رؤى

إيران وفنزويلا.. ولعبة “الدومينو” الأمريكية الجديدة

لم يشهد العالم الحديث حدثا بهذه الجرأة والخطورة، كما حدث اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، حيث تجاوزت الولايات المتحدة كل الأعراف والقوانين الدولية، بتحويل نفسها إلى شرطي وقاضٍ ومُنفذ للحُكم في آن.

هذا الحدث لم يعد مجرد تطور في الأزمة الفنزويلية، بل تحوّل إلى سابقة دولية خطيرة، تفتح الباب أمام حالة من الفوضى العالمية، حيث تصبح سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل شأنا داخليا أمريكيا.

ومن ثم، فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تكون إيران هي المحطة الثانية في هذه الاستراتيجية الأمريكية.. الجديدة؟

اللافت، أن الحدث الفنزويلي يبدو كما لو أنه كسر السقف الرمزي الذي استقر عليه النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.

اختطاف رئيس دولة معترف بها دوليا، ونقله مع زوجته إلى الولايات المتحدة للمحاكمة، استنادا إلى “حكم قضائي أمريكي”، ليس مجرد تصعيد سياسي أو أمني؛ بل فعلٌ يؤسس لمرحلة مختلفة في تصور القوة، والسيادة، وحدود الشرعية.

ما جرى -أو ما يُفترض أنه جرى- لا يمكن قراءته بوصفه عملية معزولة في فضاء جغرافي بعيد، ولكنه “رسالة استراتيجية” مكتملة الأركان، موجهة إلى العالم بأسره، وبخاصة إلى الدول التي تُصنَّف في العقل الأمريكي “دولا متمردة” أو “خارجة على النظام”.

من هذه الزاوية، يغدو السؤال عن إيران بوصفها “المحطة الثانية” بعد فنزويلا سؤالا منطقيا، بل شبه حتمي. ليس لأن السياقين متطابقان، ولكن لأن المنهج الذي يُفترض أن واشنطن دشّنته في كاراكاس، إن صحّ، يقوم على مبدأ نقل الصراع من مستواه التقليدي -العقوبات، الحصار، الضغوط الدبلوماسية- إلى مستوى كسر الرأس السياسي للنظام المستهدف، عبر استهداف القيادة ذاتها، وتدويل محاكمتها خارج أي إطار أممي.

إدارة ترامب، في ولايتها الأولى، أظهرت ميلا واضحا إلى الحلول الصادمة، وإلى استخدام القوة لا بوصفها أداة ردع فحسب، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل الوقائع. من الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، إلى اغتيال قاسم سليماني، إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كان ثمة خيط ناظم: تقويض التوازنات القائمة، وفرض أمر واقع جديد، حتى وإن أدى ذلك إلى فوضى محسوبة. في هذا السياق، لا تبدو فنزويلا سوى مختبر، أو نموذج أولي، لاختبار حدود الرد الدولي، وقدرة الخصوم على امتصاص الصدمة.

ولكن.. إيران، مقارنة بفنزويلا، ليست دولة هامشية في النظام الدولي. هي لاعب مركزي في الشرق الأوسط، تمتلك شبكة تحالفات عابرة للحدود، ونفوذا عسكريا وأيديولوجيا ممتدا من الخليج إلى المتوسط. أي محاولة لتكرار “السيناريو الفنزويلي” معها، سواء بصيغة اختطاف القيادة أو استهداف رأس النظام، لن تكون عملية جراحية محدودة، بل زلزالا إقليميا ودوليا. ومع ذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالإمكانات، ولكن بالإرادة السياسية، وبحسابات الكلفة والعائد في العقل الاستراتيجي الأمريكي.

من منظور واشنطن الترامبية، إيران تمثل التحدي الأكثر إلحاحا: برنامج نووي قابل للتسريع، خطاب أيديولوجي معادٍ، وقدرة على إرباك المصالح الأمريكية وحلفائها دون الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة. وإذا كانت فنزويلا قد كُسرت، افتراضيا، دون أن يتحرك العالم سوى ببيانات قلق خجولة، فإن إغراء نقل التجربة إلى طهران يصبح مفهوما. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن إيران ليست معزولة بالكامل، وليست بلا أدوات رد.

التداعيات على الشرق الأوسط، في حال أقدمت إدارة ترامب – أو أي إدارة أمريكية تتبنى المنطق ذاته – على خطوة من هذا النوع ضد إيران، ستكون عميقة ومتعددة المستويات..

أولا، سنكون أمام انهيار شبه كامل لمنظومة الردع الإقليمي. الدول ستدرك أن الحماية القانونية للسيادة لم تعد قائمة، وأن القوة وحدها هي الضامن الأخير. هذا سيطلق سباق تسلح محموم، وربما يدفع دولا عدة إلى السعي لامتلاك أسلحة غير تقليدية بوصفها بوليصة تأمين.

ثانيا، ستدخل المنطقة في طور فوضى مفتوحة. حلفاء إيران، من لبنان إلى العراق واليمن، لن يقفوا متفرجين. الرد لن يكون متماثلا، لكنه سيكون واسع النطاق، وقد يأخذ شكل استنزاف طويل الأمد للقوات والمصالح الأمريكية والإسرائيلية. الخليج نفسه، الذي قد يرى بعض أنظمته في إضعاف إيران مصلحة مباشرة، سيجد نفسه في مرمى نيران غير مسبوقة، تهدد البنى التحتية للطاقة، وتضرب قلب الاقتصاد العالمي.

ثالثا، ستتآكل أكثر فأكثر فكرة النظام الدولي القائم على القواعد. إذا بات من المقبول أن تختطف دولة كبرى رئيس دولة أخرى وتحاكمه وفق قوانينها الوطنية، فإن الباب يُفتح على منطق الغاب. روسيا، الصين، وحتى قوى إقليمية صاعدة، ستجد في ذلك سابقة تبرر بها أفعالا مشابهة. الشرق الأوسط، بحكم هشاشته البنيوية، سيكون الساحة الأكثر عرضة لتجليات هذا الانفلات.

مع ذلك، لا يمكن إغفال أن السيناريو الإيراني، رغم خطورته، ليس بالضرورة الخيار المفضل لواشنطن. فالكلفة قد تفوق بكثير ما يمكن احتماله سياسيا واقتصاديا. الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، ليست في وضع يسمح لها بخوض مواجهة شاملة جديدة، خصوصا في ظل انقسامات داخلية حادة، وتحولات في موازين القوى العالمية. من هنا قد يكون التهديد بتكرار النموذج الفنزويلي جزءا من حرب نفسية، هدفها دفع طهران إلى تنازلات كبرى دون إطلاق رصاصة.

في المحصلة.. الحدث الفنزويلي، إذا ما أُخذ على محمل الجد، لا يفتح فقط ملف إيران، بل يعيد طرح سؤال أعمق: أي عالم يتشكل أمامنا؟.. عالم تُدار فيه الخلافات عبر المؤسسات والقانون الدولي، أم عالم تُحسم فيه الصراعات بعمليات خاطفة، وبمحاكمات عابرة للحدود؟

والمثير، أن الشرق الأوسط، كالعادة، يقف في عين العاصفة، لا بوصفه صانعًا للقرار، بل كساحة لتصفية الحسابات الكبرى. والسؤال الحقيقي ربما ليس: هل تكون إيران المحطة الثانية؟؛ بل: من سيكون التالي، إذا سقط هذا السقف مرة أخرى؟ وإلى أين تمضي لعبة “الدومينو” الأمريكية الجديدة؟

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى