منذ حوالي أربعة أسابيع، وفي خطوة لافتة تعكس حجم المشكلات الأمنية التي تواجه شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، وقّعت الجزائر وتونس، في السابع من أكتوبر 2025، اتفاقية تعاون دفاعي جديدة تهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون الأمني والاستخباراتي.
وجاءت الاتفاقية خلال زيارة وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي إلى الجزائر، حيث التقى نظيره الجزائري الفريق السعيد شنقريحة، وعددا من القادة العسكريين، في زيارة وُصفت بأنها “تاريخية” من حيث رمزية التوقيت وشمولية البنود.
هذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها تأكيدا لمتانة العلاقات “الجزائرية – التونسية”، إلا أنها تحمل في باطنها أبعادا استراتيجية أعمق تتصل بإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة المغاربية، في وقتٍ تتزايد فيه مؤشرات التفكك داخل الفضاء المغاربي، وتتصاعد التهديدات القادمة من الجنوب.
الأبعاد الاستراتيجية
تمثل الاتفاقية تحولا في طبيعة التعاون العسكري بين الجزائر وتونس، من مستوى التنسيق الثنائي إلى مستوى الشراكة الأمنية المتكاملة. ويبدو أن الجزائر وتونس اختارتا هذا التوقيت بعناية، بالنظر إلى جملة من المعطيات الإقليمية والدولية التي دفعت إلى تسريع مسار هذا التفاهم الدفاعي.
أول هذه الأبعاد، يتمثل في “العمق الجغرافي المشترك”.. فالبلدان يتقاسمان حدودا تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، أغلبها مناطق وعرة وجبلية، استخدمتها التنظيمات المتطرفة، مثل “كتيبة عقبة بن نافع” و”المرابطون”، خلال العقد الماضي، ممرات للتهريب ونقاط للتمركز. ومن هنا، فإن بناء تنسيق دفاعي متطور بين البلدين يُعد ضرورة استراتيجية لضمان أمن الحدود وضبطها في وجه التحديات المشتركة.
البعد الآخر، يتعلق بـ”الدور الجزائري” المتنامي إقليميا.. فالجزائر منذ سنوات تحاول استعادة دورها بوصفها قوة إقليمية محورية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، من خلال الانفتاح على النيجر ومالي وتشاد، وتعزيز حضورها في القارة الأفريقية، عبر آليات مثل “المبادرة الأفريقية للوساطة في الساحل”. ومن هنا، فإن الاتفاقية مع تونس تُعد جزءا من مشروع أوسع لإقامة “حزام أمني مغاربي – ساحلي” تحت القيادة الجزائرية، بما يمنح الجزائر عمقا استراتيجيا جديدا نحو الشرق.
في المقابل، تنظر تونس إلى هذه الاتفاقية باعتبارها “ضمانة أمنية واقتصادية”، في مرحلة تتسم بالهشاشة السياسية الداخلية، والتحديات الاقتصادية الخانقة؛ فهي تدرك أن الحفاظ على الاستقرار الأمني لا يمكن أن يتحقق دون دعم الجار الجزائري، خاصة في ظل تضاؤل حضور الشركاء الغربيين، وتراجع اهتمام الاتحاد الأوروبي بملفات أمن شمال أفريقيا لصالح أولوياته في أوكرانيا والبحر الأسود.
الأهداف والتوقيت
لا يمكن فصل توقيت التوقيع على هذه الاتفاقية عن المشهد الأمني والسياسي، الذي تعيشه المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. فمنذ منتصف عام 2025، تصاعدت التوترات في “الجنوب التونسي” و”الشرق الجزائري”، مع رصد تحركات لعناصر مسلحة تنشط عبر الحدود “الليبية – التونسية – الجزائرية”؛ إضافة إلى زيادة وتيرة تهريب الأسلحة والمهاجرين من منطقة الكفرة الليبية نحو الجنوب التونسي.
إزاء هذا الواقع، جاءت الاتفاقية لتعزز “قدرات الردع” و”التدخل المشترك”، من خلال تطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم مناورات عسكرية دورية، وتبادل الخبرات في مجالات مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة. وتشير بعض المعلومات، الصحافية، إلى أن الاتفاقية تتضمن أيضا “إنشاء لجنة دفاع مشتركة” تتولى تنسيق الجهود الميدانية، وتقييم المخاطر الأمنية في المناطق الحدودية بصورة دورية.
كذلك، لا يمكن تجاهل أن توقيع الاتفاقية جاء بعد “تنامي التوتر” بين الجارتين الجزائر والمغرب في شمال أفريقيا، منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021؛ فضلا عن أن ليبيا ما تزال غارقة في انقسام سياسي وعسكري يهدد استقرار جيرانها. وبالتالي، فإن الجزائر تسعى من خلال الاتفاقية إلى “تثبيت نفوذها” في تونس، وإبعادها عن أي اصطفاف محتمل مع المحور “المغربي – الغربي”، خاصة أن بعض الدوائر الغربية كانت، وما تزال، تراهن على توسيع حضورها الأمني في تونس بحجة مكافحة الهجرة غير الشرعية.
من ناحية أخرى، يمثل هذا التوقيت فرصة لتونس من حيث “إعادة التموضع”، في ظل الأزمات المتلاحقة التي تواجهها داخليا. فالرئيس التونسي قيس سعيّد يسعى إلى توطيد العلاقة مع الجزائر لتأمين حدود بلاده الجنوبية، وللحصول على دعم اقتصادي غير مباشر عبر اتفاقيات الطاقة والتبادل التجاري. ومن ثم، يتضح أن الاتفاقية ليست مجرد تحالف عسكري، بل “رسالة سياسية” مزدوجة: من تونس إلى الداخل بأنها ليست معزولة، ومن الجزائر إلى الخارج بأنها ما تزال اللاعب الأمني الأكثر تأثيرا في المنطقة.
الانعكاسات المغاربية
تفتح هذه الاتفاقية الباب أمام تحولات مهمة في “الخارطة الأمنية” المغاربية.. فمن جهة أولى، تُكرّس الجزائر موقعها بوصفها “مرجعية أمنية” في شمال أفريقيا، خاصة بعد أن أصبحت شريكا رئيسا لدول الساحل في إدارة الحدود ومحاربة الإرهاب. ومن جهة ثانية، قد تدفع هذه الخطوة إلى إعادة إحياء النقاش حول “مستقبل الأمن الجماعي المغاربي”، خصوصا في ظل غياب فاعلية “اتحاد المغرب العربي” الذي بات إطارا رمزيا أكثر منه مؤسسيا.
لكن في المقابل، قد تثير الاتفاقية “تحفظات” لدى بعض الأطراف المغاربية، خاصة في المغرب وليبيا. فالمغرب، قد ينظر إليها باعتبارها جزءا من محاولة جزائرية لتوسيع نفوذها الإقليمي، وإعادة ترتيب توازن القوى في المنطقة على حسابه. أما في ليبيا، فقد تُفهم الاتفاقية على أنها محاولة لتطويق الأزمة الليبية أمنيا من الخارج، خصوصا أن الجزائر لطالما تبنت سياسة “رفض التدخل الأجنبي” في ليبيا، وسعت إلى إدارة الملف عبر قنواتها الأمنية الخاصة.
أما على مستوى العلاقات مع القوى الدولية، فمن المتوقع أن تثير الاتفاقية اهتماما أوروبيا وأمريكيا، نظرا لما تمثّله تونس من موقع استراتيجي على المتوسط، وما تمثله الجزائر من عمقٍ أمني قياسا إلى منطقة الساحل. وقد تحاول بعض الدول الغربية، وخاصة فرنسا وإيطاليا، دعم هذا التعاون من باب “مكافحة الهجرة”؛ مع الحرص -في الوقت نفسه- على ألا يتحول إلى محور أمني مغاربي مغلق يُضعف من نفوذها التقليدي في المنطقة.
الطموح الجزائري
اللافت، أن التوقيع على الاتفاقية يتواكب مع التوجه الدفاعي المتصاعد الذي تعيشه الجزائر منذ سنوات؛ فقد حافظت الحكومة في قانون المالية لسنة 2026، على ميزانية دفاع ضخمة بلغت نحو 24 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبا “ربع” إجمالي الإنفاق العام؛ وهي النسبة نفسها تقريبا التي اعتمدتها الجزائر في موازنة عام 2025، ما يؤكد أن الإنفاق العسكري لم يعد استثناء ظرفيا تفرضه تحولات أمنية آنية، بل أصبح خيارا استراتيجيا دائما في رؤية الدولة الجزائرية لأمنها القومي ودورها الإقليمي.
والواقع، أن هذا المستوى من الإنفاق العسكري يمثل الحد الأعلى في القارة الأفريقية، ويضع الجزائر في موقع متقدم عالميا بين الدول التي تخصص نسبا كبيرة من موازناتها للدفاع، متقدمة حتى على بعض دول جنوب أوروبا والبلقان.
وتتضح العلاقة بين هذا الخيار المالي والاتفاقية “الجزائرية – التونسية” الأخيرة؛ إذ إن القدرة الدفاعية الجزائرية المتنامية تشكل ركيزة رئيسة لنجاح الشراكات الأمنية مع دول الجوار. ومن جهة أخرى، تمنح هذه القدرة الجزائر دور “الضامن الأمني” لتونس، خصوصا في ظل القيود الاقتصادية التي تعاني منها الأخيرة، والتي تحد من قدرتها على تطوير ترسانتها العسكرية أو تحديث بنيتها الأمنية.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن استمرار الجزائر في تخصيص ربع ميزانيتها للدفاع، يحمل رسائل “متعددة الاتجاهات”.. فهي “رسالة ردع” غير معلنة تجاه المغرب، الذي دخل منذ سنوات في سباق تسلّح واضح؛ و”رسالة طمأنة” لحلفائها الأفارقة الذين يعتمدون على القدرات الجزائرية في مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل؛ و”رسالة سيادية” إلى القوى الغربية بأن الجزائر تسعى إلى الاكتفاء الاستراتيجي في أمنها القومي، دون ارتهانٍ للمساعدات أو الوجود العسكري الأجنبي.








