رؤى

ثقافة الراية البيضاء.. بين اليوم والأمس

في أحد مشاهد الفيلم التاريخي “عمر المختار” يزور الشريف الغرياني صديق طفولته الشيخ عمر المختار، الذي يقود المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإيطالي لأرض ليبيا.

يحاول الغرياني -عبثا- أن يقنع صديقه القديم المختار، بأن يلقي سلاحه وأن يسلم لعدوه؛ موكدا أنه حصل على ما يصوره، على أنه “أفضل الشروط الممكنة” من المحتل الإيطالي.

لا تختلف الشروط التي يشير إليها الغرياني في حواره مع المختار، عن شروط المحتل في فلسطين اليوم، فهي ببساطة: نزع سلاح المقاومة ومغادرة قادتها أرض البلاد في مقابل الحفاظ على حياتهم.

وفي محاولته لتسويق هذه الشروط، التي ليست في واقع الأمر سوى صك استسلام مزين، يذكر الغرياني المختار بموازين القوى التي ليست في صالحه، خاصة وأنه كالمقاومة في غزة اليوم قد “تقطعت به السبل” وتمكّن المحتل من “عزله عن العالم” وعن الآخرين.

كما يذكِّر الغرياني الشيخ المختار بمن يسميهم “أولاده” في إشارة الى الشعب الليبي، وأنهم يتضورون بل يموتون جوعا في معسكرات الاعتقال، التي عزلهم فيها المحتل.. لكن الغرياني يستخدم منطقا لا يختلف كثيرا عن منطق أبواق إعلامية “عربية” متعددة اليوم، وهو منطق لوم المقاومة لا المحتل، حيث يعتبر الغرياني أن معاناة الشعب في المعسكرات، هو بسبب إصرار المختار ورفاقه على مواصلة القتال وليس بسبب المحتل.

يرفض المختار منطق الغرياني، وإن اعترف بمعاناة الناس لكنه يؤكد أن أيًا من هؤلاء الذين يعانون لا يطالبه برفع الراية البيضاء، لأنهم يعلمون أن هذا في حد ذاته “خيانة لهم”.

اللافت هنا هو أن منطق الغرياني ليس بالجديد، فقد صدّقه آخرون في تاريخنا العربي، وفي مقدمتهم الخليفة العباسي المستعصم، آخر خلفاء بني العباس.

صدق المستعصم ما وعده به القائد المغولي هولاكو من الأمان إن هو سلم له عاصمته بغداد التي حاصرها جيش هولاكو في مطلع العام ١٢٥٨م.

كما صدق المستعصم دعاية مشابهة لدعاية الغرياني -المشار إليها أعلاه- صوّرت له الاستسلام، طوق نجاة سينقذ بغداد وشعبها من الدمار والإبادة، خاصةً وأن جيشه لا يستطيع مواجهة الجيش المغولي الجرار، وصدّق أن رفعه لراية الاستسلام سيضمن لذاته وأسرته وشعبه الأمان.

وبالفعل خرج المستعصم مع أولاده وكبار رجال دولته في العاشر من فبراير من عام ١٢٥٨م، لتسليم المدينة لهولاكو؛ ليدرك الخليفة العباسي -بعد فوات الأوان- حقيقة الأمان الذي وعده به عدوه.

حيث أمر هولاكو بقتل الخليفة وأولاده، وبعد أربعة أيام اجتاح جيش هولاكو بغداد، التي لم يشفع لها استسلامها؛ فاستباحها المغول ٤٠ يوما قتلوا فيها كل من صادفهم من أهلها.. رجالا أو نساءً أو أطفالا، وبلغ عدد الضحايا وفقا للمؤرخ المملوكي ابن تغري بردي أكثر من مليون شخص.

الدعاية ذاتها صدّقها قادة المقاومة الفلسطينية في عام ١٩٨٢، حين حاصرت القوات الصهيونية مقرهم في العاصمة اللبنانية بيروت.

وعبر وساطات أمريكية استخدمت منطقا لا يختلف كثيرا عن منطق الغرياني، وافقت قيادة المقاومة آنذاك على خروج مقاتليها من بيروت ليتوزعوا في عدد من المنافي المختلفة (تونس-اليمن-العراق…إلخ).

صدّقت القيادة ما صدّقه المستعصم، من أن خروجها يُجنِّب شعبها الدمار والإبادة ولكن بعد أيام معدودة من خروجها من بيروت، وتحديدا في ليلة ١٦ سبتمبر ١٩٨٢، دخلت قوات حزب الكتائب المتحالف مع القوات الصهيونية -تحت حماية الأخيرة- إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وارتكبت مجازر راح ضحيتها نحو ٣ آلاف فلسطيني.

في الأمثلة السابقة.. نسي القادة أن السلاح لا الراية البيضاء، هي ما يردع عدوك،  وأن العدو يعدك بالأمان حتى تلقي سلاحك، فإن ألقيته فلا أمان لك عنده.

اليوم، ترفض غزة كما رفض المختار منطق الغرياني، رغم تشابه بل تطابق الظروف، لكن المقاومة تدرك أن الصمود وإن كان ثمنه فادحا، فإن ثمن الاستسلام، كما أكدت التجارب التاريخية المذكورة أعلاه.. أكثر فداحة.

زر الذهاب إلى الأعلى