خلال شهر أغسطس الجاري، انطلق علي لاريجاني في أولى جولاته الخارجية بعد تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني؛ حيث شملت الجولة زيارة إلى العراق (11 أغسطس)، ثم إلى لبنان (13 أغسطس). كل زيارة جاءت في ظل ظروف متوترة: في العراق تصاعد الجدل حول قانون الحشد الشعبي، وسعي الدولة لبسط سيطرتها الأمنية؛ وفي لبنان كانت النقاشات حول حصر السلاح بيد الدولة تهدّد وجود حزب الله العسكري. في الوقت نفسه، شهد القوقاز توقيع اتفاق سلام أميركي-وسيط بين أرمينيا وأذربيجان، أدى إلى وجود أمريكي واستراتيجي قد يمتد حتى حدود إيران الشمالية، ما زاد من إحساس طهران بالتضييق والإحاطة.
فما دوافع هذه الجولة، خاصةً أنها تأتي بعد أيام من تسلم علي لاريجاني مهام منصبه الجديد؟
سلاح الفصائل
يُمثل ملف “حصرِ السلاح بيد الدولة” في كلٍّ من العراق ولبنان، أهمَّ وأبرزَ الدوافعِ التي حملت لاريجاني إلى بيروت وبغداد. فمنذ فترة، بدأت بعض القوى السياسية في البلدين تُطالب صراحة بضرورة تسليم الفصائل المسلحة سلاحها إلى الجيش الوطني، بما في ذلك “الحشد الشعبي” في العراق، و”حزب الله” في لبنان.
هذا المطلب، وإن كان يبدو داخليا، إلا أنه يُمثل “خطّا أحمر” بالنسبة لإيران. فالسلاح ليس مجرد أداة عسكرية لهذه الفصائل، بل هو أساس نفوذها، وأحد أهم أذرع إيران في المنطقة. فالحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، يُشكلان “درعا” لإيران، يُستخدم لتهديد الخصوم، وللتدخل في الشئون الإقليمية.
ولاريجاني، من خلالِ زيارتِه، أراد أن يُؤكد على الموقف الإيراني الرافض لأي محاولة لنزع سلاح هذه الفصائل. فالرسالة الإيرانية واضحة: “سلاح المقاومة” هو جزءٌ لا يتجزأُ من أمن العراق ولبنان، ووجوده ضروري لمواجهة “المخاطر الخارجية”. ولكنَّ هذا الموقف يُؤدي إلى تعقيد المشهد في البلدين، ويُضعف من سلطة الدولة، ويُعرضهما لمزيد من الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية.
المأزق الاستراتيجي
أيضا، لا يمكنُ فصل ملف “حصر السلاح” عن “المأزق الإستراتيجي” الذي تواجهه إيران. فبينما كانت طهران تُركز جهودها على العراق ولبنان، وتعمل على تعزيز نفوذها فيهما، شهد محيطها الإقليمي تطورات خطيرة تُهدد أمنها القومي. ولعل أبرز هذه التطورات هو الاتفاق الذي أبرم بين أرمينيا وأذربيجان، والذي أتاح تمدد الحضور الأمريكي والأطلسي حتى حدود إيران الشمالية. تُنظر طهران إلى هذا الاتفاق على أنه جزء من “حلقة تطويق” تُحاك ضدها، ويُشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
هذا التطور، يُضاف إلى التهديدات الأخرى التي تواجهها إيران من الجنوب، سواءً من العقوبات الدولية، أو من التوترات في الخليج العربي. فإيران تجد نفسها محاصرة من الشمال والجنوب، وتُحاول أن تُحافظ على نقاط قوتها الوحيدة، وهي “شبكة وكلائها” في المنطقة، التي يُعد الحشد الشعبي وحزب الله أحد أهم أعمدتها.
ولاريجاني، من خلال جولته، أراد أن يُرسل رسالةً قويةً للداخل والخارج، مفادها أن إيران لن تُفرط في أوراق قوتها، وأنها ستُقاوم أي محاولة لنزع سلاح حلفائها، حتى لو كان ذلك على حساب استقرارِ الدول التي تُؤويهم.
إذ، لا يمكن فصل جولة لاريجاني عما تتعرض له إيران من مأزق استراتيجي؛ حيث إن هذا التمدد الأمريكي ونفوذه في القوقاز يمس أمن إيران الجيوسياسي، ويعزز قدرة الغرب ومستوى الضغط عليها، ما يجعلها أمام محجة مزدوجة: من جهة تحاول إحكام السيطرة جنوبا عبر الحشد الشعبي وحزب الله، ومن جهة ثانية تجد نفسها أمام تطويق أوروبي – أميركي شرقيا وشماليا.
عوامل اقتصادية
بالطبع، لم يذهب لاريجاني إلى بغداد وبيروت بصفته مسئولا سياسيا فحسب، بل بصفته ممثلا للجهاز الأمني الإيراني الأعلى، أي مجلس الأمن القومي. هذا يعني أن أجندة الجولة كانت ذات طبيعة أمنية عملياتية، هدفها التنسيق المباشر مع القيادات السياسية والعسكرية الحليفة، ورسم خطوط تحرك لمواجهة الاستحقاقات المقبلة.
في العراق، جرى بحث سبل دعم الحشد الشعبي سياسيا وقانونيا وإبقائه قوة قائمة بذاتها؛ أما في لبنان، فقد تركزت المحادثات على تعزيز الجبهة الداخلية لحزب الله، وإفشال أي توافق داخلي أو خارجي على تسليم سلاحه.
إلا أن زيارة لاريجاني إلى بغداد لم تكن منفصلة عن السياق الاقتصادي. فمنذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، لعب العراق دور “الرئة الاقتصادية” التي تتنفس من خلالها طهران، سواء عبر التجارة المباشرة أو عبر عمليات الالتفاف على العقوبات من خلال السوق العراقية.
ويمثل العراق منفذا حيويا للمنتجات الإيرانية، ووسيطا لنقل العملات الصعبة. لذلك، فإن أي محاولة لتقليص نفوذ الميليشيات الشيعية الموالية لإيران هناك، أو إضعاف “الحشد الشعبي”، تعني من منظور طهران تهديدا مباشرا للبنية الاقتصادية المساندة لها.
أيضا، كانت هناك ملفات اقتصادية أخرى. في العراق، سعت إيران إلى توسيع التبادل التجاري وتثبيت ترتيبات مالية تحميها من تأثير العقوبات. وفي لبنان، كانت هناك محادثات غير معلنة حول إمكانية توفير دعم إيراني إضافي للبنى التحتية في مناطق نفوذ حزب الله، ما يشكل تعويضا عن نقص الخدمات الذي يستثمره خصوم الحزب سياسيا.
أما سياسيا، فقد تضمنت الجولة رسالة مزدوجة: الأولى، لحلفاء إيران، مفادها أن طهران لن تتخلى عنهم وستستثمر كل طاقتها للحفاظ على نفوذهم. الثانية، للخصوم الإقليميين والدوليين، بأن أي محاولة لتقليص الوجود الإيراني ستواجه برد فعل متعدد الجبهات.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن جولة علي لاريجاني في العراق ولبنان كانت محاولة من جانب إيران لمواجهة “مأزق استراتيجي” مُتنامٍ. فإيران تُحاصَر من الشمال والجنوب، وتُحاول أن تُمسك بآخر أوراق قوتها، وهي “شبكة وكلائها” في المنطقة.
بعبارة أخرى، تكشف زيارة علي لاريجاني إلى العراق ولبنان، في 11-13أغسطس 2025، عن مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، حيث تتقاطع الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية في معادلة معقدة. العراق ولبنان يمثلان بالنسبة لإيران أكثر من مجرد حلفاء سياسيين؛ هما خطا الدفاع الأول جنوبا، والعمق الذي يوفر أدوات نفوذ تمتد من المتوسط إلى الخليج. لكن الضغوط المتزامنة، سواء في مشاريع نزع السلاح أو في تطويق إيران شمالا، تعني أن طهران أمام تحدٍّ غير مسبوق. في هذا السياق، يمكن النظر إلى جولة لاريجاني بوصفها جزءا من محاولة استباقية لإعادة ضبط توازن القوى قبل أن تفرض التحولات الإقليمية واقعا جديدا قد لا يكون في صالحها.








