رؤى

إسبانيا تنتفض.. من أجل غزَّة!

أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية، الثلاثاء، إلغاء صفقتين عسكريتين مع شركات إسرائيلية بقيمة إجمالية تبلغ قرابة مليار يورو، في أحدث خطوة ضمن سلسلة إجراءات عقابية ضد تل أبيب بسبب جرائمها في قطاع غزة.

وأفادت وكالة “إفي” الرسمية بأن الصفقتين شملتا: 700 مليون يورو لشراء صواريخ “سيلام” عالية الحركة من تحالف شركات “EM&E” الإسرائيلية. 287.5 مليون يورو لشراء 168 صاروخا من طراز “سبايك إل آر” المضاد للدبابات من شركة “رافائيل” الإسرائيلية.

وأكدت الوزارة أن القرار يأتي في إطار خطة معلنة لقطع الروابط العسكرية والتكنولوجية مع إسرائيل، رفضا للإبادة الجماعية في غزة، وتماشيا مع الموقف السياسي الذي أعلنته الحكومة الإسبانية مؤخرا.

كانت إسبانيا قد شهدت خلال الشهر الجاري احتجاجا شعبيا على مشاركة فريق “Israel-Premier Tech”، في سباق الدراجات الدولي La Vuelta ما أدى إلى تقصير مراحل وإلغاء المرحلة الختامية في مدريد، مع استنفار أمني ضخم.

لم يفوِّت بيدرو سانشيز الفرصة، وأشاد بالاحتجاج واعتبره “مثالا مشرفا” على التزام المجتمع الإسباني بالعدالة، مع تأكيد احترامه للرياضيين.

تصريح رئيس الحكومة أعطى دفعة قوية للشارع الإسباني، وضوءا أخضر للتحرك ضد الكيان الصهيوني في المجال الرياضي.. طرق سانشيز الحديد وهو ساخن، وأعلن في حديث له أمام أعضاء الحزب الاشتراكي، الذي ينتمي إليه، إنه يتعين حظر مشاركة إسرائـيل، تماما مثل روسيا، في الفعاليات الرياضية الدولية بسبب حملتها العسكرية ضد غزة.

وأضاف سانشيز: “حتى تنتهي تلك الهمجية، لا ينبغي مشاركة روسيا أو إسرائـيل في أي منافسات دولية”.

وقال سانشيز: “ينبغي على المنظمات الرياضية أن تفكر فيما إذا كان أخلاقيا أن تستمر إسرائـيل في المشاركة في المنافسات الدولية. فلماذا طُردت روسيا بعد غزوها لأوكرانيا ولم تطرد إسرائـيل بعد غزوها لغزة؟”

هذه التصريحات منحت الشارع الإسباني شرعية معنوية، وأكدت أن الميدان الرياضي قد يصبح مساحة مقاومة رمزية تعبر عن غضب المواطنين من السياسات الإسرائيلية.

لكن الداخل الإسباني انقسم بعد هذه التصريحات.. فالمعارضة المحافظة وصفت المشهد بـ”المخزي”، وانتقدت الحكومة لتشجيعها “الفوضى”.

دولة الاحتلال ساءها كثيرا ما فعله سانشيز.. فجاء الردّ حادا؛ ويفتقر إلى اللياقة إذ وصف وزير خارجية الكيان المؤقت جدعون ساعر، سانشيز وحكومته بأنهم “عار على إسبانيا”.

على الفور استدعت الخارجية الإسبانية القائم بالأعمال “الإسرائيلي” للاحتجاج، ما أكد أن الأزمة تجاوزت الإعلام إلى المواجهة الدبلوماسية الحقيقية.

كما أعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها من أن إسبانيا “تدير ظهرها لإسرائيل”، معتبرة الخطوات الإسبانية دعما غير مباشر لما تصفه بـ“الإرهاب”.

لم تحذُ إسبانيا حذو كثير من دول العالم، خاصة دول المنطقة العربية.. فلم تكتف بالإعراب عن قلقها إزاء الجريمة ضد الإنسانية التي ترتكبها دولة الاحتلال في القطاع.. انطلقت سريعا إلى إلغاء العقود العسكرية الضخمة، ومنع الموانئ الإسبانية من استقبال سفن العدو، وإغلاق المجال الجوي أمام طائراته، غير عدد من الإجراءات الاقتصادية والسياسية، بلغت حزمة العقوبات تسعة قرارات.

ثم انتقلت للمواجهة مع الكيان الصهيوني في الفعاليات الثقافية الكبرى، ووقف التعاون الأكاديمي بين الجامعات الإسبانية، وجامعات الكيان، ثم أخيرا في المجال الرياضي، وهو بالتأكيد ليس المجال الأخير.

هذه الخطوات لم تكن متفرقة أو عشوائية، بل شكلت مسارا متصاعدا ومدروسا، يعطي القدوة والمثل لكل الحكومات الحرّة التي تريد أن تقف -على وجه الحقيقة- إلى جانب الحق، في مواجهة الإجرام الصهيوني غير المسبوق.

بعد هذه المواقف المُشرّفة يحلو للبعض تذكّثر الماضي السحيق، حين كانت شبه الجزيرة الأيبيرية، عربية لنحو من ثمانية قرون.. شهدت فيها البلاد حضارة  لم تعرفها من قبل.. ما حدا بكثير من الباحثين الإسبان إلى وصف ما يسمى في الثقافة الإسبانية بـ”الاسترداد” بالكذبة الكبرى!

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى