كما تعددت مظاهر التكريم، في قصة سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فقد تعددت أيضا أبعاد التكريم الإلهي في القصة القرءانية. لكن المسألة لم تقف عند حدود سُنة التكريم الإلهي للإنسان، حيث جعله الله سجود تحية وتكريم على اصطفاء الله سبحانه وتعالى لآدم «إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ»؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ” [آل عمران: 33].. بل، تضمنت القصة القرءانية، أيضًا، السُنة الإلهية في الابتلاء والاختبار.
مفهوم الابتلاء
الابتلاء، لغة، معناه الاختبار والامتحان، وهو سُنة إلهية كونية لا تختص بأمة دون أمة، ولا بفرد دون فرد. يقول عزَّ وجل: “ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ” [المُلك: 2]. فالخلق نفسه كان لغاية ابتلائية، ليميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب.
ومن ثم، لنا أن نتأمل كيف يحمل الأمر الإلهي بالسجود سُنة الابتلاء والاختبار؛ فالامتثال للأمر ليس مجرد تنفيذ، ولكن هو إعلان عن التسليم المطلق لله، وعن الاعتراف بحكمة الله في اصطفائه لمن يشاء. وقد امتثل الملائكة «كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ» لهذا الأمر، كما أكد القرءان الكريم في مواضع عدة؛ منها قوله سبحانه: “فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٭ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ” [الحِجر: 30-31]؛ ومنها قوله تعالى: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ…” [البقرة: 34].
لكن الاستثناء كان صادمًا: “إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [البقرة: 34]. هنا تتجلى سُنة الفجوة بين «الامتثال الجماعي» و«الانحراف الفردي»؛ فإبليس الذي كان مع الملائكة خالف الأمر الإلهي، رغم أنه خوطب به معهم.. إذ إنه خوطب خطاب الملائكة لتلبسه بأعمالهم وعبادتهم، رغم إنه «كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ»؛ ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ…” [الكهف: 50].
تجليات الابتلاء
عند تأمل سُنة الابتلاء، وتجلياتها، من خلال القصة القرءانية التي تتناول سجود الملائكة لآدم، بناءً على الأمر الإلهي.. يمكن أن نُلاحظ التجليات الثلاثة التالية:
الأول، الابتلاء للملائكة.. إذ كان الأمر الإلهي للسجود اختبارا لطاعة الملائكة وإيمانهم. ومع أنهم خلقوا لا يعصون الله ما أمرهم، إلا أن الأمر بالسجود لآدم كان اختبارا لمدى تسليمهم المطلق لله. وقد سجدوا وامتثلوا للأمر الإلهي، مما يدل على صدق طاعتهم وكمال إيمانهم.
الثاني، الابتلاء بالتكليف.. حيث إن الأمر بالسجود هو تكليف، والتكليف ابتلاء واختبار. الملائكة كلفوا بالسجود لآدم، وهذا التكليف اختبار لطاعتهم. وقد نجحوا في هذا الاختبار؛ بينما فشل إبليس، الذي أبى أن يسجد لآدم، عاصيا الأمر الإلهي: “فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٭ إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [ص: 73-74].
الثالث، الابتلاء بالتمييز.. فالابتلاء في قصة السجود كشف عن حقيقة إبليس التي كانت خفية. فقد كان إبليس مع الملائكة يعبد الله، ولكن الابتلاء أظهر ما في باطنه من كِبر وتعالى؛ يقول عزَّ وجل: “قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ” [ص: 75].
التكريم والاستكبار
هنا، لنا أن نُلاحظ كيف أن التكريم له علاقة بالابتلاء؛ فالتكريم يقتضي الابتلاء.. فمن كرَّمه الله بالاصطفاء والتمكين، ابتلاه ليكون أهلا لهذا التكريم. آدم عليه السلام كُرِّم بالسجود، ثم اُبتلي بالنهي عن الشجرة. الملائكة كُرمت بطاعتها، ثم اُبتليت بالأمر بالسجود. الابتلاء هو الثمن الطبيعي للتكريم.
فماذا إذن عن الاستكبار؟
يكشف مشهد سجود الملائكة وعصيان إبليس عن سنة الصراع الأبدي بين قيمتين: التواضع الذي يدفع للاعتراف بفضل الآخر والانقياد لأمر الله، والكِبر الذي يمنع من ذلك ويؤدي إلى الهلاك. لقد سجد الملائكة متواضعين لله، مطيعين لأمره، معترفين بفضل آدم، الذي تعلم الأسماء وأخبرهم بها؛ أما إبليس فقد استكبر ورفض.
وعندما سأله ربه: “قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ” [الحِجر: 32]، وهو السؤال الذي ورد أيضا في سورة الأعراف: “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ…” [الأعراف: 12]؛ كان جوابه كاشفًا لعقدة الكِبر.. فقد ورد جوابه مرة استنادا إلى الأصل في خلق البشر، قبل اصطفاء آدم، في الصيغة القرءانية: “قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ” [الحِجر: 33]. ثم، ورد مرة أخرى استنادا إلى المقارنة بين عنصري الخلق «نَّار.. طِين»، بين الإنسان والجن، في الصيغة القرءانية: “… قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ” [الأعراف: 12]. هنا، تتجلى سُنة خطيرة: إن الكِبر يدفع صاحبه إلى مقايسة نفسه بالآخرين بمقاييس مادية (النار أفضل من الطين)، متناسيا أن الفضل ليس بالعنصر ولا بالمادة؛ ولكن بالاصطفاء الإلهي والتكريم الرباني.
إن هذا المنطق «الإبليسي» هو منطق العنصرية البغيضة، التي ترفض الحق لمجرد أنه صدر ممن تراه، أو تتوهم أنه، أقل شأنا.. مع ملاحظة أن كثيرا ممن يظنون أنفسهم «أصحاب مفاتيح الجنة»، يستخدمونه ويتعاملون به. إنه منطق الاستكبار الذي يدفع إلى المعصية.
الاستكبار والمعصية
الاستكبار صيغة مبالغة تدل على التمادي في الكِبر والتطاول. يقول سبحانه وتعالى: “إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ” [البقرة: 34]. فإبليس لم يكتف بالإباء والامتناع، ولكن ترَّفع وتطاول وتكبر على أمر الله. وهذا الاستكبار هو مرحلة متقدمة من الكِبر، تعني بلوغ صاحبه درجة لا يقبل معها الحق ولا يذعن للأمر الإلهي.
وهنا، يكشف التنزيل الحكيم عن أن الكِبر كان مقدمة للاستكبار؛ وأن هذا الأخير كان الدافع الأقوى في معصبة إبليس.. بما يعني تدرج إبليس في المعصية عبر مراحل متعددة:
– المرحلة الأولى: الإباء والاستكبار.. حيث بدأ إبليس بالرفض البسيط للأمر الإلهي، وهذا هو المدخل إلى المعصية. وقد وصفه القرءان الكريم بـ«أَبَىٰ»، ومن بعد الإباء والامتناع يأتي الاستكبار «ٱسۡتَكۡبَرَ»؛ فهو لم يكتف بالرفض، وإنما استكبر وتكبر. وهذه الصيغة «ٱسۡتَكۡبَرَ» تحمل دلالة المبالغة؛ فهي تدل على التمادي في الكِبر والتطاول. يقول سبحانه: “إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ” [البقرة: 34].
– المرحلة الثانية: الجدل والمقارنة.. هنا، بعد الإباء والاستكبار، تطور الأمر إلى الجدل مع الله، تبارك وتعالى، ومقارنة نفسه بآدم. وقد بين القرءان أن هذا الاستكبار نابع من شعور داخلي – واهم – بالتميز والتفوق: “قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ” [الأعراف: 12& ص: 76]. وهذه مرحلة خطيرة، حيث يصل العبد إلى درجة المجادلة في أمر الله؛ ليس من أجل التدبر والفهم، ولكن في اتجاه الرفض والتعالي.
– المرحلة الثالثة: التبرير والمساومة.. فقد حاول إبليس تبرير موقفه بالعلة التي ذكرها، وكأنه يقدم حجة على صحة موقفه. إلا أنه بعد أن أيقن العقوبة بالطرد من رحمة الله سبحانه، طلب من الله المهلة إلى يوم يبعثون؛ كما في قوله سبحانه: “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ” [الحِجر: 36 & ص: 79]. وقد أعطاه الله هذه المهلة؛ كما في قوله سبحانه: “قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ” [الحجر: 37-38 & ص: 80-81]. وهذه سنة الابتلاء المستمر، حيث يبقى الشيطان حيا إلى يوم القيامة، ليكون اختبارا للبشر، وليظهر -بناءً على ذلك- من يطيعه ممن يطيع ربه.
– المرحلة الرابعة: إعلان الحرب.. المُثير في القصة القرءانية، أن إبليس لم يستغل المهلة التي سمح الله بها له، في إعلان التوبة إلى الله ليُسامحه على عدم تنفيذ الأمر الإلهي بالسجود لآدم؛ ولكن، على العكس، استغل المهلة ليُعلن الحرب على بني آدم: “قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ” [الأعراف: 16]. وهذه سُنة الصراع الممتد بين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، وبين الهدى والضلال.
ولنا أن نُلاحظ، هنا، كيف أن السياق القرءاني يتميز بالدقة في التعريف والدلالة؛ إذ، عبر هذه الآية الكريمة تتبدى مهمة إبليس الأساسية «لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ» (وهذا «الصراط المستقيم»، بالتعريف القرءاني، له حديث خاص به).
لذلك، حذرنا الله من اتباع خطوات الشيطان: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ…” [النور: 21]؛ فالخطوات الصغيرة قد تقود إلى الهاوية.
وللحديث بقية.








