قبل أيام مرت ذكرى ميلاد ابن رشد التي كانت قبل تسعة قرون، في قرطبة بالأندلس.. هذا الحدث الذي جعلت منه كافة المؤسسات الثقافية في مسقط رأس الفيلسوف القرطبي، حدث العام، ونُظّم من أجله العديد من الفعاليات بدأت أولاها في مارس الماضي في جامعة قرطبة .. وتلتها فعاليات متنوعة.
أما في العالم العربي فكما يقولون “لاحس ولا خبر” وكأن ابن رشد لا يعنينا من بعيد أو قريب، وكأن النُّخب العربية تبرأت منه ومما أثاره من قضايا وما تركه من إرث، فالفلسفة اليوم – في عالمنا العربي- في أسوأ حال، والاتهامات التي تكال لها صباح مساء لا تخفى على أحد.. حتى أن إغلاق الكليات التي تدرسها وغيرها من العلوم الإنسانية – أمر بات محل نقاش، فالجدوى من تدريسها شبه منعدمة في نظر معظم النخب السياسية في بلادنا.
لا ينكر فضل ابن رشد على الغرب إلا جاحد، فلقد كان لشروحه لأرسطو الأثر الأكبر في مد جسور الصلة بين أوروبا الغارقة في الظلام والجهل والخرافة ، وبين الإرث الفلسفي الإغريقي الذي استطاعت به أوروبا أن تنفض عنها عار القروسطية البغيض.
لقد حاول كثير من مفكري الغرب غير المنصفين الانتقاص من قدر الرجل، والتقليل من قيمة ما منحه للفكر الأوربي من جليل الأعمال؛ فقد تميّز الرشديون (أتباع فكره من الطلاب والأساتذة) بالميل لمتابعة الحجج الفلسفية لاستنتاجاتهم المنطقية؛ متحررين من قيود الكنيسة؛ التزاما بقول ابن رشد أن الفلسفة “يجب تُعلِّم الدرس الديني وليس العكس”.. كان هذا النهج محفوفا بالمخاطر في وقت كانت الكنيسة فيه ترفع سيف الرقابة على المنتج العلمي والفكري وخاصة الفلسفي.
لم يكن في وسع أحد آنذاك الدفاع عن آرائه وإن بدت صحيحة، فكانوا ينسبون قولهم للعقل الفلسفي الخالص، ولم يجرؤ أحد على القول باستقلالية العقل، في مواجهة المزاعم الدينية، لكن النهج الرشدي كان السبيل الوحيد لكسر هذا القيد؛ ليتحرر العقل الأوروبي إلى الأبد.
إن الزلزال الذي أحدثه ابن رشد في الفكر الأوربي ظلت تداعياته تعمل عملها لفترة طويلة، وكان الفكر الغربي الغارق في الاستعلاء وأوهام التميّز- يرفض الاستسلام للأنوار الرشدية -إذا جازت التسمية- فكانت الكتابات الأوربية إلى وقت قريب تنال من الرجل بأكاذيب فجة وادعاءات يلفظها العقل.
لقد تنكرت أوربا لـ “رشديتها” منذ مطلع القرن السابع عشر، وحتى منتصف القرن التاسع عشر حين ظهر كتاب “ابن رشد والرشدية” للفيلسوف الفرنسي “إرنست رينان” والذي احتاج لثلاثة عقود أخرى؛ ليظهر في شكله النهائي بعد عديد من الإضافات والتعديلات، وبدا رينان استعلائيا مقيتا لا يُبرزُ مأثرةً لابن رشد إلا وسارع إلى نفيها، حتى أوقع نفسه في تناقضات تثير السخرية؛ ليقول في مقدمة كتابه: “وأعُدني أول من يعترف بأنَّه لا يوجد ما نتعلمه أو نعلمه تقريبا من ابن رشد ولا من العرب ولا من القرون الوسطى” ويقول أيضا في مخاصمة فجة للمنطق عن الرشدية إنَّها “لا تحوز أية أهميةٍ بصفتها فلسفة، ولكنَّها سرعان ما تحوز أهميةً تاريخيةً حقيقيةً حين ندرك أنَّها كانت في حقيقتها ذريعةً لانبعاث الاستقلال الفكري”. لتظل تلك الأكاذيب المريحة رائجة إلى وقت قريب، قبل أن يتبنى عدد من الفلاسفة الفرنسيين على رأسهم الفيلسوف “آلان دوليبيرا” إعادة الاعتبار للرشدية، ودحض كل ما علق بها من أدران من مقولات “الإكويني” إلى افتراءات “رينان.
وما زلنا نحن العرب بمنأى عن أفكار ابن رشد، باستثناء بعض المحاولات الجادة والتي كان على رأسها إسهام الدكتور محمد عابد الجابري، والدكتور إبراهيم بورشاشن وغيرهما من المغاربة الذين تعاملوا مع التراث الرشدي بما يستحق من إنعام النظر.. وما زال أمامنا الكثير من العمل في هذا الاتجاه، قبل أن يسترده الأوروبيون كاملا تحت اسم Averroes كما يسمونه.








