في السابع والعشرين من يونيو من سنة 1998، دُعي الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، من قبل نقابة المحامين في لبنان، لإلقاء محاضرة في قصر العدل، اختارت النقابة لها قضية حقوق الإنسان. لكن هيكل اختار أن يقدِّم واحدة من أهم محاضراته، وكان عنوانها “الخليج العربي مكشوف: تداعيات التفجيرات النووية في شبه القارة الهندية”.
كانت الهند ومن بعدها باكستان قبل محاضرة هيكل بأيام قد أجرتا اختبارين نووين متتابعين. هنا لقط هيكل خطورة الموضوع وتكلم محذرا من تداعيات ما جري في جنوب آسيا على الخليج العربي، ومن ثم على غلافه الاستراتيجي العربي الأوسع. وفيما يلي أسطر قليلة من محاضرة هيكل.
“إن الخليج العربي مُعرَّض لتساقط نووي تحمله الرياح إليه من شبه القارة الهندية. وقد لا يكون غبار هذا التساقط مشبعا بسموم الإشعاعات، ولكنه سيكون على الأرجح مشحون بالمطالب. وإذا كانت باكستان قد سبقت، فمن الطبيعي والمنطقي أن الهند لن تترك الأبواب مفتوحة وموصدة أمامها… وإذا خطر للبعض أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج عنصر تأمين وطمأنينة، فالحقيقة أن ظل الجغرافيا على التاريخ ثابت، في حين أن ظل البوارج الحربية على الشواطئ متحرك… إن بعض المخاطر لا تنفع فيه أساطيل البحر والجو، ولا يجدي ضربه بالقنابل والصواريخ… فالبوارج الحربية تتحرك وفق استراتيجيات لها أولويات مرهونة بالظروف، وذلك كله يبعث برسالة شديدة الوضوح- مؤداها أن الخليج العربي مكشوف. وإذا تذكرنا أن الخليج إضافة إلى كونه الجناح الشرقي وبؤرة الاهمية الاستراتيجية لموقع الأمة كما أنه موطن واحد من أهم مواردها- إذن فإن انكشاف الخليج يضع الأمة أمام مسئولية طارئة عليها أن تسأل نفسها إذا كانت منتبهة لها ومستعدة لمضاعفاتها، وهي مضاعفات لها تكملة ولها امتداد قد يتدافع من شواطئ الخليج إلى شواطئ البحر الأبيض”.
أترك كل من يقرأ هذا الاقتباس حُرا في أحكامه واستنتاجاته. لكن ما قد لا يختلف عليه اثنان: 1) أن 28 سنة قد مرت على هذا التوصيف.
2) أن انكشاف الخليج خلالها قد ازداد ليس فقط أمام قطبي جنوب آسيا وإنما أمام شريكته الواقعة على الجانب الشرقي من الخليج.
3) أن ظل الجغرافيا بالفعل ثابت لا يمكن تجاهله. فإيران برغم كل ما يقال فيها وعنها وحولها، وأكثره صحيح، تبقى بالجغرافيا قدر لا مفر منه. أما ظل البوارج الحربية على الشواطئ فقد ثبت بالفعل أنه مرهون دوما بالظروف، وبوارج أمريكا وكل ترسانتها في الخليج تعرَّضت لاختبار صلاحية شديد أظهرت أن الثقة فيها بأبسط حسابات النفقة والمنفعة الاستراتيجية والمالية بدأت تتغير.
4) أن ارتدادات وامتدادات ومضاعفات كل عارض عرض للخليج ظلت تتدافع بلا توقف وبمنتهى العنف طيلة 28 سنة من شواطئ الخليج إلى شواطئ البحر الأبيض- في دليل قاطع على العلاقة العضوية بين أمن الخليج وأمن كل دولة عربية.
كان الانكشاف يولد انكشافا أوسع. ومع هذا وبدلا من أن يكون الغلاف الاستراتيجي العربي سترا وغطاءً على الخليج، وبدلا من أن يكون الخليج متنبها ويقظا لحتمية ربط نفسه ربطا إيجابيا بهذا الغلاف، راح الانكشاف يتسع حول الخليج وفي عمق الكتلة العربية بأكملها. هناك بالفعل أزمة عربية في التعلم من الماضي. ولهذا تتكرر وتتراكم الانكشافات.








