لم يعد السؤال داخل دوائر التحليل في إسرائيل يدور حول كيفية خوض الحرب ضد إيران- بقدر ما أصبح يتعلق بإمكانية إنهائها، إذ تكشف قراءة متأنية للصحافة العبرية عن مفارقة عميقة بين الخطاب السياسي المعلن، الذي يروّج له كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب بوصفه “نصرا تاريخيا” وبين إدراك داخلي متزايد؛ بأن ما تحقق لا يتجاوز إنجازات تكتيكية مؤقتة لا ترقى إلى مستوى الحسم الاستراتيجي، فاستراتيجية الاغتيالات التي يُعوّل عليها في إضعاف بنية النظام الإيراني تُقدَّم -في الوقت ذاته- باعتبارها غير قادرة على إسقاطه، ما يكشف تحوّل الهدف من الحسم إلى إدارة صراع طويل الأمد، يُبنى على الاستنزاف وإرباك الخصم بدلا من القضاء عليه، وهو ما تعمّق أكثر مع الخطأ الاستراتيجي المتمثل في الإعلان المبكر عن الهدف من الحرب -وهو تغيير النظام- الأمر الذي دفع طهران إلى تبني منطق البقاء وتعزيز تماسكها الداخلي بدل تفكيكه، كما أضعف الرهان على انتفاضة شعبية، في ظل شعور وطني متصاعد يرفض التهديد الخارجي؛ ليجد هذا التناقض ذروته في تعدد روايات النصر، حيث يعلن كل طرف انتصاره في وقت لم يُحسم فيه أي من الملفات الجوهرية، وعلى رأسها الملف النووي الذي لا تزال تحتفظ فيه إيران بمخزون معتبر من اليورانيوم المخصب، وبنية تحتية معرفية وتقنية، تسمح لها بالاقتراب من العتبة النووية في زمن قصير؛ بل إن الحرب نفسها قد تدفعها إلى تسريع هذا المسار، بعد تآكل القيود السياسية والدينية.
ويمثل مضيق هرمز نقطة تحوّل حاسمة في ميزان القوة لصالح إيران، التي نجحت عبر إدارته بشكل “انتقائي” في نقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي العالمي، مهددةً إمدادات الطاقة ومستخدمةً الجغرافيا بوصفها أداة ردع تعوّض بها الفارق العسكري، وهو ما يضع القوى الكبرى أمام معادلة معقّدة لا يمكن حسمها بالقوة العسكرية وحدها؛ خاصةً في ظل تردد الحلفاء الأوروبيين والآسيويين في الانخراط المباشر في الحرب، الأمر الذي يعيد طرح التساؤل حول مدى قدرة أمريكا على فرض نتائج سياسية حاسمة رغم تفوقها العسكري، كما أثبتت تجارب سابقة مثل حرب فيتنام وغزو العراق.
وبالنسبة لدولة الاحتلال التي تخوض الحرب الأعلى تكلفة في تاريخها- تعززت قناعة مقلقة بشأن استمرار الحرب، وطول أمدها الذي قد يتحوّل إلى عامل إنقاذ للنظام الإيراني بدلا من إسقاطه، إذ أن الضغط الخارجي يؤدي عادة إلى تقوية التماسك الداخلي وتأجيل أي حراك احتجاجي، خاصةً في ضوء الذاكرة التاريخية المرتبطة بأحداث أخرى مثل انقلاب 1953، في إيران، لتتبلور في النهاية صورة صراع مفتوح بلا أفق حاسم، حيث لا تبحث الأطراف عن نصر كامل بقدر ما تسعى إلى تجنب هزيمة كبرى، وهو ما يجعل هذه الحرب، بكل تناقضاتها، أقرب إلى حالة استنزاف مزمنة تُدار على حافة الانفجار، أكثر من كونها معركة قابلة للحسم في المدى المنظور.
من خلال المعطيات السابقة التي ترتكز -في مجملها- إلى مقالات وتحليلات منشورة في الصحافة العبرية، أي أنها تبتعد عن المبالغات والأمنيات، في ظل حالة من التعتيم الإعلامي على الخسائر في الجانبين- نستطيع القول أن الحرب الصهيوأمريكية على إيران -مهما كانت نتائجها- ستفرض واقعا جديدا إقليميا وعالميا، فالحرب الدائرة الموصوفة ببعدها عن الحسم؛ تؤكد أيضا أن العرب هم الطرف الذي سيتحمل الجزء الأكبر من الخسارة؛ ما يملي على الأنظمة العربية مراجعة مواقفها، وإعادة النظر في تحالفاتها، بعد تكشّف العديد من الحقائق على الأرض، ما يلزم معه استبصار الآتي على نحو أكثر وعيا وإدراكا، مع النظر إلى الشعب العربي بوصفه رقما مهمّا في المعادلة، يحسب له ألف حساب.



