ثقافة

خبَّاب بن الأَرَت.. الصابر المحتسب

أُسِرَ في الجاهلية، وهم من تميم.. وبيع في مكة لأم أنمار الخزاعية، فعلمته صناعة السيوف.. فكان أبرع الناس فيها. عاش بمكة إلى أن علم ببعثة النبي الأكرم، فبادر إلى الإسلام وهو في الثالثة والعشرين من عمره، فكان سادس من أسلم.. وأرادت قريش أن ترده عن دينه فنكّلت به وسامته سوء العذاب، فكان يُكوى بالحديد المحمى، وتُحمى له الحجارة ليُعذَّب بها؛ ولكنه ثبت على الإسلام، واستمسك بدينه.. فجن جنون قريش فبالغوا في تعذيبه حتى وصل بهم الأمر أن أرقدوه على النار، فما أطفأها إلى ودك (شحم) ظهره بعد أن ذاب، كما أخبر عمر بن الخطاب بعد ذلك.

روى ابن الأرت أنه لما اشتد به العذاب ذهب ومعه نفر من ضعفاء المؤمنين إلى رسول الله ﷺ، وكان متوسدا بردة له وهو في ظِلِّ الكعبة، فقالوا للنبي: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال ﷺ: “قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، ثمَّ يُؤتى بالمِنْشَارِ فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يَصُدُّهُ ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غَنَمِه، ولكنكم تستعجلون. فنزلت تلك الكلمات بردا وسلاما على قلب خبّاب، فزادته إيمانا على إيمانه وثباتا فوق ثباته.

ولخبّاب بن الأرت -رضي الله عنه- قصة مع العاص بن وائل، وكان حينها رجلا قَيْنًا (مسترقا) له على العاصِ بنِ وائلٍ دَيْنٌ؛ فأتَاه يتقاضاه فقال له العاص: لا أَقضيك حتَّى تكفُرَ بمحمَّدٍ. فقال خبَّاب: لن أكفُرَ به حتَّى تموتَ ثمَّ تُبعَثَ قال: وإنِّي لَمبعوثٌ بعدَ الموتِ سوف أَقضيك إذا رجَعْتُ إلى مالي وولدي. فنزَلتْ هذه الآيةُ “أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا” مريم (77).

ثم كانت هجرته مع الحبيب محمد ﷺ إلى المدينة، فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين تميمٍ مولى خِرَاش بْن الصمّة، وقيل: جَبرِ بنِ عَتِيك.

ويحكي خبّاب رضي الله عنه عن هجرته فيقول: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات، ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، وترك نَمِرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه، بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر(عشبة طيبة الرائحة)، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها (يقطفها ويجتنيها). ولخبَّاب -رضي الله عنه- اثنان وثلاثون حديثا، وقد روى عنه عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، ومسروق، وأبو وائل، وأبو معمر، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة بن قيس، وعدة.

في ولاية عمر، خرج خبّاب إلى الكوفة وقضى بها بقية حياته معلما وداعيا إلى الله، وكان في الثالثة والسبعين حين اشتد به المرض، وقد دخل عليه -في حالته تلك- قيس بن أبي حازم -رضي الله عنه- فقال: دخلنا على خَبَّابٍ وقد اكْتَوَى سبعَ كَيَّاتٍ في بطنه، فقال: “لَوْ مَا أَنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهانا أَنْ نَدْعُوَ بالموت، لَدَعَوْتُ بِهِ”.

وتوفي خبَّاب -رضي الله عنه- ودفن بالكوفة عام سبع وثلاثين للهجرة. رضي الله عنه وأرضاه.

وقد مرَّ الإمام علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- بقبر خباب؛ فترحم عليه وأثنى عليه بقوله: “رحم الله خبَّابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا”.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى