رؤى

العراق.. استعادة السيادة، أم إعادة تشكيل التوازنات؟

في آخر أيام العام المنقضي، أعلن العراق اقتراب تسلّم قواته المسلحة، مقر التحالف الدولي في قاعدة “عين الأسد” بمحافظة الأنبار، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتلامس جوهر معادلة السيادة، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وموازين القوة الداخلية والإقليمية. ويأتي هذا الإعلان تتويجا لمسار تفاوضي بدأ منذ سنوات، وجرى تأطيره رسميا في الاتفاق المشترك، المعلن في 27 سبتمبر 2024، والذي رسم خارطة طريق من مرحلتين لإنهاء مهام التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” داخل العراق، والتحوُّل نحو شراكات ثنائية أمنية أقل حضورا عسكريا وأكثر تركيزا على بناء القدرات.

دوافع عراقية

يمكن فهم الإعلان العراقي في ضوء مجموعة دوافع متشابكة، داخلية وخارجية.. داخليا، يواجه النظام السياسي العراقي ضغطا مزمنا من قوى سياسية وفصائل مسلحة ترفع شعار “إنهاء الوجود الأجنبي”، وتعتبر بقاء القوات الأمريكية رمزا لانتقاص السيادة، بصرف النظر عن طبيعة مهامها أو حجمها. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تسعى الحكومة إلى تقديم إنجاز سيادي ملموس يمكن تسويقه للرأي العام، خصوصا في ظل تراجع شعبية الطبقة السياسية.

كما أن المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، بعد سنوات من إعادة البناء والتدريب، باتت أكثر ثقة بقدرتها على إدارة الملف الأمني، لا سيما بعد الانحسار الكبير لتنظيم “داعش” وتحوُّله إلى خلايا محدودة التأثير. ومن ثم، فإن تسلّم قاعدة عين الأسد، بوصفها واحدة من أهم القواعد التي تمركز فيها التحالف، يحمل دلالة رمزية على انتقال العبء الأمني إلى القوات الوطنية العراقية.

خارجيا، يأتي الإعلان في سياق إقليمي بالغ الحساسية. فالعراق يحاول منذ فترة إعادة تموضعه بوصفه دولة “جسر” لا “ساحة صراع”، عبر سياسة خارجية متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران ودول الجوار العربي. وبالتالي، فإن إعلان الاقتراب من إنهاء الوجود العسكري للتحالف، يمنح بغداد ورقة تفاوضية مهمة في علاقاتها مع طهران، ويخفف من حدة الاستهداف العسكري الذي تتعرض له قواعد تضم قوات أمريكية، والذي كثيرا ما يضع الحكومة في موقف حرج.

تداعيات داخلية

على المستوى الداخلي، لا يعني تسلّم قاعدة عين الأسد نهاية الجدل حول الوجود الأمريكي؛ بل ربما يعيد إنتاجه بصيغ جديدة. فالفصائل المسلحة الموالية لإيران قد تنظر إلى الخطوة بوصفها “انتصارا جزئيا”؛ لكنها -في الوقت نفسه- قد ترفع سقف مطالبها باتجاه انسحاب كامل ونهائي، بما في ذلك أي وجود رمزي أو استشاري. وهذا يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف توازن بين التزاماتها الدولية، وحاجتها للدعم الأمني والتقني، وبين الضغوط السياسية والعسكرية الداخلية.

في المقابل، ترى قوى سياسية أخرى، خاصة تلك القريبة من الدولة ومؤسساتها، أن التحول من الوجود العسكري المباشر إلى الشراكات الثنائية يمثل مقاربة واقعية، تضمن استمرار التعاون مع واشنطن دون استفزاز الداخل. هذه القوى تخشى أن يؤدي انسحاب أمريكي كامل ومفاجئ إلى فراغ أمني أو استخباري، قد تستغله خلايا “داعش” أو قوى إقليمية لتعزيز نفوذها.

كما أن تسلّم القواعد يفتح ملف إدارة هذه المنشآت الحساسة: هل ستتحول إلى قواعد عراقية خالصة؟؛ أم ستُعاد هيكلتها لتستضيف تعاونا ثنائيا محدودا؟؛ أم ستُسلّم لبعض التشكيلات الأمنية دون غيرها؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة.

ملف السلاح

واللافت، أن الإعلان العراقي يثير تساؤلا مركزيا حول علاقته بدعوات حصر سلاح الميليشيات بيد الدولة. من الناحية النظرية، يُفترض أن استعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على القواعد العسكرية، وإنهاء الوجود الأجنبي، يعززان منطق الدولة القوية القادرة على فرض احتكارها للعنف المشروع. لكن الواقع العراقي أكثر تعقيدا.

فبعض الفصائل المسلحة بنت شرعيتها على مقاومة الوجود الأمريكي، واستخدمت هذا العنوان لتبرير احتفاظها بالسلاح خارج إطار الدولة. ومع تراجع هذا العنوان، قد تجد هذه الفصائل نفسها أمام تحدي إعادة تعريف دورها. غير أن التجربة تشير إلى أن هذه القوى لا تربط سلاحها فقط بالوجود الأمريكي؛ ولكن أيضا باعتبارات النفوذ السياسي والإقليمي، ما يجعل حصر السلاح مسألة سياسية- إقليمية بقدر ما هي أمنية.

في هذا السياق، قد تسعى الحكومة العراقية إلى توظيف إعلان تسلّم القواعد، خطوة تمهيدية لإعادة فتح ملف السلاح المنفلت، عبر القول إن الذرائع الأمنية قد انتفت. إلا أن نجاح هذا المسعى يبقى مرهونا بتوازنات القوى الداخلية، وبموقف إيران، التي ترى في بعض هذه الفصائل أدوات نفوذ استراتيجية في العراق والمنطقة.

تداعيات إقليمية

إقليميا، يحمل الإعلان رسائل متعددة. بالنسبة لإيران، يشكل تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق مكسبا استراتيجيا، حتى لو كان جزئيا، لأنه يقلل من الضغط العسكري والاستخباري على حدودها الغربية. لكنه -في الوقت نفسه- يفرض عليها مسئولية أكبر في ضبط حلفائها داخل العراق، لمنع انزلاق الوضع إلى فوضى قد ترتد عليها.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الخطوة تُراقَب بحذر. فهذه الدول ترى في الوجود الأمريكي عامل توازن في مواجهة النفوذ الإيراني. انسحاب أمريكي واسع قد يثير مخاوف من ميل الكفة لصالح طهران، ما يدفع هذه الدول إلى تعزيز انخراطها السياسي والاقتصادي في العراق لتعويض أي فراغ.

تركيا-بدورها- تتابع التطورات من زاوية أمنية بحتة، خصوصا ما يتعلق بمكافحة حزب العمال الكردستاني شمال العراق. أي إعادة لترتيب الوجود العسكري الأجنبي قد تؤثر في حساباتها، سواء عبر زيادة تنسيقها مع بغداد، أو عبر توسيع عملياتها العسكرية.

موقف أمريكي

السؤال الأهم يظل: هل ستوافق الولايات المتحدة على انسحاب عسكري كامل من العراق؟

المؤشرات حتى الآن توحي بأن واشنطن تميل إلى خيار “إعادة التموضع” لا “الانسحاب الشامل”. فالولايات المتحدة، رغم تقليص قواتها، ما تزال ترى في العراق ساحة مهمة في استراتيجيتها الإقليمية، سواء لموازنة النفوذ الإيراني، أو لضمان أمن حلفائها.

الاتفاق المعلن في سبتمبر 2024، يتحدث عن إنهاء “المهمة القتالية” للتحالف، لا عن إنهاء الوجود بالكامل. وهذا يفتح الباب أمام بقاء قوات أمريكية بأعداد محدودة، في أدوار استشارية واستخبارية وتدريبية، وربما في قواعد أقل ظهورا. مثل هذا الوجود “الرمزي” قد يكون مقبولا نسبيا للحكومة العراقية، لكنه سيظل موضع رفض من الفصائل المسلحة.

كما أن التجربة الأفغانية لا تزال حاضرة في الذهن الأمريكي. واشنطن لا ترغب في تكرار سيناريو انسحاب كامل يعقبه انهيار أمني أو عودة جماعات متطرفة، لما لذلك من كلفة سياسية واستراتيجية.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن إعلان العراق اقتراب تسلّم مقر التحالف الدولي في قاعدة عين الأسد لا يمثل مجرد خطوة إدارية، بل يعكس تحوّلا أعمق في مقاربة بغداد لعلاقتها بالولايات المتحدة، وفي سعيها لإعادة تعريف مفهوم السيادة في سياق إقليمي معقد. وبين انسحاب كامل غير مضمون، وبقاء رمزي محتمل، يبدو أن العراق مقبل على مرحلة انتقالية دقيقة، سيكون نجاحها مرهونا بقدرته على الإجابة على التساؤل: استعادة السيادة.. أم إعادة تشكيل التوازنات؟

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى