هذه مجموعة قصصية حرص الكاتب على تحديد هويتها منذ اللحظة الأولى عندما كتب جنسها الأدبي أسفل العنوان (قصص قصيرة جدا) إذن فقد سهّل الأمر علينا.
ربما كانت الملاحظة الأولى والتي تؤكد السِّمَة الرئيسة التي تحدثنا عنها منذ قليل؛ أعنى سِمَة قِصَرِ النص الملحوظ، مقارنة بالقصة القصيرة، أقول الملاحظة الأولى هي أننا أمام ما يقرب من مئة وستين نص، موزعة على ما يقرب من مئة وسبع من الصفحات، فإذا ما قسّمنا عدد القصص على عدد الصفحات، تبيّن لنا أن الصفحة الواحدة ربما احتوت على نصين، فإذا ما أضفنا إلى ذلك صغر حجم الصفحة، تأكدنا كيف جاءت النصوص قصيرة من حيث البناء والحجم.
الملاحظة الثانية التي تقع عليها عيوننا مباشرة، هي عناوين هذه النصوص، فقد حرص الكاتب على أن يكون العنوان مفردة واحدة، فيما عدا تسعة نصوص جاءت مكونة من كلمتين مثل: “حديد ودم” و”اللقاء المنتظر” و”قزم ونخلة” و”موت الحارس” و”خولي الأنفار” و”غزل صريح”… إلى آخر هذه العناوين المكونة من مفردتين.
ودلالة ذلك أن الكاتب يمهّد القارئ لنصوص قصيرة، وليس قِصَر عنوانها إلا دليلا ناصعا على ذلك، ودلالة أخرى مؤداها أن الكاتب يعي وعيا تاما طبيعة نصوصه، التي وصفها بالقصر؛ فكيف يتأتّى له أن يجعل عناوين قصصه طويلة؟
الملاحظة الثالثة التي تسترعى الانتباه، هي حرص الكاتب على بداية أغلب نصوصه بفعل، إما ماضٍ وهو الفعل الذى وقع عليه اختيار الكاتب في معظم نصوصه، وقليل منها جاء فعلا مضارعا، مثل نص “شكوى” الذى بدأ بالفعل “يخرج” ونص “جبل” الذى بدأ بالفعل “يهطل” وهما النصان الوحيدان اللذان بدآ بفعل مضارع، ودلالة ذلك ما تحدثنا فيه من قبل، بخصوص ضيق المساحة التي يتحرك فيها الكاتب، وهي لا تسمح له بتمهيد أو وصف؛ ولذا حرص الكاتب أن يضع القارئ في قلب الأحداث مباشرة، بفعل يعطي الإحساس بالحركة، ومن ثم يشعر القارئ كأنه كان مندمجا في أحداث سابقة، أشار إليها الكاتب من طرف خفي، عبر البداية بفعل وكأنه يقول: أنا أستكمل معك الحكاية. انظر مثلا في بداياته المختلفة بأفعال مثل: “وَضَعَ، سَحَرَتْهُ وأزْعَجَه، ورمى وتعطَّل ورنَّ ومشى وأطلق وأوقفني… إلى آخر هذه الأفعال التي تجعل القارئ يتساءل بأداة استفهام مثل من أو متى أو ما. كأن الفعل لم يكن إلا إشارة من الكاتب، يحثّ بها قارئه على استكمال الحكاية.
لا وقت كي نهدره -هيا بنا- فنحن في قلب الأحداث.
ذكرنا أن القصة القصيرة جدا لا تتبع آليات عمل الرواية أو القصة القصيرة في استعانتهما بالشخصية التي يسعى الكاتب لتجسيدها ووصفها وتحليلها؛ بل تعتمد على حدث ما فيكون هو بؤرة اهتمام الكاتب، ومن ثم يكون محل اهتمام القارئ، ولا تكون الإشارة إلى البطل أو الشخصية إلا عن طريق الاشارة التي تساهم في تجسيد الدلالة التي يهدف إليها الكاتب، وهذا ما وجدناه في هذه النصوص. لم نعثر على شخصية واضحة المعالم فيزيقيا ولا نفسيا؛ ولذا ليس مستغربا أن تخلو المجموعة من أسماء محددة للأبطال، وهنا لابد أن نشير إلى اكتفاء الكاتب بذكر وظيفة البطل مثل قوله “أطلق الحكم صافرة البداية” و “أوقفني السائق” و “مات الحارس” و”رحل خولي الأنفار” و”رمى السجينتين” و”كتب الأستاذ” و”أخبرنى الرجل الطاعن في السن” و”مشت الحسناء” و”ماتت زوجة العمدة”… إلى آخر هذه الوظائف أو الصفات الوظيفية للبطل، وقد كان الكاتب محنّكا إذ بدأ بأفعال الحركة، متبوعة بصفات البطل الوظيفية، ما أهَّل القارئ لتصور الموضوع الذى سيطرحه الكاتب. لسنا إذن في حاجة لمعرفة اسم البطل أو رسمه، لقد أدركنا وظيفته، وذلك كاف جدا في القصة القصيرة جدا.
وإذا كان الكاتب قد استحضر البطل كشخصية نكاد نعرفها عبر وظيفتها، فإنه قد اتكأ على استحضار شخصيات لا نكاد نعرف عنها شيئا، لأنه ببساطة حدثنا عن ضمير الغائب وليس عن بطل حاضر مثل قوله “مشى متثاقلا” و”جاء وطفلته” و”وقف على الرصيف” و”رفع رأسه إلى المرآة” و”أنزلته العربة” و”ظللته سحابة” إلى آخره من النماذج التي استحضر فيها الكاتب بطلا لا نعرفه، ولا نعرف وظيفته، ببساطة لأن لا وظيفته ولا اسمه سيفيد في إدراك الدلالة.
وعلى صعيد آخر اختار الكاتب أشياء من الجمادات؛ لتكون أبطالا مثل قوله “أزعجه رنين لا ينقطع” و”تعطّل المصعد” و”رن الهاتف” و”تأخرت الطائرة” و”غابت الشمس” و”تمدّد الطعام” و”ضربه نسيم عليل” و”تمطّى البحر” و”عاندته السمكة” و”دارت المروحة”… إلى آخره من النماذج التي ارتأى الكاتب أن يبدأ قصته بها من حيث هي جمادات غير عاقلة، ودلالة ذلك أن الكاتب يتساوى عنده أن يكون البطل إنسانا أو جمادا ما دام نظره وتركيزه منصبٌ على الحدث الذى ستتولد منه الدلالة النهائية.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن القصة، تكاد تكون قد حددت موضوعها بناء على وظيفة البطل أو طبيعة الجماد الذى بدأ الكاتب به قصته، فعندما يقول مثلا “ضربه نسيمٌ عليل” فليس من شك أنك تتصور شخصا ما، وقد مسّه نسيم عليل، وربما امتدّ التصور إلى حديقة غنّاء ستكون مسرحا للقصة، وربما ترتب على ذلك أنواع من الفواكه فوق أشجارها.. أليس كذلك؟
إذن كأن الكاتب نقلنا مباشرة إلى الأحداث وحدد مسرحها وأطّر موضع قصته بجملة واحدة افتتح بها نصه، إنها مهارة لاعب السيرك الذى حدثتكم عنه، يسير حافي القدمين على حبل رفيع متوازنا لا يهتز، وكذلك فعل كاتبنا بحرفية شديدة.
جدير بالذكر هنا أن القصة القصيرة جدا، تبدأ بلحظة الأزمة، التي يحددها الكاتب في مستهل قصته، لأنها -أي القصة القصيرة جدا- ليست محلا للاسترسال أو الفضفضة أو الوصف.
قلنا أن كل قصة تخلو من الحكاية لا يعوّل عليها، فإن الحكاية هي جوهر القص، فلولا الحكاية ما كانت القصص.
ونفهم أن الحكاية مستطاعة في نص طويل نسبى؛ فكيف توجد الحكاية في نص قد يكون حسابه بالكلمات وربما بالحروف ولا أقول بالأسطر والصفحات؟
الحق أن القصة القصيرة جدا لا تخلو من حكاية، لكنها حكاية مجرّدة تأتى كأنها إشارة من الكاتب للقارئ أن يتخيلها كلها بناء على هذه الإشارة، وليست الإشارة سِمَة للحكاية في القصة فقط؛ بل هي سِمَة كل ما يتعلق بالقصة القصيرة جدا.
وفى هذه المجموعة البديعة، لم يخل نص من حكاية ما، يعطينا الكاتب طرف خيطها، ونكمل نحن ما استطعنا إليها سبيلا، لكنها حكاية الإشارة وليست حكاية الإسهاب والاستفاضة، فعلى سبيل المثال في قصة “نَعْش” يقول الكاتب “بينما تنوح النساء ويمشي الرجال منكسرين، رفرف النعش فوق الأكتاف المكدودة، وأطل رأس الراقد فيه، ثم أطلق ضحكة ارتعدت لها القلوب، وامتلأت العيون بدهشة مذهلة، وبعدها أخرج لسانه وراح يصفع به وجوه السائرين، فتساقطت منه ديدان سوداء، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق”.
انتهت القصة، والقصة أوردتها مكتملة لم أختزل منها شيئا، فهل تنكر الحكاية الواضحة فيها؟ على هذا المنوال سار الكاتب في مجموعته، بحيث تحتفظ النصوص بالأدبية من ناحية لغتها ورشاقتها وتقنياتها، وتحتفظ لنفسها من ناحية أخرى بوصفها قصة من حيث أن الحكاية ركن أساسي فيها.
وهنا لا بد أن أؤكد على أمر مهم، وهو أن هذا النص الذي قرأناه معا اتسم بالتكثيف الشديد، فكلماته لم تتخط أربعين كلمة، ومع ذلك احتفظ لنفسه بكل سمات القصة، من حيث الحكاية، والسرد بلغة أدبية، وعدم الترهل والمفارقة والدهشة، فهو نص مُصفّى من شوائب الوصف الزائد، وهو مركّز بحيث يصعب أن تحذف منه كلمة، وقد ابتعد فيه الكاتب عن التقريرية والمباشرة، واكتفى بأن رسم قصته مثل لوحة ووضعها أمام الناظرين، ابتعد فيها عن الوعظ الذى يقع فيه كثير من الكتاب، عندما يبالغون في تلخيص الدلالة.
والسؤال الآن، كيف يختار الكاتب حكاية قصته؟ كيف يقتنص اللحظة والحدث الذي يجعل منه قصة مشحونة بالدلالة؟
الحق أنني أردت أن أبدأ بهذا الأمر في مستهل مقالتي لأهميته الشديدة؛ لكن استلبنا الحديث عن المقارنة بين الأنواع السردية النثرية الثلاثة، وها قد حان الحديث عن الكاتب البرجماتى النفعي، نعم فالكاتب قد يسهل عليه كتابة عمل روائي أو قصصي وقد يستغرق منه أوقاتا كثيرة، ولكنه في هذه الفترات لا يفوّت الفرص السانحة في التقاط المواقف المدهشة، والأحداث الملفتة، فكاميرا رأسه لا تتوقف عن العمل، ولأن المواقف والأحداث التي يراها بل والأفكار والقضايا التي تلح عليه ويريد التعبير عنها، أقول لأن كل ذلك لا يستطيع أن يخلق منه رواية أو قصة قصيرة تقليدية. فإنه يلجأ إلى ذلك النوع الأدبي الرشيق الذى يسمح له بأن يسلك هذه المواقف في عقد بديع، مختلفة ألوان حباته، ويبقى أن الكاتب عبر صياغته مثل “جواهرجى” محترف يخلق من مسحوق الذهب أو ذراته عقدا نفيسا.
إذا كانت البداية في مثل هذه النصوص شديدة الصعوبة، لأنه يتوقف عليها نجاح القصة، أو الإخفاق فيها، أقول إذا كانت البداية صعبة فإن إنهاء القصة أشد صعوبة، لأنها تتطلب من الكاتب مهارة أخرى، وهى مهارة إتقان صنع المفارقة. إن كلمة الختام أو صورة الختام التي يكتبها الكاتب هي التي تعلق بالذهن، وهى التي تستثير العقل كي يعيد بناء النص واستلهام الدلالة؛ لذا وجب أن تكون النهاية خاطفة وحاسمة وسريعة وغير متوقعة، ولنا في نهاية قصة “نعش” النموذج فقد جعل الكاتب نهايتها كالآتي “فتساقطت منه ديدان سوداء، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق”.
قد كنا نرى الميت في نعشه ونرى مشيعيه، فإذا بنا نراه يخرج لسانه وتتسافط منه الديدان، بل وتسد الطريق، هنا ينشط الخيال وتتصارع الأسئلة في رءوس القراء. وتتشكل الدلالة بمعان مختلفة تبعا لتأويل كل قارئ.
ووثيق الصلة في القصة القصيرة جدا التقنيات التي يعمل من خلالها الكاتب وعلى رأس هذه التقنيات تأتى فكرة الثنائية الضدية الثنائية المكانية والزمنية وثنائية الاصل والصورة، والشكل والمضمون، والخير والشر. هذه التقنية التي يتكئ عليها كل كُتّاب القصة القصيرة جدا، من أجل إيجاد المفارقة التي تتشكل باللعب بالثنائية الضدية.
قد يظن القارئ أن القصة القصيرة جدا بوصفها نصا صغيرا وفكرة واحدة وقضية واحدة وعقدة واحدة، قد يظن القارئ أن مثل هذا النوع غير قادر على معالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية، وأنا أسارع فأنفى نفيا تاما مثل هذه الاتهام وإليك هذا النص بعنوان “كرة” “أطلق الحكم صافرة البداية، لكن اللصوص الذين تسللوا بين المتفرجين سرقوا كل الكرات الموجودة في الملعب، كانت مباراة حاسمة ولابد من أن تُلعب، فأغمض اللاعبون عيونهم وراحوا يجرون في اتجاهين متعارضين، سقط بعضهم متألما، وبعضهم نادى متلهفا؛ كي تصل إليه الكرة فيودعها المرمى الخالي، وآخرون رفعوا علامة النصر بالفوز المبين، بينما المدرجات تضج بتشجيع يرج الأرض، ويُجرِى السحاب”.
انتهى النص الذى يحتاج إلى تأويلات كثيرة، ولست أشك لحظة أن يوافق أحد هذه التأويلات قضية كبرى، قضية إنسانية مثل قضية الجبر والاختيار، مثل قضية الفساد المستشري مثل قضية عبثية الحياة، إذن فرغم قصرها إلا أنها ناقشت قضية كبيرة.
لست في حاجة إلى الإشارة إلى لغة الكاتب البسيطة -وليست السطحية- بسيطة بحيث يفهمها معظم من يقرأ، وهي عميقة في الوقت ذاته بحيث لا يستطيع تأويلها إلا أولى العزم من القُرّاء، ولست في حاجة إلى الإشارة أن عدد قصص هذه المجموعة الذى يقترب من الستين بعد المئة، وهو عدد لو تعلمون كبير، ومع ذلك تستطيع الانتهاء من هذا العدد في بضع سويعات، ولست في حاجة إلى التنبه إلى أن كل نص يحتاج إلى قراءة مستقلة ووقت طويل لهضمه وإعادة استلهام الدلالة، وربما إعادة بناء النص وترتيبه داخل كل نفس قارئة.





