يقدم تحليل هآرتس فكرة عن نمط تفكير النخبة الأمنية والسياسية “الإسرائيلية” لمقترح المفاوضات الذي تحدث عنه الرئيس ترامب؛ لكن هذه الفكرة التي تدَّعي أن إيران بعد الحرب ستكون قابلة لتقديم تنازلات جوهرية، تتجاهل نقطتين.. الأولي هي أن إيران تعتبر صمودها والضرر الذي الحقته بالاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، والتشكيك في قيمة الحماية الأمنية الأمريكية لدول الخليج الغنية- يمنحها ميزة تفاوضية وليس ضعفا كاملا. النقطة الثانية هي مستقبل النظام السياسي للجمهورية الاسلامية الإيرانية، والذي يعني أن قيام النظام بتقديم تنازلات جوهرية قد يعتبر استسلاما في نظر الجمهور الإيراني، ما يعني سقوطا لشرعية النظام الداخلية وربما تهديدا لبقائه.. وبالتالي فمن غير المرجح أن يحصل ترامب ونتنياهو من المفاوض الإيراني بالتفاوض، علي ما لم يحصلوا عليه حتي الآن بالحرب
يونتان ليس، نقلا عن صحيفة هآرتس العبرية الأربعاء 25/3/2026
النخبة السياسية في إسرائيل تعتقد أن الرئيس الامريكي دونالد ترامب مصمم بالفعل على السعي إلى التوصل لاتفاق سريع انهاءً للحرب. ولكنها -أي تلك النخبة- تواجه صعوبة في فهم حدود هذا التصميم:
هل سيوافق ترامب على إظهار مرونة في القضايا الرئيسة مع طهران؟ وهل سيوافق- حال فشل المفاوضات- على توجيه ضربات إضافية كبيرة؛ تمنع الحاجة إلى جولات قتال أخرى في المستقبل القريب؛ إذا ما نجا النظام الإيراني من سيناريوهات الانقلاب؟
في الوقت الحالي يبدو أن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، سيصبح شخصا محوريا في المفاوضات.
تدرك “إسرائيل” جيدا مهارة عراقجي في التفاوض، حيث ترأَّس الوفد الإيراني في مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي في فترة إدارة بايدن. ولمدة أربع سنوات تقريبا أجرت إيران والقوى العظمى جولات مفاوضات غير مجدية، مع التشكيك في فعالية الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية.
ورغم ذلك قدَّر مسئولون رفيعو المستوى في “إسرائيل” أمس الثلاثاء، كانوا مطلعين على المفاوضات في حينها، أن الوفد الإيراني لن يماطل هذه المرة.
أحدهم قال لـ “هآرتس”: “ترامب لن يتسامح مع المماطلة. سيفحص بجدية إمكانية التوصل إلى اتفاق معقول، ولكنه سينهي المفاوضات ويعود إلى القتال إذا شعر أنه يُسْتَغَلُّ”.
وحسب مسئول رفيع آخر فإن “إيران ليست إيران التي كانت. فقد مُنِيَت بـ”هزيمة قاسية” في الأسابيع الأخيرة. ومن المرجّح أنها تفضِّل تقليل الخسائر على المخاطرة بجولة أخرى تفقدها نفوذها. ستجرى مفاوضات جدية. والسؤال هو هل سيرضي الحد الأقصى الذي ستوافق عليه إيران الرئيس الأمريكي ترامب؟”.
رغم هذه التقديرات إلا أنه يصعب على “إسرائيل” -في هذه المرحلة- التنبؤ بمستوى مرونة الإيرانيين. فمن المتوقع أن يصمم ممثلو النظام على خطوط حمراء، الأهم من بينها التزام الولايات المتحدة و”إسرائيل” بعدم مهاجمة إيران من جديد في السنوات القادمة، رفع العقوبات التي تخنقها اقتصاديا، والموافقة على استمرار امتلاك منظومة الصواريخ الباليستية بحجم معين.
ما زالت “إسرائيل” قلقة بشأن مسائل جوهرية، رغم الوعود التي تصدر عن واشنطن، مثل ما مصير الـ 450 كيلوجرام تقريبا من اليورانيوم المخصب بمستوى 60% والمخبأ في أرجاء ايران؟ هل سيسلَّم للوكالة الدولية للطاقة النووية، أم لدولة ثالثة أم أنه سيبقى في حوزة إيران، تحت رقابة غير دقيقة؟
في نفس الوقت تتساءل “إسرائيل” كيف ستتمكن الولايات المتحدة بالفعل من منع إيران من استئناف تخصيب اليورانيوم والمشروع النووي.
وهناك سؤال آخر.. وهو كيف يمكن وقف استئناف برنامج الصواريخ؟ إضافة إلى ذلك.. تواجه “إسرائيل” صعوبة في تقدير ما إذا كانت خطة تقويض النظام في ايران من الداخل، التي كان من المفروض إطلاقها بعد انتهاء الحرب، ستنفَّذ أم أن الإدارة الأمريكية ستعرقلها في ظل التفاهمات مع النظام في طهران.
بالنسبة لترامب، إلى جانب حل قضية اليورانيوم المخصَّب، يُتوَقَّع أن يكون طلبه الرئيس، هو إيجاد حل يسمح بحركة السفن بأمان في مضيق هرمز، لتجنب أزمة اقتصادية شديدة.
لقد كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شريكا رئيسا في الحرب. ولكن تفويض اتخاذ القرارات بشأن إيران يوجد الآن في يد الولايات المتحدة. فهل سيخضع مبعوثا الرئيس، ستيف ويتكوف، وجارد كوشنر لإيران، بشأن برنامج الصواريخ، بطريقة تسمح لها بإعادة تشكيل تهديد على “إسرائيل”؟ هل سيسمحان لإيران بالحفاظ على علاقاتها مع وكلائها، حماس وحزب الله والحوثيين؟
لقد حاول نتنياهو إظهار السيطرة على الموقف في يوم الثلاثاء عندما صرَّح -في أعقاب الإعلان المفاجئ عن المفاوضات- قائلا: “الرئيس ترامب يعتقد أنه توجد فرصة للاستفادة من الإنجازات الكبيرة للجيش الإسرائيلي والجيش الامريكي من أجل تحقيق أهداف الحرب في اتفاق يحمي مصالحنا الحيوية”.
الجيش الإسرائيلي مستعد لمواصلة القتال ضد حزب الله، حتى بعد انتهاء الحملة في ايران؛ ولكن القيادة السياسية لا تستبعد إمكانية محاولة ترامب ربط أي اتفاق بوقف إطلاق النار في ايران وفي لبنان.
كان رئيس الأركان قد أوضح وجهات أخرى بأنه لدى سلاح الجو بنك أهداف يكفي لعدة اسابيع، حتى إلى ما بعد عيد الفصح. ولكن -في نفس الوقت- تستعد “إسرائيل” لاستنفاد هذه الأهداف في أسرع وقت ممكن.
وهكذا، أعلن نتنياهو في الأسبوع الماضي أن هدفين من أهداف الحرب التي حددتها “إسرائيل” قد تحققا بالفعل عندما قال: “إيران لم تعد تمتلك القدرة على تخصيب اليورانيوم، وليست لديها القدرة على إنتاج الصواريخ الباليستية”.
بطريقة معينة لا تقدم “إسرائيل” على أخطار غير ضرورية. فقد قدَّم وزير الدفاع مساء أمس الثلاثاء، اقتراح للحكومة من أجل المصادقة عليه لتمديد الوضع الخاص في الجبهة الداخلية لثلاثة أسابيع، وهذا دليل على أنه حتى لو كانت واشنطن تتحدث عن اتفاق في غضون بضعة أيام، إلا أن تل أبيب تستعد لحملة طويلة.








