رؤى

اسرائيل المستقلة تشكل خطرا.. على نفسها وعلى محيطها

هآرتس 23/4/2026، جدعون ليفي

مقدمة أصوات:

يرى الكاتب جدعون ليفي أن “إسرائيل المستقلة” ليست فقط خطرا على محيطها، بل على نفسها أيضا. كاشفا عن خلل بنيوي في مشروع دولة الاحتلال، فلم تكن المشكلة يوما في مقدار “استقلال” إسرائيل، بل في طبيعة هذا الكيان ذاته، القائم على نفي الآخر، ومصادرة أرضه، وشرعنة العنف ضده بوصفه ضرورة وجودية. ويحذر ليفي من انفلات إسرائيل إذا تحررت من القيود الدولية، ويلمّح إلى حقيقة أن ما كُبح من هذا العنف لم يكن بدافع أخلاقي ذاتي، بل بفعل موازين قوة وضغوط خارجية. أي أن القيد لم يكن خيارا، بل ضرورة فرضتها اعتبارات السياسة الدولية، لا مراجعة داخلية جادة. لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن هذا النقد، رغم جرأته، يظل أسير افتراض ضمني: أن المشكلة قابلة للاحتواء عبر “الضبط”، لا عبر التفكيك الجذري لمنظومة الاحتلال.

المقال:

هل إسرائيل جاهزة للاستقلال؟ هل الاستقلال في صالحها؟ لقد اظهرت السنوات القليلة الماضية إنه من الافضل لها أن لا تكون مستقلة في الوقت الراهن، وبالتأكيد ليس في ظل القيادة الحالية، ولكن ليس في ظل قيادة أخرى. ولنضع حدا لسلسلة الشعارات الفارغة حول الاستقلال. إسرائيل المستقلة هي إسرائيل المتحررة من القيود؛ إسرائيل المستقلة تشكل خطرا على نفسها وعلى محيطها.

لم تكن إسرائيل مستقلة تماما في أي يوم. ومشكوك فيه أن تكون دولة بحجمها وبهذا القدر من التبجح قادرة على أن تكون مستقلة بشكل كامل. في الأشهر الأخيرة قُدِّمَ للإسرائيليين دليل حاسم على أن استقلال دولتهم بعيد المنال. وهذا أمر جيد. لقد فرض إنهاء الحرب في غزة وفي لبنان وفي إيران على إسرائيل بمكالمة هاتفية واحدة. أولئك الذين كانت نشوة الاستقلال تخنقهم.. اضطروا إلى ابتلاع الخِزي، ونفيه أو طمسه أو كبته. ولكن الحقيقة كانت صارخة: هناك قضايا لا تملك إسرائيل فيها أية سلطة، حتى عندما يتعلق الأمر بقرارات مصيرية تمس بها وبجيشها. إحدى أكثر دول العالم غطرسة، التي تتجاهل كليا قرارات المجتمع الدولي ونصائح حلفائها، أجبرت على الاعتراف بحدود قوتها، حتى لو أنها لم تعترف بذلك. وهذا ما أنقذها.

في اليوم التالي لعيد الاستقلال، تخيلوا اسرائيل مستقلة، ولا تعتمد على الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، بل هي سيدة مصيرها. تستمر الحرب في غزة ومعها مشروع الطرد الجماعي والتطهير العرقي للقطاع من كل سكانه. القتل سيصبح أكثر وحشية، 700 ألف قتيل بدلا من 70 ألف، ويُطرد الباقون نحو الجنوب. لا أحد يوقف اسرائيل، بعد ذلك تبدأ في توطين القطاع بآلاف المستوطنين. من أجل ذلك سيتخلون حتى عن عدد من مزارع المذابح في الضفة الغربية. هذا هو حلم معظم أعضاء الحكومة، ويصعب تخيل من سيعارض ذلك. كم هو صعب تصور بنيامين نتنياهو، في حالته السياسية والشخصية، وهو يوقف هذه التحركات. سينفذها الجيش الإسرائيلي بانضباط، بل وبسرور. تخيلوا إسرائيل مستقلة في لبنان. القوات على مشارف بيروت، الدمار في الجنوب شامل، ويتقدم الجيش بسرعة نحو الشمال، لا أحد يوقفه. المستوطنون في غزة يرسلون أبناءهم لإقامة مزارع في جنوب لبنان على أنقاض القرى، من الذي سيرفض استيطان الأرض كلها؟ من الذي سيرفض توسيع حدودها؟ سيحضر مايك هكابي وضع حجر الأساس لأول مستوطنة في لبنان، وهي خطوة أولى نحو رؤيته لإسرائيل من النيل إلى الفرات. تخيلوا إسرائيل مستقلة في إيران. الحرب تستمر بلا هوادة، وسلاح يوم القيامة جاهز للاستخدام.

إسرائيل المستقلة هي إسرائيل بلا قيود. من المستفيد من ذلك باستثناء اليمين المتطرف؟ يجب على الجميع شكر الله ومبعوثه دونالد ترامب على دعمهما لإسرائيل في ثلاث جبهات.

من الجيد الحديث عن الاستقلال؛ فالأطفال أيضا يرغبون في أن يكبروا ويكونوا مستقلين. ولكن يوجد بينهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين هم غير قادرين على الاستقلال. بالنسبة لهم الاستقلال نقمة. إسرائيل كذلك. لو أنها تخلت عن اعتمادها على الولايات المتحدة وتوقفت الأخيرة عن رعايتها، لكانت حدثت كارثة أسوأ من الكوارث التي جلبتها لنفسها. إن التوق للسلطة والجشع للأراضي وجنون العظمة الذي يجعلها تعتقد أنها قادرة على كل شيء في المنطقة، وأن كل شيء مباح لها، والغطرسة والتعالي على جيرانها، والاعتقاد الخفي بأن كل إسرائيلي تقريبا ينتمي للشعب المختار، ليست صفات يمكن تجاهلها. احتياجات خاصة، كما تعرفون.

الدولة التي تتأرجح عقليتها بين جنون الارتياب وجنون العظمة، وترى الخطر الوجودي في كل مكان، وتؤمن أن قوتها العسكرية هي الحل لأي مشكلة، ولا تتحمل المسئولية عن افعالها بل تلوم كل العالم باستثناء نفسها، هذه الدولة لا يمكن أن تكون دولة مستقلة. تعالوا نعترف: لو أنها كانت أقل استقلالية مما هي عليه لكان وضعها أفضل بكثير.

 

زر الذهاب إلى الأعلى