رؤى

الجنيه المصري يسجل تراجعا تاريخيا.. مقابل الدولار

يشهد الاقتصاد المصري ضغوطا متعددة، منذ اندلاع الحرب الصهيوأمريكية على إيران، قبل شهر.. انعكست على نحوٍ بالغ الوضوح على سوق الصرف، حيث واصل الجنيه المصري تراجعه ليسجل أدنى قيمة له على الإطلاق أمام الدولار. إذ ارتفع سعر صرف العملة الأميركية بنحو 14% خلال شهر واحد فقط؛ ليصل إلى نحو 54.6 جنيه للدولار مقارنة بنحوٍ من 47.97 جنيه قبل بداية الحرب، مع تصاعد الطلب على النقد الأجنبي وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق.

ومع الخروج الجزئي للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية، حيث تشير بعض التقديرات إلى خروج ما بين 8 و9 مليارات دولار من الأموال الساخنة منذ منتصف فبراير- تزايدت طلبات تمويل الاستيراد بشكل ملحوظ ما أدى إلى زيادة الضغوط على الجهاز المصرفي، الذي اضطر إلى تشديد شروط تمويل الاستيراد، من خلال رفع عمولات فتح الاعتمادات وزيادة نسب الغطاء النقدي.

تزامن ذلك مع ارتفاع حاد في فاتورة استيراد الطاقة، حيث تضاعفت بنحو مرتين ونصف خلال شهرين، لتصل إلى 2.5 مليار دولار في مارس مقارنة بنحو 1.2 مليار دولار في يناير، نتيجة القفزات في أسعار النفط العالمية التي تجاوزت 120 دولارا للبرميل في ذروة التوتر. ويشكل هذا التطور عبئا إضافيا على احتياطيات النقد الأجنبي، خاصة في ظل اعتماد مصر على استيراد نحو مليون طن شهريا من المنتجات البترولية.

ومن المتوقع أن تُبقي لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري، في اجتماعها بعد غد الخميس أسعار الفائدة دون تغيير، في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية المتزايدة. وتأتي هذه التوقعات رغم ارتفاع العائد على أذون الخزانة إلى أكثر من 25% على بعض الآجال، نتيجة مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المتزايدة. كما يواجه صانعو السياسات معضلة الموازنة بين دعم العملة وكبح التضخم من جهة، وتحفيز النمو الاقتصادي من جهة أخرى.

ويبدو أن حصان التضخم لا يمكن كبحه بتلك الأدوات التي يعتمدها البنك المركزي؛ إذ ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 13.4% في فبراير، مع توقعات بموجة جديدة من الارتفاعات مدفوعة بزيادة أسعار الوقود وتذاكر النقل العام، إلى جانب تأثير تراجع سعر الصرف على أسعار السلع المستوردة. ويضع ذلك هدف البنك المركزي بخفض التضخم إلى نطاق 5: 9 % بحلول نهاية 2026 تحت اختبار صعب في ظل المتغيرات الخارجية.

في مواجهة هذه التحديات، تبنت الحكومة المصرية حزمة من الإجراءات العاجلة لاحتواء التداعيات، شملت ترشيد استهلاك الطاقة عبر تقليل ساعات عمل المحال التجارية، وتطبيق نظام العمل عن بعد جزئيا، إلى جانب إبطاء تنفيذ بعض المشروعات الكبرى لتقليل استهلاك الوقود. كما أعلنت عن زيادات مرتقبة في الأجور بهدف تخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين.

بالتوازي، تسعى الحكومة إلى تقليل فاتورة الاستيراد عبر زيادة الطاقة التشغيلية لمعامل التكرير المحلية بنحو 10%، واستهداف خفض واردات الوقود بنسبة مماثلة خلال الأشهر المقبلة. كما يظل الدعم المتوقع من صندوق النقد الدولي، عبر صرف نحو 3.3 مليار دولار على دفعتين، عاملا مهما في تعزيز السيولة الدولارية.

في المجمل، يعكس أداء الاقتصاد المصري في هذه المرحلة حساسيته العالية للصدمات الخارجية، خاصة تلك المرتبطة بأسواق الطاقة وحركة رءوس الأموال. ويظل مسار الجنيه والتضخم مرهونا بدرجة كبيرة بتطورات الحرب، حيث قد يؤدي انحسار التوترات إلى استعادة قدر من الاستقرار، بينما ينذر استمرارها بمزيد من الضغوط على المؤشرات الاقتصادية الرئيسة. ورغم أن الحرب على غزَّة -والتي استمرت لسنتين- كانت مؤشرا واضحا على خطورة الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد، وعدم التركيز على إنتاج البدائل المحلية وتشجيع التصنيع، وكذلك خطورة الارتهان للأموال الساخنة والتوسع في الاستثمار في أدوات الدين- إلا أن السياسات الاقتصادية لا تزال تسير في ذات الاتجاه دون أدنى استفادة من تداعيات الحرب على القطاع.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى