رؤى

التجاهل الإعلامي.. لتوجه الصراع السوداني إلى الغرب

يستحق السودان لقب صاحب أكثر الحروب المنسية في العالم؛ ليس لأنها كثيرة ومتعددة وممتدة، ولا تقتصر على أقاليم محددة؛ بل أيضا لأنها معقدة وتستغرق وقتا طويلا، واللاعبون فيها يصعب تعدادهم وحصرهم، سواء بالنسبة إلى الداخل السوداني، أو تمدد صراعاته إلى مناطق جواره الإقليمي، وربما إلى تقاطعات الاستراتيجيات الدولية بشأنه في أحايين كثيرة.

ورغم أن السودان قد اعتاد على نسيان حروبه وتجاهل أزماته؛ إلا أن اللافت في الأمر، أن الحرب الهمجية التي تشنها القوات الإسرائيلية على قطاع غزة، قد ساهمت في المزيد من التغطية على ما يجري في السودان من تطورات عسكرية وتحركات سياسية. إذ بعد حوالي ستة أشهر من التركيز الإقليمي والدولي، على ماجريات الصراع بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع- نُسيَّ الصراع السوداني بتأثير مما يحدث في غزة. والواضح، أنه كما ساهم اشتعال الصراع في السودان، في سحب الأضواء الإعلامية من الحرب الروسية الأوكرانية -ولو نسبيا- فقد سحبت الحرب على غزة الأضواء من صراع السودان.

ما يلفت الانتباه، أن الساحة السودانية لم تشهد تطورات كبيرة، منذ يونيو الماضي، سواء على المستوى السياسي أو العسكري؛ لكن رغم ذلك فقد زادت حدة المعارك مجددا، خلال الأسابيع القليلة الماضية، خاصة منذ اندلاع الحرب على غزة؛ حيث دُمّر جسر رئيس في الخرطوم، وتمكنت قوات الدعم من انتزاع السيطرة على قاعدة جوية تابعة للجيش جنوبي الخرطوم، منذ أيام.

إضافة إلى ذلك، وهذا هو اللافت في تطورات الصراع، أن قوات الدعم قد استطاعت السيطرة على مدن جديدة في دارفور، خاصة مدن نيالا والجنينة وزالنجي، وسط احتمالية التقدم إلى مدينة الفاشر.

وتُمثل الخطوة الأخيرة تحديدا، سياقا مختلفا للصراع العسكري، الذي بدأ منذ منتصف أبريل الماضي، ويدخل حاليا الشهر الثامن له. وبالتالي يبدو أن مثل هذا التطور في ماجريات الصراع السوداني، وتزايد حدة المعارك في إطاره، إنما يُشير إلى عدد من الأهداف التي يحاول كل من طرفي الصراع تحقيقها، من منظور محاولة نقل الصراع إلى دارفور.

وبالتالي، يثور التساؤل حول “مغزى التوقيت” في انتقال الصراع، أو نقله بالأحرى، إلى إقليم دارفور، خاصة أنه يأتي في توقيت تتصاعد فيه الدعوات إلى “التخلص من دارفور”؛ وانفصالها، أو فصلها مع الحمل الذي أصبح ثقيلًا بالنسبة إلى أصحاب هذه الدعوات، الدعم السريع.

بالنسبة إلى قوات الدعم السريع، فهي تستهدف الارتكاز على “الانتماء القبلي” فهذه القوات من حيث إنها عناصر غير نظامية، تجمعها الانتماءات القبلية، فضلا عن بعض تكويناتها من دول جوار السودان، وتحديدا من القبائل الدارفورية الممتدة على جانبي الحدود بين السودان وهذه الدول، وفي مقدمتها قبيلة الرزيقات، التي ينتمي إليها محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم.

والملاحظ، رغم عدم وجود أي تمرد مُعلن من جانب عناصر الجيش السوداني، فإن هناك الكثير من ضباط الجيش الذين ينتمون إلى القبيلة نفسها، قبيلة الرزيقات، بما يدعو قوات الدعم إلى عدم التخوف من وجود هؤلاء الضباط ضمن صفوف الجيش السوداني، باعتبار أن الانتماء القبلي ما يزال هو الأقوى في السودان، خاصة في حالة حدوث أي تراجع في موقف الدعم السريع أمام الجيش.

أضف إلى ذلك، أن من دوافع قوات الدعم في إشعال معارك في دارفور، هو منع الجيش من إغلاق الحدود مع ليبيا وأفريقيا الوسطى، لضمان تدفق الإمدادات العسكرية واللوجيستية من الداعمين الدوليين والإقليميين أيضًا؛ بما يعني أن الحرب في دارفور ليست مقصودة في ذاتها، من منظور الدعم السريع، بقدر ما يتمثل الهدف منها في الإبقاء على خطوط الإمداد من خارج السودان مفتوحة.

ولعل ذلك يتواكب مع اتضاح صعوبة استيلاء الدعم السريع على السلطة، و”الضعف النسبي” لموقفها العسكري بالنسبة إلى الجيش في مدن العاصمة السودانية الثلاث، وخاصة في الخرطوم؛ حيث تحاول قوات الدعم الحفاظ على بعض مكتسباتها وتحسين وضعها التفاوضي، في حال الدخول في محادثات مع الجيش، وذلك من خلال الانتقال إلى الحاضنة الاجتماعية والقبلية في دارفور.

أما بالنسبة إلى الجيش السوداني، فهو يستهدف تحقيق أكثر من هدف؛ إذ يبدو أن محاولة نقل الصراع إلى دارفور تأتي في اتجاه تخفيف الضغط على العاصمة؛ وفي الوقت نفسه، استغلال التركيبة القبلية والعرقية للإقليم في توجيه مسار الصراع الدائر حاليا، حيث إن جنرالات الجيش يحاولون استقطاب القبائل الأفريقية إلى جانب القوات المسلحة، لإضعاف حواضن الدعم السريع من القبائل العربية، التي ينتمي إليها أغلب مقاتلي الدعم.

أضف إلى ذلك، أهمية إقليم دارفور الجيوسياسية؛ فإضافة إلى التماس الحدودي الداخلي، بين إقليم دارفور وجنوب كردفان، حيث تقع حقول النفط السودانية الرئيسة؛ فإن الإقليم – بتداخلاته الإثنية وامتداداته القبلية الخارجية- يُمثل تاريخيًا أحد أهم الأرقام الصعبة في أي صراع يشهده السودان، وطالما وظَّفت التركيبة القبلية لهذا الإقليم في توجيه الصراعات الداخلية السودانية.

أضف إلى ذلك، ما تُمثله القبائل الأفريقية في دارفور من “قوة مُساندة” للجيش؛ إذ رغم أن بعض القبائل العربية، وجزءًا كبيرًا من إثنية الرزيقات، ضمن قبائل وإثنيات دارفور، تدعم قوات الدعم السريع، بسبب انخراط نسبة كبيرة من أبنائها في صفوف هذه القوات؛ إلا أن أغلبية القبائل الأفريقية، إضافة إلى أجزاء من القبائل العربية، تقف إلى جانب الجيش السوداني. ويعود موقف القبائل الأفريقية تحديدًا، إلى انتهاكات “الجنجويد”، التي شكلت الأصل في قوات الدعم السريع، ضد هذه القبائل، خلال الحرب في دارفور، خلال الفترة من عام 2003، وحتى عام 2009.

وبالتالي، فمن مصلحة الجيش السوداني، انتقال الصراع إلى إقليم دارفور، حيث يُمكن “حصار” قوات الدعم في نطاق الإقليم، ويكون من السهولة حسم المعركة عسكريًا لصالح الجيش، خاصة أن بعض الحركات المسلحة الدارفورية، وإن كانت علانية تأخذ موقف الحياد من الصراع؛ لكنها، واقعيًا وعبر خبرتها التاريخية مع “الجنجويد”، تقف إلى جانب الجيش، من منظور أن حسم الصراع لصالح الجيش، يُقوي من موقفها أمام الدعم السريع.

في هذا السياق، يظل السؤال الأهم هو ذلك الخاص بـ”التوقيت”، خاصة أن محاولات الجيش والدعم السريع، كليهما، في نقل الصراع، أو جزء منه، إلى غرب السودان في دارفور، يمكن أن يُمثل بالنسبة إلى بعض الأطراف السودانية فرصة سانحة، لانفصال الإقليم، أو فصله بالأحرى، عن الوطن الأم، تمامًا مثلما حدث مع جنوب السودان، في عام 2011، رغم أن سيناريو انفصال الجنوب لم يحل مشكلات السودان.

هذا، فضلًا عن مدى أهمية إقليم دارفور الاستراتيجية؛ من حيث إن دارفور، التي تنقسم إلى خمس ولايات، هي منطقة شاسعة وجافة تقع في غرب وجنوب غرب السودان؛ إلا أنها، رغم ذلك، تتمتع بأهمية جيوسياسية، سواء بالنسبة للداخل السوداني، أو لدول الجوار الجغرافي للسودان؛ إضافة إلى أهميتها من حيث الموارد الطبيعية التي تحتوي عليها أراضيها.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock