رانجان سولومون، نقلا عن موقع ميدل إيست مونيتور
“شعب يضطهد شعبا آخر لا يمكن أن يكون حرا” فريدريك إنجلز
الصهيونية عنصرية. أقول هذا بوضوح، لا كشعارٍ مُستفز، بل كاستنتاجٍ مُستمد من التاريخ، والواقع المعاش، والبنية السياسية التي نشأت فيما يُعرف اليوم بـ”إسرائيل”. لستُ مهتما بتخفيف حدة هذا الادعاء لجعله أكثر قبولا، ولا بتلطيفه لدعوة نقاشٍ مُهذب. بعض الأفكار تتطلب الوضوح، لا المساومة.
تُقدم الصهيونية نفسها كحركةٍ لحق اليهود في تقرير مصيرهم. يبدو هذا المبدأ منطقيا في حد ذاته -فلكل شعب الحق في رسم مستقبله السياسي. لكن لا يوجد مشروع سياسي بمعزلٍ عن غيره.
أحداث عام 1948، ليست سوء فهمٍ مأساوي أو نتيجةً مؤسفةً لبناء الدولة. إنها أحداثٌ محورية. طُرد مئات الآلاف من الفلسطينيين أو فرّوا من ديارهم، ودُمّرت قرى بأكملها، وفُكّك مجتمعٌ قائمٌ منذ أجيالٍ بشكلٍ ممنهج. يتذكر الفلسطينيون هذه الأحداث باسم النكبة “الكارثة” وهذا الوصف ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لشرخٍ جوهري لا يزال يُؤثر في كل جانب من جوانب الحياة الفلسطينية.
لم يكن ما تلا ذلك ظلما مؤقتا، بل ترسيخا لنظامٍ قائم. فقد صِيغت قوانين الأراضي، وهياكل المواطنة، وسياسات الدولة بطرقٍ تُعطي الأولوية للهوية اليهودية على حساب تهميش الفلسطينيين، سواءً بقوا داخل حدود إسرائيل أو عاشوا تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا ليس من قبيل الصدفة، بل هو النتيجة المنطقية لدولةٍ بُنيت للحفاظ على أغلبية ديموغرافية وسياسية لجماعةٍ على حساب الجماعات الأخرى.
غالبا ما يُجادل أنصار الصهيونية بأنها ليست عنصرية، بل تحريرٌ وطني -رد فعلٍ على قرونٍ من الاضطهاد بلغت ذروتها في المحرقة -هذا التاريخ لا يُمكن إنكاره وهو مُرعب- بل على العكس، ينبغي أن يُعمّق هذا الالتزام بالحقوق العالمية، لا أن يُضيّقها.
إن الإشارة إلى هذا لا يعني إنكار التاريخ أو الهوية اليهودية، بل هو رفضٌ لفكرة أن أمن شعبٍ ما يجب أن يُبنى على استبعاد أو إخضاع شعبٍ آخر. من جهة أخرى، لا يمكن التوفيق بين أيديولوجية سياسية تُكرّس التفضيل العرقي أو الديني في القانون -لا سيما في أرض تتشاركها مجتمعات متعددة- وبين المساواة الحقيقية. فعندما تُوزّع الحقوق على أساس الهوية، لا يُعدّ التمييز خللا في النظام، بل هو النظام نفسه.
يتجلى هذا الواقع ليس فقط في الأحداث التاريخية، بل في هياكل العصر الحالي. يعيش الفلسطينيون في الأراضي المحتلة تحت الحكم العسكري، ويخضعون لقيود على الحركة، والوصول إلى الموارد، والحريات المدنية الأساسية. وفي “إسرائيل” نفسها، يواجه المواطنون الفلسطينيون أوجه عدم مساواة منهجية في مجالات مثل تخصيص الأراضي، والسكن، والسلطة السياسية. إن تفتيت الهوية الفلسطينية -إلى مواطنين، ومقيمين، ولاجئين، وأشخاص تحت الاحتلال- ليس صدفة، بل هو أسلوب للسيطرة.
غالبا ما تُخفي اللغة هذه الحقائق. فمصطلحات مثل “الأمن” و”النزاع” و”الأراضي المتنازع عليها” تُوحي بالتماثل، كما لو أن طرفين متساويين يخوضان صراعا متكافئا. لكن الواقع المعاش يروي قصة مختلفة: قصة سلطة وسلب، قصة دولة ذات هيمنة عسكرية وسياسية طاغية على… الأشخاص عديمو الجنسية. إن تسمية هذا الخلل أمرٌ بالغ الأهمية، لأنه بدونها، قد يُعاد صياغة الظلم على أنه أمرٌ حتمي.
هناك من يتحدّون هذا النظام من الداخل. أصواتٌ مثل ميكو بيليد -وهو إسرائيلي نشأ في كنف المؤسسة الصهيونية- باتت ترفض هذه الأيديولوجية تحديدا لأنها ترى عواقبها. لا تنبع انتقاداتهم من الجهل أو العداء، بل من التقارب والتأمل. إنهم يُظهرون أن معارضة الصهيونية لا تعني بالضرورة العداء لليهود؛ بل هي موقف سياسي وأخلاقي ضد نظام سلطة مُحدد.
كثيرا ما يردّ منتقدو هذا الموقف بوصفه بالتطرف أو الظلم. يزعمون أن للصهيونية تفسيرات متعددة، وأنها قابلة للإصلاح، أو أنها ببساطة تُعبّر عن رغبة شعبٍ في العيش بأمان. لكن السؤال ليس ما تدّعيه الصهيونية نظريا، بل ما أنتجته على أرض الواقع. وفي الواقع، خلقت الصهيونية وحافظت على واقعٍ تُعلي فيه حقوق وحريات فئةٍ ما على حساب فئةٍ أخرى.
إذا طبقنا المعايير الأخلاقية نفسها التي ندّعي التمسك بها في مواضع أخرى -معارضة الفصل العنصري، والتفوق العرقي القومي، والأنظمة التي تُفضّل فئة على أخرى- يصبح من الصعب تجنب هذه النتيجة.
لهذا أقول إن الصهيونية عنصرية. ليس من باب الإهانة، بل كوصف. إنها تُشير إلى نظام تُحدد فيه الهويةُ الحقوقَ، ويُستخدم فيه التاريخ لتبرير عدم المساواة، ويأتي فيه السعي وراء أمن فئة على حساب حرية فئة أخرى.
هناك ميلٌ إلى اعتبار مثل هذه التصريحات خارجة عن نطاق الخطاب المقبول، والإصرار على أنها قاسية للغاية، ومطلقة للغاية، ومثيرة للانقسام. لكن عدم الارتياح لا يعني بالضرورة عدم الدقة. بل إن مقاومة تسمية المشكلة تعكس مدى رسوخ هذا النظام في المجتمع.
الخلاصة: لا يمكن لأي نظام قائم على عدم المساواة أن يستمر دون مقاومة، ولم يُحلّ أي ظلم قطّ بمجرد رفض تسميته. إذا كنا نؤمن بالكرامة والمساواة والحرية كمبادئ عالمية، فلا يمكن أن تتوقف عند حدود فلسطين، ولا أن تكون مشروطة بالهوية. الخيار ليس بين المجاملة والحقيقة، بل بين الحفاظ على نظام الهيمنة أو مواجهته بصدق. أختار الصدق. والصدق يقتضي أن نقولها دون تردد، ودون مواربة، ودون اعتذار: الصهيونية عنصرية.
رابط المقال:








