رؤى

سؤال الأخلاق.. بين الحداثة الغربية والإسلام

في كتابه المرجعي “سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”، والصادر عن المركز الثقافي العربي في بيروت، عام 2000، يقدّم الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن مشروعا فكريا جريئا ومؤسِّسا. لا يكتفي المؤلف بنقد المظاهر السطحية للحداثة الغربية، ولكن يمعن في بحث جذورها الفلسفية، مبيّنا كيف أنَّ “الأزمة الأخلاقية” التي تعيشها الحضارة المعاصرة، هي نتيجة حتمية لانفصال هذه الحداثة عن “المرجعية الدينية”، واعتمادها على “العقلانية المجردة”. ويأتي الكتاب كمحاولة لإعادة بناء سؤال الأخلاق، من خلال “التراث الأخلاقي الإسلامي”، مُقدّما بديلًا يتجاوز إشكاليات النموذج الغربي.

واللافت، أن كتاب “سؤال الأخلاق”، يُعدّ واحدا من أهم مؤلفات عبد الرحمن، حيث يتجاوز فيه الطابع التنظيري إلى ممارسة نقدية مزدوجة: نقد الحداثة الغربية من داخلها، ونقد القصور الأخلاقي في الفكر الإسلامي المعاصر من داخل مرجعيته. فالكتاب يسعى إلى إعادة بناء الفلسفة الأخلاقية، على أسس مستمدة من “المنظور الائتماني”، الذي يرى أنّ الإنسان مؤتمن على الفعل والقول والمعرفة، لا مجرد كائن عاقل أو حرّ بمعزل عن المسئولية أمام الله.

مكارم الأخلاق

يبدأ عبد الرحمن بتشخيص أزمة المفهوم الأخلاقي في الفكر الحديث، ويرى أنّ جوهر الأزمة يكمن في “فصل الأخلاق عن الدين”، وهو فصلٌ أحدثَ انقساما في الوعي الإنساني بين ما هو “روحي” وما هو “دنيوي”، حتى باتت القيم تُقاس بمدى نفعها المادي أو الاجتماعي، لا بصدقها أو طهارتها أو اتصالها بالمطلق.

ينتقد المؤلف التصور الغربي الذي يحصر الأخلاق في المجال الإنساني المحض، ويجعلها نتيجة للعقل أو الاجتماع أو المنفعة؛ مؤكدا أنّ هذا التصور يُفضي إلى “عقلانية أداتية”، تُفرغ الأخلاق من معناها الغائي. فحين تُختزل الأخلاق في المنفعة، تُصبح وسيلة لتحقيق غايات خارجية، كالمصلحة أو اللذة، في حين أنّ حقيقتها في المنظور الإسلامي هي “غاية في ذاتها”، لأنها متصلة بالله، وتستمد مشروعيتها من أمره ورضاه.

ومن هنا، يقرر عبد الرحمن أنّ مكارم الأخلاق لا يمكن أن تُفهم إلا في ضوء الدين؛ لأنّ الدين يمنحها بُعدا تعبديا يتجاوز الظاهر إلى الباطن، والسلوك إلى النية. فالفعل الأخلاقي في الإسلام ليس مجرد التزام بالقانون أو العرف؛ بل هو تعبير عن الإيمان الائتماني، أي عن الشعور بالمسئولية أمام الله في كل تصرف. وبذلك تتوحد الأخلاق والعبادة في تجربة واحدة؛ فالصدق والإحسان والتواضع ليست “فضائل اجتماعية” فحسب، بل هي عبادات قلبية.

ويُبين أنّ هذا الارتباط بين الأخلاق والدين ليس عرضيا أو شكليا؛ وإنما هو “صلة جوهرية” تشكّل نسيج الوجود الإنساني نفسه. فالدين يهب الأخلاق مصدرها (الوحي)، ويمنحها معيارها (النية الخالصة)، ويوجهها نحو غايتها (رضا الله). ومن دون هذا التلازم، تفقد الأخلاق مضمونها الروحي، وتتحول إلى شكل من أشكال الانضباط الخارجي.

في مقابل ذلك، يرى الكاتب أنّ الحداثة الغربية قامت على مبدأ الاستغناء عن الدين في تأسيس الأخلاق، معتبرة أنّ العقل قادر بذاته على إدراك الخير والشر، دون حاجة إلى مرجعية متعالية. لكنّ هذا الموقف، في نظره، أدى إلى “علمنة الضمير”، أي تحويل الضمير من سلطة غيبية تراقب الإنسان من داخله، إلى سلطة اجتماعية أو قانونية تراقبه من خارجه. وهكذا، انقلبت الأخلاق إلى منظومة من القواعد النفعية التي تنظم السلوك، لكنها لا تُطهّر النفس ولا تُصلح القلب.

ويستحضر عبد الرحمن في هذا السياق التصور القرءاني لمكارم الأخلاق، حيث تُقدَّم الأخلاق باعتبارها غاية الرسالة النبوية، كما ورد في قوله عليه الصلاة والسلام: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛ لتدل على أنّ الإصلاح الأخلاقي هو جوهر الدين، لا ملحق به. فالنبوة ليست مشروعا سياسيا أو فكريا، بل مشروعا “تزكويا”، بحسب تعبيره، يستهدف تحويل الإنسان من كائن أناني إلى كائن ائتماني.

ويخلص إلى أنّ “الدين هو روح الأخلاق”، وأن الحداثة حين فصلت الأخلاق عن الدين فقدت إنسانيتها؛ فالإنسان لا يُقاس بقدر ما يُنتج من معرفة أو ثروة أو سلطة، بل بقدر ما يُزكي نفسه ويترقى في مراتب الإيمان والإحسان.

العقلانية المجردة

ينتقل عبد الرحمن إلى نقد العقلانية المجردة، التي تُعدّ من ركائز الحداثة الغربية؛ ويقصد بها تلك النزعة التي تجعل العقل معيارا وحيدًا للحقيقة، وتتعامل مع الوجود بوصفه موضوعا للفهم والسيطرة، لا مجالا للتقديس والتذوق. هذه العقلانية، في نظره، حررت الإنسان من سلطان الغيب، لكنها في الوقت ذاته قيدته بالأشياء، فصار خاضعًا لسلطة الأدوات والمنافع.

ويرى أنّ جوهر الخلل في هذه العقلانية هو غياب البعد الأخلاقي؛ فالعقل المجرد يشتغل بآليات القياس والتحليل والبرهان، لكنه عاجز عن إدراك القيم والمعاني التي لا تخضع للقياس. لذلك فإنّ الاكتفاء به يؤدي إلى نوع من “العَمَى القيمي”، حيث يصبح التقدم التقني والعلمي منفصلا عن مقاصد الخير والرحمة.

ولتوضيح فكرته، يُشير المؤلف إلى أنّ الحداثة الأوروبية، منذ ديكارت وكانط، جعلت من الإنسان “ذاتا عارفة” تواجه “موضوعا معلوما”، وأقامت بينهما جدارا من التجريد والفصل، حتى فقد الإنسان إحساسه بالانتماء الكوني والروحي. فالعقل في هذه المنظومة لا يعرف إلا من الخارج، ولا يشارك الوجود من الداخل، أي إنه “عقل منفصل لا متصل”، بينما الأخلاق تتطلب عقلًا متصلا، يعيش التجربة القيمية لا يكتفي بوصفها.

من هنا، يدعو إلى بناء ما يسميه “المعقل المؤيّد” في مقابل “العقل المجرد”. فالأول، هو العقل الذي يتغذى من الروح والإيمان، ويتوجّه نحو العمل الصالح؛ بينما الثاني، عقل منقطع عن الوحي، متورط في الأنانية والادعاء. العقل المؤيَّد، إذًا، هو عقل أخلاقي بالضرورة، لأنه يتحرك ضمن دائرة الائتمان، ويخضع لمبدإ النية والمساءلة أمام الله.

ويؤكد عبد الرحمن أنّ الأخلاق ليست قيدًا على العقل، ولكن شرط حريته؛ لأن الحرية الحقيقية لا تتحقق بالتحرر من كل قيد، وإنما بالالتزام بالواجب الأخلاقي الذي يجعل الفعل الإنساني نابعا من ضمير مسئول. فالعقل الذي لا يلتزم بالواجب الأخلاقي يتحول إلى قوة مدمّرة، كما يتجلى في سيطرة التقنية الحديثة على الطبيعة والإنسان معا.

ويضرب الكاتب أمثلة من الواقع المعاصر تُبرز نتائج العقلانية المجردة، مثل الحروب التكنولوجية، والإبادة البيئية، والتشييء الإعلامي للإنسان، معتبرا أنّ كل هذه المظاهر تنبع من غياب الضمير الائتماني، ومن تحويل العقل إلى آلة إنتاج، بدل أن يكون وسيلة تزكية. ولذلك فإنّ أخطر ما أنتجته الحداثة هو فقدان الإنسان لوجهه الأخلاقي، أي لقدرته على التعاطف والتقديس.

ولكي يتجاوز الإنسان هذه الحالة، يدعو عبد الرحمن إلى تفعيل التجربة الروحية داخل الممارسة العقلية، بحيث يصبح التفكير نفسه عملا تعبديا. فكما أنّ الصلاة تزكي الجسد والروح، فإنّ التأمل الأخلاقي يزكي العقل ويمنعه من الطغيان.

وهنا، يتجلى “البعد الصوفي” في فكر طه عبد الرحمن، حيث تلتقي المعرفة بالعبادة، والعقل بالتقوى، والفكر بالفعل.

وختاما، فإنّ “سؤال الأخلاق” ليس مجرد عنوان رمزي؛ بل هو مشروع فلسفي متكامل يرمي إلى إعادة العلاقة بين الإنسان والله والعالم على أساس المسؤولية والرحمة. فالحداثة، في منظور طه عبد الرحمن، لا تُرفض لأنها غربية؛ ولكن لأنها فقدت روحها الأخلاقية. وما يدعو إليه هو حداثة مؤمنة قادرة على الجمع بين الإبداع والائتمان، بين الحرية والانضباط، بين العقل والتقوى.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى