يعتبر كتاب “رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية.. وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر”، للمفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، رحمه الله، الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، عام 1997- من الأعمال التي تسعى إلى تقديم قراءة جديدة للعلاقات بين الإسلام، العروبة، والواقع الدولي المتغير.
في هذا الكتاب، يحاول الأنصاري إعادة صياغة العلاقة بين العروبة والإسلام من منظور مختلف عن الفهم التقليدي، ويطرح أفكارا جديدة حول كيفية تعامل الأمة الإسلامية مع التحديات العالمية.
والملاحظ، أن هذا الكتاب الذي يجمع بين الطرح السجالي والطرح المعرفي لأبرز القضايا العربية والإسلامية، التي شغلت الرأي العام في اللحظة التاريخية التي أنهى بها القرن الفائت أيامه.. هذا الكتاب، يبدأ فيه المؤلف بتأطير فكري لمعاصرة إسلامية، تنطلق من رؤية قرآنية للمتغيرات العالمية؛ لتصل إلى مفهوم الإسلام للعقل والسنن (القوانين) الكونية، التي تحكم الوجود والتاريخ، وتؤثر في مصائر الحضارات والأمم.
العروبة والإسلام
من هذه الرؤية القرآنية، ينتقل المؤلف إلى رصد بواكير الهجمة على الهوية العربية الإسلامية بصيغها المتباينة، ثم يتناول الصلة بين الإسلام والعروبة بمنظور مختلف، منتهيا برسم “المثلث الحتمي للنهضة”، الذي لا يمكن إن يكون إلا بأضلاعه الثلاثة الملتقية: الإسلام، العروبة، العصر، في مندمج عضوي واحد.
بعبارة أخرى، الأنصاري في هذا الكتاب يسعى إلى تقديم قراءة شاملة للمتغيرات الدولية وتأثيرها على الأمة الإسلامية من منظور قرآني؛ وهو هنا يعتمد على القرآن بوصفه نصّا مؤسسا لتقديم رؤية مستقبلية لكيفية تعامل العالم العربي والإسلامي مع المتغيرات الدولية. بل ويطرح في هذا السياق أسئلة مهمة تتعلق بالعلاقة بين العروبة والإسلام، وما إذا كانت هناك ضرورة لإعادة النظر في هذه العلاقة بما ينسجم مع متطلبات العصر.
وينطلق الأنصاري من واقعية القرآن الكريم في النظر إلى الشئون الطبيعية والكونية والإنسانية؛ حيث يرى إن هذه الواقعية تتمثل في التقرير القرآني بالتنوع والتعدد والاختلاف في واقع البشر، وذلك اعتمادا على تدبر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾ [الروم: 22]. وبالرغم من هذا القانون الإلهي، في اختلاف الألوان والألسن، إلا أن الله سبحانه، كما يؤكد الأنصاري، اختار من بين كل اللغات والألسنة “اللغة العربية لتكون الوعاء الأمين، الذي يحمل الحقيقة الإلهية الكونية القرآنية إلى الإنسانية كلها”؛ مُشيرا إلى أن “لابد أن ذلك تم لحكمة تتصل بطبيعة الرباط الوثيق بين الحقيقة القرآنية والحقيقة اللغوية العربية”، حسب تعبيره.
والواقع أن الأنصاري في هذا، كان قد اعتمد على قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٭ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 27-28]، ليصل إلى هذه النتيجة، التي مؤداها “لنتأمل في صفتي القرآن هنا، والترابط بينهما -أي بين هاتين الصفتين- “عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ”…”.
في هذا الإطار، يسعى الأنصاري إلى إعادة التفكير في العلاقة بين العروبة والإسلام، وهي العلاقة التي طالما كانت محط نقاش كبير في الفكر العربي والإسلامي. الأنصاري يقدم وجهة نظره بأن العروبة والإسلام ليسا مفهومين متعارضين، بل يمكن أن تكون العلاقة بينهما علاقة تكاملية، إذا أعيدت صياغتها بشكل ينسجم مع متطلبات العصر.
التأصيل القرآني
والأنصاري، في دعوته هذه، يستند إلى القرآن الكريم لتأسيس علاقة مختلفة بين العروبة والإسلام، مشيرا إلى أن القرآن يتضمن إشارات إلى أن الإسلام جاء ليخدم البشرية جمعاء، وليس حِكرا على أمة أو شعب معين. ومن هذا المنطلق، يعتقد الأنصاري أن الإسلام يتجاوز الحدود العرقية والجغرافية، لكنه في الوقت ذاته يعزز دور العروبة كحامل للغة القرآن الكريم.
لذلك، ينتقد الأنصاري الفهم التقليدي الذي يرى أن العروبة والإسلام في حالة صراع أو تناقض؛ ويرى أن هذا الفهم قد أدى إلى تقسيم الأمة العربية والإسلامية، بما جعلها غير قادرة على التعامل مع التحديات الحديثة. ويعتبر أن هذا الفهم ضيق الأفق، ويتطلب إعادة النظر فيه في ظل التحولات العالمية. ومن ثم، يرى الأنصاري أن العروبة والإسلام يجب أن يُنظر إليهما بوصفهما عناصر متكاملة تعزز بعضها البعض؛ فبينما تمثل العروبة الإطار الثقافي واللغوي للأمة العربية، يقدم الإسلام الأساس الروحي والقيمي لها. وبهذا، يدعو الأنصاري إلى بناء رؤية جديدة تقوم على فهم مشترك لهذين العنصرين وليس على الفصل بينهما.
ويدعو الأنصاري إلى تحديث الفكر العربي والإسلامي بما ينسجم مع المتغيرات الدولية؛ حيث يرى أن العلاقة بين العروبة والإسلام يجب أن تقوم على أساس علمي وعقلاني، يأخذ في الاعتبار التحديات التي يواجهها العالم العربي في ظل العولمة والتطور التكنولوجي.
مثلث النهضة
يؤكد الأنصاري على أن “كلمة السر في النهضة تتلخص في: الإسلام، العروبة، العصر في مندمج عضوي واحد؛ وإذا سقطت أية كلمة من هذه الكلمات الثلاث، سقطت الصيغة كلها بوصفها مشروعا لإنقاذ الأمة في لحظتها التاريخية الراهنة”، بحسب قوله. بل ويزيد التأكيد تأكيدا بأن “هذا هو الخيار الوحيد المتبقي -بعد أن أخفقت محاولة الرد التقليدي المتحجر والرد العصراني المتغرب- فلم تبق إلا صيغة الأصالة المستنيرة والمتطورة، في نطاق المثلث الحتمي للنهضة، بأضلاعه الثلاثة”.
ويقدم الأنصاري تحليلا لأهم العوامل التي يعتقد أنها تشكل أساس النهضة العربية والإسلامية؛ حيث يرى إن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال فهم متكامل يجمع بين الإسلام والعروبة والاستفادة من معطيات العصر الحديث.
فالإسلام، في رؤية الأنصاري، هو العنصر الأساسي للنهضة؛ من حيث إنه يشكل الأساس الروحي والقيمي الذي يجب أن تقوم عليه هذه النهضة. ومن هنا فالإسلام ليس مجرد دين، بل هو أيضا منظومة قيمية وأخلاقية يمكن أن تُسهم في تطوير المجتمعات العربية والإسلامية. لكن الأنصاري يشير -في الوقت نفسه- إلى أن هذه القيم تحتاج إلى إعادة تفسير في ضوء الواقع الحالي، بما يشتمل عليه من تحديات متعددة.
أما العروبة، فيراها الأنصاري إطارا ثقافيا للنهضة يمكن أن يوحد المجتمعات العربية؛ فاللغة العربية والتراث الثقافي العربي يشكلان -في نظره- العناصر المشتركة التي يمكن أن تساهم في تعزيز الهوية الجماعية وتحقيق النهضة. ومن ثم، يدعو إلى تعزيز هذا الإطار الثقافي من خلال التفاعل مع الإسلام بطريقة إيجابية.
ثم يأتي العصر عنصرا محوريا، في رؤية الأنصاري للنهضة؛ فالعصر الحديث بما يحمله من تحديات ومتغيرات دولية هو العنصر الثالث في المثلث الحتمي للنهضة عند الأنصاري؛ فهو يعتقد أن التفاعل مع العصر يتطلب من الأمة العربية والإسلامية أن تتبنى الحداثة والتكنولوجيا والعلم بوصفها أدوات للتقدم. وفي هذا السياق، يدعو الأنصاري إلى الانفتاح على الفكر الحديث والاستفادة من التجارب الدولية في مجالات الاقتصاد، السياسة، والتعليم.
أما في ما يتعلق بالعلاقة التفاعلية بين العناصر الثلاثة للنهضة، يُشير الأنصاري إلى أن أي مشروع نهضوي يجب أن يكون مبنيًا على التوازن بين هذه العناصر الثلاثة: الإسلام، العروبة، والعصر؛ مؤكدا أنه بدون هذا التوازن، ستكون النهضة غير مكتملة.
وختاما، يُعد كتاب “رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية” من الأعمال الفكرية التي تسعى إلى تقديم رؤية جديدة للعلاقة بين الإسلام والعروبة والعصر الحديث. محمد جابر الأنصاري، في هذا الكتاب، يحاول بناء مشروع نهضوي يعتمد على التفاعل بين عناصر ثلاثة، هي الإسلام والعروبة والعصر؛ مستندا -في ذلك- إلى النصوص القرآنية لتبرير التفاعل والتوازن في ما بينها.
ولذا، يحق للأنصاري أن ينتقد التيارات التي تحاول إقصاء أحد هذه العناصر من المشروع النهضوي العربي والإسلامي، سواء كانت التيارات الدينية المتشددة التي ترفض العصر، أو التيارات العلمانية التي ترفض الإسلام، أو القوميين الذين يرفضون الدين بوصفه عاملا مركزيا.






