البيت الأبيض، إحداهما تحت رئاسة دونالد ترامب، الذي اتخذ موقفا متشددا تجاه إيران، والأخرى تحت رئاسة جو بايدن، وهي الإدارة التي أعلنت عن رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي، لكنها لم تنجح في تحقيق ذلك بشكل كامل.
وفي ظل نجاح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024، وتغيُّر القيادة السياسية في الولايات المتحدة، بعد تنصيب ترامب في يناير 2025؛ ترغب إيران في التكيف مع أي تغيرات قد تحدث في السياسة الأمريكية. وقد يكون عرضها، للتفاوض حول اتفاق نووي جديد، رسالة مفتوحة إلى القوى الغربية والولايات المتحدة بأنها مستعدة للتعاون في حال تغيرت الظروف السياسية.
(5) محاولة تحسين بنود الاتفاق النووي القديم:
من المحتمل أيضا أن تكون إيران تستخدم عرضها، لعقد اتفاق نووي جديد، وسيلةً للضغط على الغرب لتحسين شروط الاتفاق لصالحها. إذ خلال المفاوضات السابقة، كانت إيران تتعرض لضغوط كبيرة من القوى الغربية، ما اضطرها إلى تقديم بعض التنازلات المتعلقة ببرنامجها النووي. لكن مع مرور الوقت، وخصوصا بعد أن طوّرت إيران تقنياتها النووية، وزادت من مخزونها من اليورانيوم المُخَصّب، أصبحت في وضع تفاوضي أقوى مما كانت عليه في السابق.
ومن ثم، قد تحاول إيران استغلال هذه المكاسب لتحسين شروط الاتفاق النووي الجديد، بحيث تحصل على رفع أكبر للعقوبات، أو تحصل على تسهيلات أكبر فيما يتعلق بأنشطتها النووية. وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون عرض إيران مجرد تكتيك تفاوضي؛ لتحسين موقفها قبل الدخول في مفاوضات جادة.
(6) تحسين مكانة إيران على المستوى الدولي:
على الرغم من التوترات المستمرة مع الغرب، تسعى إيران منذ فترة إلى تعزيز مكانتها في النظام الدولي؛ فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تعرّضت إيران لعزلة دولية نتيجة لسياستها المعادية للغرب وتدخلاتها في شئون الدول الأخرى. وعلى الرغم من هذه العزلة، إلا أن إيران حافظت على علاقات قوية مع بعض الدول مثل روسيا والصين، واللتين دعمتا طهران في محافل دولية عدة. إلا أن النظام الإيراني يدرك أن استمرار العزلة الدولية، يضر بمصالحه على المدى البعيد، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد.
من هذا المنطلق، قد يكون عرض إيران التفاوض، حول اتفاق نووي جديد، خطوة نحو تحسين صورتها الدولية وكسب مزيد من الشرعية الدولية؛ فالاتفاق النووي “الجديد” يمكن أن يكون بمثابة بوابة لعودة إيران إلى النظام الدولي بشكل أكثر اندماجا، ما يتيح لها مزيدا من التعاون الاقتصادي والسياسي مع الدول الغربية.
وهكذا.. في ظل التطورات المتسارعة على الساحة الدولية والإقليمية، يبدو أن إيران تحاول اتباع استراتيجية جديدة للتعامل مع ملفها النووي. إذ إن عرضها لعقد اتفاق نووي جديد، قد يعكس رغبة حقيقية في تحسين علاقاتها مع الغرب، أو قد يكون مجرد تكتيك تفاوضي لتحسين شروط الاتفاق.
وفي كلتا الحالتين، يبقى الهدف الرئيسي للنظام الإيراني هو الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية، في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة.